عشية التاسع من نيسان عام 2003، حين كانت بغداد تحت ضربات قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، كان فخري كريم يتابع المشهد من دمشق، على بعد ربع قرن من آخر يوم قضاه في العراق.
لحظة سقوط نظام صدام
لم يتحصن فخري كريم خلف اللغة السياسية الغالبة في حديثه من السؤال الأوّل، واختار أن يجيب بصدق يليق بالسؤال، قائلاً إن ما اعتمل في صدره حينها كان مزيجاً من نقيضين لا ينفصلان ولا يُختزل أحدهما في الآخر: “أمل عظيم.. وفجيعة عميقة”.
يسترسل كريم في الحديث عن تلك اللحظة، واصفاً إياها بأنها “لا نصر خالص، ولا هزيمة خالصة.. كانت لحظة مركبة يتجاور فيها نقيضان متلازمان: فرح الخلاص من طاغية أنهك العراق لعقود، وصدمة الخراب التي خلفتها الحروب”.
ويجيب عن سؤالها الجدلي الذي شغل العراقيين طويلاً: ما الذي سقط؟ أهو النظام أم الدولة؟ قائلاً إن “المنهار لم يعد نظام صدام وحده.. معه الدولة العراقية برمتها”.
من جهة، كان انهيار النظام الدكتاتوري، أمام عينيه، باعثاً على أمل عميق. ذلك أن كل إنسان واجه الموت على يد هذا النظام، وكان شاهداً حياً على عقود من تدمير البلد وتحطيم الشعب أثناء حروب صدام حسين واستبداده، لا يملك إلا أن يشعر بأن سقوط الجلاد “قد يكون مدخلاً إلى خلاص وطني يُبنى بإرادة عراقية”، كما يقول.
وهو يضع تجربة البعث بقيادة صدام في سياقها التاريخي الأوسع، فيراها امتداداً لتجارب المستبدين الكبار في العصر الحديث، من هتلر وموسوليني إلى سواهما؛ حتى إن هذه التجربة، في تقديره، لخصت في ذاتها خلاصة الطغيان في القرن العشرين.
“فأن ينهار نظام من هذا الطراز أمام المرء، معناه أن يستيقظ في النفس حلم بأن هذا الخلاص، في لحظته، يمكن أن يُبنى عليه خلاص أرحب”. غير أن اللحظة نفسها كانت تنطوي على ما يكدر صفو الفرح.
عشية التاسع من نيسان عام 2003، حين كانت بغداد تحت ضربات قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، كان فخري كريم يتابع المشهد من دمشق، على بعد ربع قرن من آخر يوم قضاه في العراق
يتذكر كريم أنه كان يتمنى، حين يُسحب «رأس الجلاد» ويهوي تمثاله الكبير في ساحة الفردوس ببغداد، أن يُرفع مكانه العلم العراقي. يقول: “غير أن الذي ارتفع أمام العالم كان العلم الأميركي، رفعه جندي أميركي”.
يضيف، بنبرة لا تخلو من مرارة، أن “العراقيين أنفسهم، لو أن أحدهم قام برفع العلم العراقي، لربما التبس عليهم الأمر؛ فقد صار العلم (السابق) في الوعي مقترناً براية صدام حسين، حتى لكأن الطاغية قد صادر الراية الوطنية وختمها باسمه!”.
تحتل ساحة الفردوس، التي تقع في وسط بغداد بجوار ضفة نهر دجلة على جانب الرصافة، ويتوسطها تمثال كبير لصدام حسين، ذاكرة استثنائية في لحظة التاسع من نيسان، حيث كانت بمثابة شاشة كبرى للعالم كله.
