ملخص
يدعو شون أوغرايدي إلى إعادة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي من دون استفتاء جديد، مستلهماً تجربة الانضمام عام 1973. ويرى أن التفويض الشعبي عبر الانتخابات، ثم التفاوض على شروط علاقة أوثق وموافقة البرلمان عليها، يمثلان مساراً ديمقراطياً أكثر حكمة، ويجنبان البلاد انقسامات سياسية أثبتت تجربة “بريكست” خطورتها.
إذا كان آندي بيرنهام جاداً في السعي إلى بناء علاقة أفضل بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك العودة إلى عضويته، وإذا كان في الوقت نفسه لا يرغب في تكرار التجربة المؤلمة التي خلفها استفتاء “بريكست”، فلدي اقتراح له.
عليه أن يحذو حذو أحد أسلافه، إدوارد هيث، الذي تولى هذه المهمة عندما انضمت بريطانيا إلى المشروع الأوروبي للمرة الأولى قبل نحو ستة عقود. لم تكن هناك حاجة أصلاً إلى استفتاء في هذا الشأن، إذ نجحت حكومة هيث المحافظة في إدخال المملكة المتحدة إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية بموافقة البرلمان. ثم جاءت حكومة حزب العمال التالية لتطلب من البريطانيين التصويت مجدداً لتأكيد البقاء، في أول استفتاء تشهده البلاد. وكما أثبتت تجربة “بريكست”، فإن إحالة القرارات المصيرية إلى استفتاء شعبي قد تخلف أضراراً تفوق بكثير أي فائدة يرجى منها.
وكما أوضح بيرنهام، فإنه يريد فتح نقاش وطني حول العودة إلى الاتحاد الأوروبي، وطرح رؤيته الإيجابية العامة ضمن برنامج حزب العمال الانتخابي في الانتخابات المقبلة، ثم ترك للبرلمان البريطاني، الذي يفترض أنه صاحب السيادة، ليقرر ما إذا كانت الشروط التي سيتوصل إليها في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي خلال الأعوام المقبلة مقبولة أم لا. ومن الواضح أن هذه العملية ستستغرق أعواماً، كذلك فإنها ستتأثر حتماً بتوجهات الرأي العام. لذلك لا حاجة إلى استفتاء جديد يفاقم الانقسام.
وسيكون ذلك على الأرجح في الانتخابات المقبلة، في ظل “الخطوط الحمراء” التي يتمسك بها حزب العمال حالياً. ومع ذلك، ينبغي أن يشكل هذا التوجه جزءاً أساساً من الخطة العشرية التي وعد بيرنهام بنشرها قريباً.
وبهذه الطريقة، سيستند قرار بدء المفاوضات مع المفوضية الأوروبية إلى تفويض شعبي واضح ومباشر، على أن يحظى لاحقاً بموافقة البرلمان أو رفضه عبر عملية جادة ومسؤولة من المداولات والتدقيق والتمحيص، تنتهي بمنح البرلمان الكلمة الفصل.
وهكذا كانت تتخذ القرارات الكبرى في تاريخ بريطانيا، بما في ذلك التغييرات الدستورية، قبل أن يتحول الاستفتاء الشعبي إلى أداة سياسية لجأ إليها حزب العمال أولاً ثم المحافظون لاحقاً، في محاولة لتجنب انقسام الحزبين حول القضية الأوروبية. وقد نجح هارولد ويلسون في انتزاع النتيجة التي أرادها بدرجة أكبر مما فعل ديفيد كاميرون، لكن آلية الاستفتاء نفسها كانت معيبة منذ البداية، كما يتضح اليوم، لتعارضها مع الأعراف الدستورية، حتى بمعزل عن أي تدخل روسي.
ولحسن الحظ، ثمة سابقة تاريخية يمكن لبيرنهام الاستناد إليها.
وللعودة إلى تلك السابقة، علينا تجاوز استفتاء عام 2016، بل وحتى استفتاء 1975 الذي عرف بـ”الاستفتاء التأكيدي”، والعودة إلى مبدأ السيادة البرلمانية الديمقراطية. فهذا، في الواقع، هو النهج الذي سارت الأمور وفقه بصورة مستقرة إلى حد كبير خلال الأعوام التي سبقت انضمام بريطانيا إلى المجموعة الأوروبية في الأول من يناير (كانون الثاني) 1973.
