يعرض بعض المرئيين في المجال السوري العام اليوم، ممن يعرّفون أنفسهم بانتمائهم الطائفي أولاً، مستوى من الكراهية تجاه العلويين يصل إلى حدود العنصرية. لا يمكن فهم هذه الظاهرة، بخلاف ما يقول أبطالها، موقفاً سياسيّاً تجاه جماعة يتصورون أنها ساندت “حرب إبادة ضد السنة”. أولاً، لأنه لا يمكن للموقف السياسي أن يشكّل أساساً صلباً لمثل هذا النوع الأسود من الكراهية، فالمواقف السياسية بطبيعتها نسبية ومتحرّكة وتطاول جماعات سياسية وليس جماعات هوية. من المفهوم أن تأييد أو السكوت سنوات طويلة عن جرائم نظام الأسد موقف مدمّر سياسياً ومعيب أخلاقياً، وقد كان هذا، للأسف، موقف نسبة غير قليلة من السوريين من كل التنويعات، وفي مقدمتهم العلويون، ولكن الانتقال من التعبئة ضد ذلك الموقف المعيب إلى التعبئة ضد جماعة هوية محددة هو انتقال إلى موقف معيب مقابل، ينطوي واقعياً على انتقال من فرصة لتطوير المجال السياسي إلى المساهمة في تدميره. هذا فضلاً عن أن تصوّر سنوات الصراع التي عاشتها سورية بعد 2011 “حرب إبادة ضد السنة” خروج عن المنطق السياسي للدخول في منطق هوياتي لا ينجب سوى الكراهية.
ثانياً، إذا افترضنا أن هذه الكراهية نابعة من رفض قطعي لمن أيّد أو سكت عن سياسات البطش وصنوف الإجرام الأسدي، فمن الطبيعي أن يبدي الكارهون رفضاً لأي سياسات مشابهة، مهما تكن الجماعة المستهدفة. والحال أن موقف هؤلاء لم يكن كذلك، حيال صنوف الإجرام الذي شهدته سورية بعد سقوط نظام الأسد، ومنها جرائم طاولت جماعة مذهبية (الدروز) لا يمكن اعتبارها في عداد مؤيدي البطش الأسدي.
على هذا، يبدو أن كراهية العلويين المعلنة اليوم لا تنبع من منطلق سياسي، بل من منطلق ثقافي ونفسي بالأحرى، منطلق من يستقر في نفسه أنه ينتمي إلى فئة أعلى (دينياً أو قومياً أو عرقياً… إلخ)، وأن الأيام جارت وتمخّضت عن خضوعه لحكم من هم أدنى. هذا التصور بحد ذاته كاف لأن يملأ صاحبه غيظاً وشعوراً بالغبن من الخضوع لحكم “هؤلاء”.
تكشف العبارات غير السياسية التي جرى تداولها بعد سقوط الأسد مرجعية التمييز الهوياتي المتحكم بعقول أبطال الكراهية السائدين اليوم. العبارات المقصودة هي تنويعات مختلفة على عبارة قيلت مباشرة بعد سقوط نظام الأسد “عادت سورية إلى أهلها بعد أن سُرقت على حين غفلة من أبنائها”، وكأن من كان يحكم سورية قبل حكم هيئة تحرير الشام، ليسوا من أهلها ولا من أبنائها. وإذا كان صاحب هذا القول لا يصرّح بمن هم، في تصوّره، أهل سورية وأبناؤها، فإن قوله يعني أن جماعته السياسية، التي آلت إليها السلطة كاملة، هي التي تمثل أهل سورية. ليس في هذا القول أو العبارة منطق سياسي يقيس الأمور على خيارات سياسية ضمن دولة حديثة، بل تصور هوياتي لا يضمر سوى صراعات الغلبة، ولا يجلب لسورية وحدةً ولا ازدهاراً.
يتكامل المركب الثقافي النفسي المفضي إلى الكراهية المعلنة ضد أبناء الطائفة العلوية، حين يجتمع لدى الفرد تصوران كل منهما سيئ وموهوم بذاته. الأول أن العلويين جملة تحكموا على مدى عقود بأهل السنة في سوريا، ثم قادوا حرب إبادة “ليس أقل” ضدهم. يتوافق هذا التصور مع تعبئة إسلاموية (islamiste) ذات مرجعية هوياتية أساساً، حُقن بها الشارع السوري على مدى عقود من حكم النظام السابق. التصور الثاني هو أن الجماعة العلوية، وكل جماعة أخرى غير سنية، تحتل مرتبة أدنى، وعليه فإن خضوع السنة لحكم هذه الجماعة هو بمثابة حيف وعار أبدي. هذا التصوّر أيضاً ثمرة نشاط إسلاموي ابتعد بالبلد عن المفهوم الحديث للوطن والشعب والمواطنة. الواقع أنه من الصعب على من يحمل هذين التصورين معاً أن ينجو من السقوط في حفرة الكراهية هذه. ولا يبقى ما يشفي غليل أصحاب هذا المركب الثقافي النفسي سوى محو التاريخ نفسه. ولأن هذا مستحيل فإن هذه القطعة من التاريخ التي يرتسم في أذهانهم أن السنة كانوا محكومين فيها من العلويين، تبقى مصدراً مولداً لألم لا يُعالج. على هذا لا يشكل سكوت هؤلاء عن استباحة حقوق العلويين اليوم، والتعبير المتكرّر عن احتقار العلويين، سوى مسكنات لألم نفسي مستمر لا يهدأ إلا مؤقتاً، وبقدر ما تعاني الجماعة المستهدفة من ألم وتتكبد من خسائر.
المواظبة على التذكير بجرائم الأسد، بغرض ترسيخها في الذاكرة لمنع التكرار، ولتربية وعي سوري عام رافض مثل هذه الجرائم، نشاط مطلوب ومفيد بحد ذاته، وأبطال الكراهية ينشغلون بهذا مع غيرهم، ولكن المفارقة أن هؤلاء الكارهين، إذ ينشغلون بالتذكير المتكرّر بجرائم سابقة يبدون قلة اكتراث بجرائم من النوع نفسه تجري أمام أعينهم. ألا يفترض بمن يبدون حرصاً على تحصين الوعي العام ضد جرائم الاستباحة والقتل، وعلى كسر دائرة التكرار، أن يقفوا، بكل حزم، ضد جرائم جديدة مشابهة وضد مرتكبيها؟
نعتقد أن الهدف، غير المدرك ربما، الذي يجعل الكارهين يلحّون على التذكير بجرائم الأسد، لا يتعلق بتربية الوعي العام ضد الجرائم لمنع التكرار، بل هو بالأحرى تبرير لكراهية تجد منشأها في مكان آخر من غير المستحب إعلانه، ليس فقط لأن ذلك يستجر إدانة اجتماعية، بل أيضاً لأنه يشكل ثقلاً أخلاقياً على صاحبه نفسه، فيجتهد، بآلية نفسية متحكمة، في أن يجد لكراهيته مساند سياسية وعقلانية مقبولة أو حتى محمودة. أي إن تركيز هؤلاء على التضامن مع ضحايا الأسد، وعلى استنكار جرائمه، لا تعكس، والحال هذه، منطلقاً إنسانياً ولا نزاهة أخلاقية ترفض الجريمة جذرياً، بل تعني إسباغ موقف أخلاقي على مشاعر غير أخلاقية، وهي مشاعر الكراهية تجاه جماعة بشرية كاملة (العلويين).