هناك، أمام مبنى “فندق فلسطين ميريديان”، حيث تجمع عدد كبير من الصحفيين العراقيين والعرب والأجانب، حاول عراقيون إسقاط تمثال صدام بالمطارق والحبال، قبل أن تتدخل آلية عسكرية أميركية مزودة برافعة لإسقاطه. وخلال دقائق، تحولت تلك اللقطة إلى أيقونة عالمية منحها البث الحي معنى النهاية: تمثال الطاغية يسقط!
زاد المشهد التباساً حين لف ضابط من مشاة البحرية الأميركية العلم الأميركي على رأس التمثال لوقت قصير، قبل أن يُرفع ويُستبدل بعلم عراقي.
في هذا التفصيل الصغير العلم الذي ارتفع، والعلم الذي كان يُنتظر يكمن جرح رمزي بالغ الدلالة. فما كان ينبغي أن تكون لحظة استعادة للسيادة، جاءت موسومة منذ ساعاتها الأولى براية الاحتلال، وهو مشهد سيظل يلازم النظام الجديد بوصفه دلالة على أن الدولة ولدت – إن ولدت، كما يستدرك فخري كريم ــ تحت راية ليست رايتها.
من هذا التجاور بين نقيضين ــ الفرح المنقوص والراية الملتبسة ــ يستخلص كريم جوهر المشكلة: “في غمرة الانشغال بسقوط النظام، ما كان يجري التفكير في تأسيس الدولة الجديدة.. إن أحداً لم يفكر في لحظة التأسيس.. كان الجميع منشغلاً بلحظة السقوط”.
الناس في فرحهم، والقوى السياسية في تنافسها، كانوا جميعاً مشدودين إلى ما سقط. ويضيف: “أما ما وراء السقوط، فإن أمر الدولة الجديدة، وأمر المؤسسات، وأمر النظام الذي يفترض أن يخلف النظام، فلم يظهر في الأفق من يحمل همه”.
في هذا التشخيص يكمن المفتاح الأبرز في شهادة فخري كريم كلها. ذلك أن “أبا نبيل” يقدم تفسيراً لانهيار الدولة لا يكتفي برده إلى الاحتلال وحده، وإنما يرده إلى بنية النظام السابق ذاته.
فقد بلغ تطور مسار السلطة في عهد صدام، من تكريس الاستبداد الفردي، مبلغاً جعل الدولة مختزلة في شخص الديكتاتور وأسرته الضيقة، بعد أن أُلغيت المؤسسات التي تقوم عليها الدولة، وغُيبت إرادة العراقيين إلى حدها الأدنى، على حد وصفه.
كان واضحاً، في قراءته، أن إسقاط ذلك النظام سيفكك بالضرورة كل ما تبقى من بنى الدولة، لأنها ــ أي الدولة ــ كانت مختزلة في شخص الطاغية وممثلة به. “فحين يسقط المستبد، تنهار الدولة.. وذلك ما جرى فعلاً!”.
هنا مكمن المأساة التي ستمسك فصول الشهادة فصلاً فصلاً؛ أن وهج سقوط الطاغية ابتلع السؤال الأهم: سؤال الدولة الجديدة.
واللحظة التي كان ينبغي أن تكون لحظة ميلاد، صارت لحظة هدم مكتمل!
هذا الانشغال بالهدم عن البناء هو، في قراءة كريم، أحد الجذور الأولى لما آل إليه العراق؛ فحين لم يكن ثمة مشروع وطني جاهز يملأ الفراغ من لحظته الأولى، تُرك التأسيس لقرارات المحتل وحصص المتنافسين، وهو ما ستكشف عنه المحاور القادمة من هذه الشهادة.
عبور “الخابور” ودلالة الطريق
عشية اندلاع الحرب، وحين كان في دمشق يتابع الأخبار ساعة بساعة، تلقى فخري كريم برقيتين متزامنتين من قطبي القيادة الكردية، الأولى من مسعود بارزاني تطلبه إلى كردستان فوراً، والثانية من جلال طالباني تدعوه إلى لقاء عاجل.