حتى في تلك الحقبة، كانت أوروبا قضية مثيرة للانقسام داخل الحزبين الرئيسين. فقد رفضت الدول الأوروبية طلبات الانضمام التي تقدمت بها حكومات بريطانية محافظة وعمالية، وكانت فرنسا بقيادة شارل ديغول أبرز المعارضين، إذ رأى أن بريطانيا لا تنسجم بطبيعتها مع المشروع الأوروبي، وهو تقدير قد يرى كثر اليوم أنه يغني عن أي تعليق إضافي.
وعندما خاض زعيم المعارضة المحافظ آنذاك وأحد أكثر السياسيين البريطانيين إيماناً بالمشروع الأوروبي، تيد هيث، الانتخابات العامة عام 1970، توصل إلى صيغة تسمح بالانضمام وتطمئن، قدر الإمكان، أنصاره والرأي العام المتشكك وشركاءه الأوروبيين الذين كان عليه التفاوض معهم للحصول على شروط عضوية مقبولة.
وصيغت الفقرات المتعلقة بأوروبا في البرنامج الانتخابي للمحافظين لعام 1970، المعنون “غد أفضل”، بمهارة لافتة، حتى إن بيرنهام قد يجد فيها ما يستحق الاقتباس عند إعداد برنامج حزب العمال لانتخابات عام 2029، ومما جاء فيه:
“إذا تمكنا من التفاوض على الشروط المناسبة، فإننا نعتقد أن انضمام بريطانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية سيصب في المصلحة الطويلة الأمد للشعب البريطاني، وسيشكل إسهاماً مهماً في تعزيز ازدهار بلادنا وأمنها. فالفرص المتاحة هائلة، ومن شأن الانضمام إلى سوق أكبر أن يدعم النمو الاقتصادي ويرفع مستويات المعيشة، لكن علينا أيضاً أن نقر بوجود عقبات. ومن الواضح أن هناك ثمناً لن نكون مستعدين لدفعه. ولن نستطيع تحديد ما إذا كانت النتيجة النهائية عادلة وتخدم مصالح بريطانيا إلا من خلال التفاوض. إن التزامنا الوحيد هو التفاوض، لا أكثر ولا أقل. ومع تقدم المفاوضات، سنطلع البلاد بانتظام على مجرياتها من خلال البرلمان. ولن تكون حكومة محافظة مستعدة لتوصية البرلمان بأي تسوية غير عادلة أو غير متكافئة، كذلك فإن أعضاء البرلمان لن يوافقوا على مثل هذه التسوية”.
ها هي الوصفة جاهزة أمام بيرنهام ليصوغ تفويضه الأوروبي الخاص، مستفيداً كما حدث عام 1970 من دروس المفاوضات الفاشلة وسوء الفهم المتبادل وتراجع الثقة. فالتاريخ قد يعيد نفسه، وربما ينبغي له أن يفعل.
فالسعي إلى إقامة علاقة متوازنة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ليس أمراً جديداً. ما ينبغي لبيرنهام أن يطلبه من الناخبين في الانتخابات المقبلة هو تفويض للتفاوض على شروط علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي بما يخدم مصالح الشعب البريطاني، لا أكثر ولا أقل.
ومن البديهي أن أي شروط تسمح لبريطانيا بالعودة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي أو إلى عضويته الكاملة يجب أولاً أن تكون مقبولة لدى بيرنهام، ثم تحظى بموافقة غالبية أعضاء البرلمان الجديد. وهذا بالضبط ما حدث بين عامي 1970 و1972، عبر نقاشات محتدمة أحياناً وتصويتات حاسمة بفوارق ضئيلة داخل مجلس العموم.
وفي نهاية المطاف، لم تدمج معاهدة روما في القانون البريطاني تحت اسم “قانون الجماعات الأوروبية” إلا بدعم عابر للأحزاب، علماً أن حزب العمال كان آنذاك الأكثر تشككاً في أوروبا. وقد حصل القانون على الموافقة الملكية في الـ17 من أكتوبر (تشرين الأول) 1972، ودخل حيز التنفيذ مع بداية العام التالي. وبعد نحو ستة عقود، قد تشهد بريطانيا سيناريو مشابهاً إلى حد بعيد في مسعى جديد إلى إعادة بناء علاقتها مع أوروبا.
وثمة ما يوحي بأن هذا المسار ينطوي على قدر من الحتمية التاريخية.
© The Independent
