شاهدت أخيراً فيلماً وثائقياً في قناة إخبارية أوروبية عن انتشار الأفكار الفاشية في صفوف الشباب في إسبانيا، إذ يزور بعض الشباب قبر الديكتاتور فرانشيسكو فرانكو في ذكرى وفاته (20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975)، ويرفع عددٌ من أعضاء الحركة الكاثوليكية الإسبانية علم إسبانيا المعتمد في عهد فرانكو، ويؤدّون التحيّة الفاشية.
وأظهر استطلاع للرأي أنّ واحداً من كلّ خمسة شباب إسبان، أي 19.6% ممَّن تراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً، يعتبر سنوات الديكتاتورية “جيّدة” أو “جيّدة جدّاً”. ويعزو خبراء هذا الأمر إلى تأثير خطاب اليمين المتطرّف “التفكيكي” في وسائل التواصل الاجتماعي، وإلى توزيع منشورات تتحدّث عن عظمة ذلك العهد، فيما اعتُبر “موجة حنين إلى الفرانكووية” (Francoism) بين الشباب والمراهقين الإسبان. ونُشرت تحقيقات صحافية ودراسات في إسبانيا ترصد انجذاب الشباب صغار السنّ، من جيل “زد” والمراهقين، إلى حقبة الديكتاتور فرانشيسكو فرانكو.
ومن مدريد وروما وبرلين، نجد أنّ ذلك التقرير، بما يرصده من ظواهر مشابهة تنتشر في أماكن عديدة في أوروبا، يشير إلى ظاهرة لافتة تثير تساؤلاتٍ عن سبب فرار شابّ في العقد الثاني أو الثالث من عمره، نشأ في عصر الفضاء الرقمي وحرّية الفكر والتعبير، إلى المطالبة باستعادة الحكم العسكري وعودة الديكتاتورية وحكم الحزب الواحد، واعتبار ذلك حلّاً لمشكلات أوروبا الاقتصادية والهُويّاتية.
المسألة ليست مجرّد جهل بالتاريخ أو غسل دماغ رقمي عبر منصَّتي تيك توك وتليغرام، وإن كانت هذه المنصّات تتقن تغليف الفاشية بألوان برّاقة، بل هي في الأساس أزمة ثقة وجودية في النظام الديمقراطي والمؤسّسات الحديثة. فالديمقراطية، بالنسبة إلى شابّ إسباني يواجه بطالةً تجاوزت 30%، أو بالنسبة إلى شابّ إيطالي يرى مستقبله هشاً ومؤجّلاً، أصبحت عاجزةً وعقيمةً، وغير قادرة على كبح جماح الرأسمالية، بالإضافة إلى الخطاب اليميني الأوروبي الذي يلصق كلّ الشرور بالمهاجرين واللاجئين. وهكذا، يعاد تسويق الفاشية والنازية والسلطوية باعتبارها حلّاً سحرياً وكرامةً مستعادةً، لا بوصفها معتقلات أو سلباً للحرّيات.
عندما نرى شباباً يهتفون لـ”يد من حديد”، أو يمجّدون فرانكو أو هتلر أو موسوليني، فهم لا يتخيّلون بالضرورة معسكرات الاعتقال، بل يطمحون إلى النظام المُحكَم، والقرارات الحاسمة، واليد الباطشة القادرة على التطهير، والوحدة الهُويّاتية والانتماء القوي. فالديمقراطية قد تعني البطء والنقاشات الطويلة والسجالات السياسية إلى أن يتمّ التوصّل إلى قرار، أمّا المجتمعات متعدّدة الهُويّة فقد تزعج بعض من يطمحون إلى هُويّة واحدة طاغية على الآخرين، بالإضافة إلى مشكلات البطالة والسكن وزيادة أعداد المهاجرين.
أداة الجذب الأساسية التي تشترك فيها الحركات الفاشية واليمينية المتطرّفة في أوروبا، سواء عبر “جناح ثورة” التابع لحزب فوكس الإسباني، أو حركة إخوة إيطاليا، أو حركة جيل ألمانيا التي تُعد الحركة الشبابية لحزب البديل من أجل ألمانيا، هي تجارة النوستالجيا وتجميل الماضي. وتُقدَّم تلك الحقبُ الاستبداديةُ، حقبة فرانكو أو موسوليني أو الرايخ، عبر مقاطع الفيديو والموسيقى، بوصفها الفردوس المفقود، أو زمناً كان فيه كلّ شيء نظيفاً ومستقرّاً وآمناً. ومع كلّ أزمة اقتصادية أو سياسية، ينشط مَن يروّج وسط الشباب ضرورة العودة إلى الماضي القوي.