من دمشق بدأت رحلة العودة عبر مسار شديد الدلالة لوضع رجل عاش النضال ضد الأنظمة القمعية، واختبر العمل السياسي في المعارضة، ولعب أدواراً استثنائية في مراحل مختلفة.
سلك الطريق الذي كان يسلكه طوال سنوات المعارضة: “عبرت الخابور بزورق، إلى أربيل، عبر الإقليم المحرر”.
“الخابور” يتجاوز كونه مجرد معبر يقع عند المثلث الحدودي بين العراق وسوريا وتركيا، إذ إن موقعه على الخريطة أقل ما فيه، فقد ارتبط في الذاكرة السياسية العراقية بسنوات العمل المعارض ضد النظام السابق، حين كان من أهم منافذ العبور إلى مناطق كردستان الواقعة تحت سيطرة قوات البيشمركة، ومنه وصل كوادر الأحزاب والتنظيمات المعارضة وأعضاؤها إلى قواعدهم في الداخل.
ثم تبدلت وظيفته بتبدل الأزمنة: صار معبراً ذا أهمية تجارية وإنسانية، ثم اكتسب بعداً إقليمياً إضافياً مع الحرب في سوريا، حين غدا حلقة الوصل الرئيسية بين العراق ومناطق الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا.
يحمل الطريق الذي اختار فخري كريم أن يسلكه دلالته الخاصة؛ فتفاصيل العودة نفسها ترد على الفرية المتعلقة بكيفية دخوله إلى العراق: لم يأت من الجنوب مع الدبابات، ولم يصل من مطار محمولاً بطائرة.
لأن تلك الفرية ــ من جاء على ظهر الدبابة الأميركية ــ لا تمثل مجرد إساءة شخصية، بقدر ما تستخدم كسلاح لسحب حق المعارض في نقد ما جاء بعد السقوط، يختار كريم أن يتوقف عند لحظة العودة: “بزورق صغير عبرت الخابور (…) وليس كما يفتري من يفتري بأنني رجعت على دبابة أميركية”.
يتعامل كريم مع هذه المسألة كامتداد لموقف أعلنه قبل “السقوط” في عشرات المقابلات الإذاعية مع “صوت أميركا” و”بي بي سي”، حين كان يُسأل عن العودة على ظهر مدرعات القوات الأجنبية، فيجيب: “لسنا مستعدين للعودة على دبابة أميركية، ولا حتى على دبابة عربية؛ خيارنا هو تحرير العراق بإرادتنا وإرادة شعبنا العراقي”.
في هذا الموقف ما هو أبعد من الدفاع عن سيرة شخصية. فالرجل يضع “الزورق الصغير” في مقابل “الدبابة الأميركية”، بمثابة موقف من كيفية تغيير النظام. فحتى الغطاء العربي الذي قد يبدو أيسر قبولاً لدى الرأي العام كان مرفوضاً عنده، لأن المسألة في تقديره لم تكن هوية الدبابة ــ أميركية كانت أم عربية ــ وإنما مبدأ أن يأتي التغيير من الخارج أصلاً!
ثم يروي الفصل الثاني من العودة، حيث وصل كريم إلى أربيل ليلاً، وطلب منه الزعيم مسعود بارزاني مرافقته إلى بغداد لمتابعة تفاصيل الوضع المتفجر هناك.
في اليوم التالي تحرك الوفد، وعلى رأسه بارزاني، بالسيارات نحو العاصمة، ليلتقي على مشارف مدينة كركوك بالرئيس الراحل جلال طالباني، فيكتمل الوفد القيادي المتجه إلى بغداد في واحدة من أكثر لحظات تاريخ العراق التباساً.
كان الطريق إلى بغداد بمثابة عبور إلى فراغ سياسي كامل، أكثر من كونه انتقالاً جغرافياً بين مدينتين تقعان ضمن خريطة واحدة، لكنهما عاشتا عقوداً من الاغتراب!
في بغداد، استقر كريم مع الوفد في فندق كان قد استؤجر بمنطقة الكرادة، اسمه فندق “برج الحياة”، ويقع عند تقاطع المسبح. من هناك صار يتابع “مع الرفاق الآخرين في الوفد” ما يجري من لقاءات؛ إذ كانت «كلها تقريباً» تُعقد في ذلك الفندق، الذي تحول في تلك الأيام الأولى إلى مركز للسياسة العراقية الوليدة، تُعقد فيه اللقاءات وتُرسم فيه الخطوط الأولى للمرحلة الجديدة.
في ذلك الفندق، مشهد يلتقطه كريم بطرف من السخرية المرة: كان من بين القاصدين من يقدم نفسه بصيغة تفخيم “شيخاً” أو “وجيهاً”، يبارك ويتبرع بالولاء، مشيداً بالزعيم، فيقول لمن يتحدث إليه إنه الأجدر بقيادة البلاد، لكنه يستدرك مخاطباً مسعود بارزاني: وإذا لم ترغب، فأنا مستعد!
وهذا مشهد صغير مر عرضياً في الحوار، غير أنه ينبئ بطبيعة “السوق السياسي” الذي بدأ يتشكل في الردهات؛ سوق تُعرض فيه الولاءات قبل أن تقوم المؤسسات!
هكذا، كان ذلك الفندق، في رواية فخري كريم، أكثر من مكان إقامة؛ كان مطبخاً سياسياً تتقاطع فيه رهانات القوى العراقية على المستقبل، بينما كانت شوارع العاصمة في الخارج تغرق في الانفلات والنهب والسلاح.
مدينة لا تشبه ذاكرتها
وبين ثنائية الأمل والفجيعة، يغوص فخري كريم في سيكولوجية تلك اللحظة التاريخية، حيث كانت العودة إلى بغداد، عنده، تتعدى الواجب السياسي.
لم تكن بغداد هي المدينة التي تركها.
يستعيد تلك اللحظة بكلمات تنقل أثر الصدمة كما عاشها: «بالكاد كنت أضبط نفسي من البكاء وأنا أشاهد بغداد الجميلة التي غادرتها قبل 25 عاماً، مهشمة ومدمرة، سواء من حيث البنية التحتية أو حتى ألوان جدران المباني والشوارع». ويستدرك: «.. وحتى ملامح الناس» بدت له غريبة.
خمس وعشرون سنة قرأها على الملامح: ملامح تشي بالاستبداد الذي ضيق على العراقيين، وبالمحن والحصار والمجاعة والانتهاكات والحروب. حفر الطغيان آثاره في الوجوه، فصار الوجه العراقي وثيقة شاهدة على ما مر من سنين القهر.
كانت المدينة كلها، بنظره، تحمل تضاريس القهر، من جدران باهتة، وشوارع منهكة، وبنية تحتية مدمرة، وناس أنهكتهم سنوات الخوف.
في تلك الصورة التي رسمها بكلمات وجدانية، بدا وكأن سقوط النظام يكشف حجم الخراب أكثر مما يعلن نهايته!
من بين هذا كله، حاول كريم أن يستعيد خيطاً شخصياً من ذاكرة المدينة، فقد توجه في الأيام الأولى من عودته، قاصداً منطقة «حي العدل» بجانب الكرخ في بغداد، باحثاً عن منزله القديم. “غير أن الطريق إلى البيت لم يكن سهلاً، فالمدينة تغيرت خرائطها، والعلامات القديمة تلاشت أو اختلطت”، حتى وجد نفسه تائهاً في مدينة يفترض أنه يعرفها، ما اضطره إلى الاتصال بابن شقيقته الذي يسكن في بلد اللجوء القسري آنذاك، ليصف له الطريق عبر الهاتف.