غير أنّ هذا الهروب إلى أمجاد الماضي الفاشي أو النازي لا يقتصر على الضفّة الشمالية للمتوسّط. فلو انتقلنا إلى الضفّة الجنوبية منه وإلى العالم العربي، سنجد الظاهرة ذاتها مرتدية عباءات ثقافية مختلفة، لكنّها تستند إلى الأسس نفسها. فليس خافياً انجذاب قطاعات من الشباب إلى الفكر القومي الناصري، أو حتّى الانبهار بالنماذج السلطوية والعسكرية التي تعد بـ”العدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية”، والحنين إلى لحظة شعر فيها الإنسان في تلك المنطقة بمركزية ذاته، وبوجود مشروع قومي يتصدّى للاستعمار والهيمنة. فالشاب الذي يرفع صورة جمال عبد الناصر اليوم قد لا يدرك أنّه يطالب، بالضرورة، بالدولة الأمنية وحظر التعدّدية، بل قد يعتقد أنّه يبحث عن المُخلِّص والزعيم الكاريزمي الذي يختصر بقراره الشجاع تعقيدات العالم.
وفي الجانب الآخر، نجد قطاعات شبابية أخرى ليست بالقليلة تنجذب إلى خطاب يميني أيضاً، وإن كان مناوئاً للقومي العروبي، تروّجه الحركات الدينية أو تنظيمات الإسلام السياسي، لكنّه يبشّر بفكرة العودة إلى دولة الخلافة القديمة، متجاهلاً فكرة الدولة القومية والتعدّدية ودولة القانون والدستور، التي يحكم تحت رايتها مختلف الأديان والأعراق. ولا تختلف الصورة الملائكية لحلم الخلافة أو الدولة القائمة على أساس ديني، التي تجذب قطاعات شبابية عديدة في منطقتنا، عن الأفكار القومية المتطرّفة في الغرب التي تتغذّى من الصراع وكراهية الآخر.
إنّه شوق إلى هُويّة صلبة وحاسمة في مواجهة عالم سائل وسريع التغيّر، تعصف به صراعات هُويّاتية عديدة. والوصفة نفسها تُباع للشباب هنا وهناك. والخطاب متشابه، سواء كان يمينياً أوروبياً متطرّفاً، أم قوميّاً ناصرياً عروبياً، أم إسلاموياً متطرّفاً: العالم المعقّد سبب معاناتك، والسبب هو العدو، سواء كان العدو هو المهاجرين أم النسوية أم الليبراليين أم الغرب أم المسيحيين، ونحن نمتلك الحلّ البسيط عبر القائد، والأمّة الموحَّدة، والنظام الصارم الذي طُبِّق في الماضي.
هل تعاني الديمقراطية أزمة؟ ترجّح كتابات وتنظيرات كثيرة ذلك. وليست الأزمة في الشرق الذي لم ينجح في تطبيقها حتّى الآن فحسب، بل أيضاً في الغرب الذي طبّق مبادئ الحرّية والديمقراطية وتداول السلطة، لكنّه لا يزال يعيش أزمات أدّت إلى صعود خطاب غربي يميني معادٍ للديمقراطية بوصفها فكرةً وجوهراً.
الاستنتاج يخبرنا بأنّ انجذاب الشباب إلى آفات الماضي ليس إلّا عرضاً محلّياً لأزمة عالمية في العقد الاجتماعي، أو أزمة ثقة بالمؤسّسات الديمقراطية. ولا يمكن مواجهة الفاشيات القادمة من القبور، سواء وضعت قناع اليمين القومي الأوروبي أو الأصولية السلطوية العروبية أو الأصوليات الدينية، عبر الملاحقات الأمنية وحدها أو الشجب الأخلاقي. فمكافحة هذا النكوص التاريخي تتطلّب إعادة الروح إلى الإنسان، وبناء عقد اقتصادي وسياسي يعيد إلى الشباب الأمل في المستقبل، ويمنحهم يقيناً بأنّ الديمقراطية والحرّية قادرتان على توفير الخبز وتحقيق الكرامة، قبل أن يلتهمهم الحنين إلى جلّادين رحلوا، أو إلى حِقب سبّبت قتلَ ملايينِ الأبرياء في الحروب.