وحين وصل إلى البيت، اكتملت المفارقة القاسية؛ لم يجد البيت كما تركه، بل وجد فيه عائلة أخرى. يعلق على ذلك بسخرية مريرة: “فوجئت أن البيت محتل أيضاً”. وكانت مظاهر الدمار واضحة من حوله.
والكلمة التي يستعملها كريم في وصف منزله بـ”المحتل” لا تخلو من صداها الأوسع في سياق شهادة عن بلد صار محتلاً، وإن لم يثقلها الشاهد بأكثر مما تحمل!
“غارنر” والفرصة الضائعة
بين سقوط النظام وإعلان الاحتلال صراحة ثمة فاصل زمني قصير لا يتجاوز أسابيع، لكنه، في تقدير فخري كريم، الفاصل الذي قرر كل ما تلاه.
ففي تلك الأسابيع كانت ثمة فرصة حقيقية ــ مهما ضاقت ــ لأن يشكل العراقيون حكومتهم بأنفسهم ويملأوا الفراغ قبل أن يملأه غيرهم.. “وقد ضاعت تلك الفرصة!”.
كانت تلك الأيام سابقة على “مرحلة بول بريمر”، ولم يستقر بعد شكل الإدارة الجديدة، حيث تقدم فيها الجنرال جاي غارنر بصفته أول مسؤول مدني أميركي تولى إدارة البلاد بعد إسقاط النظام. ترأس مكتب إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية (ORHA)، وهو الهيئة التي أنشأتها إدارة الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش لإدارة العراق خلال المرحلة الانتقالية الأولى.
في تلك اللحظة، كما يشهد كريم، لاحت فرصة «لو أُحسن التقاطها» لقيام حكومة عراقية من شأنها التعبير عن إرادة عراقية «ولو شكلاً» في مواجهة المحتل.
يروي كريم أن غارنر “ألح على القوى السياسية، غير مرة ــ وللتاريخ ــ أن يعجلوا في توسيع تشكيلتهم الخماسية، تمهيداً لإقامة حكومة عراقية”، وأن شرطه في ذلك كان واضحاً: ألا تبقى السلطة حكراً على قلة بعينها، وأن تتمثل فيها أوسع ما يمكن من القوى. بمعنى أن تتسع التشكيلة لتؤلف حكومة عراقية تحظى بسند عراقي حقيقي.
وكان غارنر يتحدث في هذه المسألة مع “الخمسة الكبار”، كما يسميهم كريم، وهم قادة الحزبين الكرديين: مسعود بارزاني وجلال طالباني، وعبد العزيز الحكيم عن المجلس الإسلامي الأعلى، وإياد علاوي عن حركة الوفاق الوطنية، وأحمد الجلبي عن المؤتمر الوطني.
غير أن تلك الفرصة اصطدمت بالصخرة نفسها التي ستواجه المسار في كل منعطف لاحق. يقول كريم: حين انعقد النقاش حول توسيع التشكيلة، تجاوز بعض المجتمعين معايير الكفاءة أو التمثيل الوطني، وانزلق نقاشهم فوراً إلى حسابات الأغلبية الطائفية والأقلية وفقاً لتمثيل مكوناتي.
المشكلة الأولى التي يشخصها كريم ليست في هوية القيادات الخمس أو في كفاءاتها الفردية، لكن المجموعة ذاتها “لم تكن تعبر عن كل تشابكات ومكونات وهويات العراق بالوضع الجديد الملتبس أصلاً”.
العراق الذي سقط نظامه أعقد بكثير من أن تمثله خمس قيادات: زعيمان كرديان، وزعيم شيعي إسلامي (الحكيم)، ورجلان يُحسبان على التوجه الليبرالي ــ العلماني (الجلبي وعلاوي). بالرغم من أن بارزاني وطالباني جلسا إلى تلك الطاولة بصفة تتجاوز كونهما ممثلين عن الحزبين الكردستانيين، ذلك أن زعامتهما امتدت لعقود من العمل السياسي والكفاح الميداني، ويقف خلف كل منهما تمثيل اجتماعي فعلي وتجربة في إدارة إقليم قائم بمؤسساته منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي.
أين التيارات الرئيسية في المجتمع التي تمثلت في إطار المعارضة الوطنية العراقية، في “لجنة العمل المشترك”، قبل تشكيل المؤتمر الوطني العراقي؟
أين التيار الديمقراطي الذي يمثله الحزب الشيوعي بتاريخه الطبقي الوطني الممتد؟ وأين القومي العربي؟ وأين التيار المدني الذي لا يُختزل في الهوية الطائفية؟ هذه الأسئلة لا يطرحها كريم من عندياته؛ كانت تحديداً ما دار حوله النقاش في تلك الأسابيع، ولم يُحسم.
المفارقة التي يريد كريم تثبيتها هنا أن الأميركيين في تلك اللحظة المبكرة ــ ممثلين بغارنر تحديداً ــ كانوا أكثر تفهماً لما يتطلبه الموقف بشأن تشكيل إطار سياسي واسع، لا يقتصر على زعامات المعارضة في الخارج، فيما تعثر هذا المسار لسببين: توجهات سلطة الاحتلال اللاحقة من جهة، ومصالح القوى السياسية المحلية من جهة أخرى، إذ وجدت الأخيرة في إبقاء الإطار مقتصراً عليها وسيلة لضمان نفوذها داخله.
يقول: “لم يفضِ النقاش إلى اتفاق، لأن الحديث كان يدور حول الأغلبية والأقلية الطائفية بشكل خاص، وخصوصاً من قبل ممثلي القوى الشيعية. وبدلاً من أن يدور النقاش حول تمثيل وطني جامع يعكس تنوع العراق السياسي والديني والقومي، انحصر النقاش في مسألة واحدة هي كيف توزع الحصص”، ما يعني زيادة عدد المقاعد بما يضمن نسبة الأغلبية الطائفية في التشكيلة نفسها.
وتحديد مصدر هذا التعطيل جزء من أمانة الشهادة.
فالتحفظ على توسيع التشكيلة السياسية كان يصدر في جوهره “عن ممثلي التيار الإسلامي الشيعي”، كما يحدد كريم، “ومن الحلقة المحيطة بهم” ولم يكن ذلك التحفظ وحده ما عطل النقاش، فقد رافقه من طرفي التيار الليبرالي ــ العلماني “ما هو أقرب إلى المشاكسة منه إلى اعتراض مبدئي”.
أبدى فخري كريم تحفظه عن نقل ما كان يشاع حينها من أن تلك “المشاكسة” كانت في إطار التنافس على زعامة التيار العلماني ــ الليبرالي وتمثيله.
يروي كريم تفاصيل مقترحات ضم القوى إلى تشكيلة “الخمسة الكبار” التي طُرحت ورُفضت، لأنها تفاصيل بالغة الدلالة، وتكشف أن الرفض ليس عشوائياً، وإنما استهدف بالتحديد القوى العابرة للطائفية.
يقول إنه “طُرح أول مرة أن تضم التشكيلة سبعة”، وكان من بين المقترحات التي دفع بها بارزاني وطالباني ضم طرفين: “الحزب الشيوعي وعبد الله النصراوي أمين عام الحركة الاشتراكية العربية”، الأول بوصفه الحزب الوطني الطبقي الذي لا ينتمي إلى أي اصطفاف طائفي، والثاني بوصفه ممثلاً للتيار القومي العربي المستقل. ويسجل كريم أن المقترح “رُفض”. ثم طُرح مقترح آخر: ضم الحزب الوطني الديمقراطي الذي يرأسه نصير الجادرجي. “وهذا رجل سني ــ أي رجل ديمقراطي ليبرالي يحمل صفة مذهبية سنية، لكنه لا يُعرف بها ولا يمثل طائفته، ويمثل مشروعاً سياسياً عابراً للطوائف.. وقد رُفض أيضاً”، كما يقول فخري كريم.
يقتضي الإنصاف ــ استدراكاً تاريخياً وليس انحيازاً لطرف، بحسب كريم ــ أن يُسجل للزعيمين الكرديين وقوفهما في ذلك النقاش إلى جانب ضم أطراف أخرى، وسعيهما إلى تمثيل أوسع من التشكيلة الضيقة التي انتهى إليها الأمر.
ومقترحاتهما المتتابعة، من ضم الحزب الشيوعي والحركة الاشتراكية العربية إلى ضم الحزب الوطني الديمقراطي، تدل على اتجاه ثابت، يتجاوز المبادرات أو المجاملات العابرة.
والتسلسل في هذه المقترحات، وما انتهت إليه واحداً بعد آخر، يكشف نمطاً واضحاً من الرفض. فما يجمع القوى الثلاث أنها كانت، على اختلاف توجهاتها، خارج الاصطفاف الطائفي: قوة طبقية وطنية، وأخرى قومية، وثالثة ديمقراطية ليبرالية. وهذا ما يفسر، في قراءة كريم، استبعادها جميعاً؛ فدخول أي منها إلى المعادلة كان سيخلخل الصيغة التي أخذت تتشكل آنذاك، ويضع داخلها قوى لا تنسجم مع منطق توزيع التمثيل والنفوذ على أسس طائفية وإثنية.
يرى كريم أن من يريد تقسيم السلطة على أساس الأغلبية والأقلية المذهبيتين لا يطيق وجود حزب شيوعي يمثل العراقيين بوصفهم طبقات لا طوائف، ولا حركة قومية تمثلهم بوصفهم عرباً لا سنة وشيعة، ولا حزب ديمقراطي يمثل مشروعاً سياسياً لا هوية مذهبية. فكل طرف من هؤلاء الثلاثة، لو دخل المعادلة، كان سيدخل معه منطقاً مختلفاً في تعريف التمثيل ــ منطقاً يبطل الحصة الطائفية من أساسها. والذين رفضوهم كانوا يعرفون ذلك، وإن لم يقولوه.
هنا تكمن المفارقة المؤسسة التي يلتقطها كريم: لم تُجهض الفرصة بفعل الاحتلال وحده، لقد أجهضتها بنية التفكير التي حملتها القوى العراقية نفسها إلى الطاولة. فحين يصير السؤال الأول: “كم نصيب كل طائفة؟” قبل أن يكون: “أي دولة نريد؟”، تكون الفرصة قد ماتت في المهد، أياً يكن مصير المفاوضات!
تلك هي الفرصة الأولى الضائعة: لحظة كان يمكن أن تولد فيها حكومة عراقية ذات تمثيل وطني حقيقي، فانطفأت تحت ثقل المنطق المحاصصاتي قبل أن تنطفئ تحت ثقل الاحتلال!
سؤال تمثيل “الشيوعي” في السلطة الجديدة
لم يكن إقصاء الحزب الشيوعي العراقي من نواة “الخمسة الكبار” الكلمة الأخيرة في أمر تمثيله؛ فالصيغة الأوسع التي سميت لاحقاً “مجلس الحكم” كانت لا تزال تُصاغ. ومن هنا وجد الحزب نفسه أمام سؤال عملي لا يحتمل التأجيل: هل يكون للحزب الشيوعي العراقي موقع في الصيغة السياسية القادمة، أم يتحرك خارجها، كما كان حين صيغت المعادلات بعد المؤتمر الوطني العراقي، وشبكة ولاءاتها الإقليمية من دونه؟ وشهادة كريم في هذا الفصل تكشف رجلاً يتحرك على مستويين لا يخلط بينهما: مستوى الحزب الذي ينتمي إليه ويلح لتأمين موقعه، ومستواه الشخصي الذي يحسم فيه أنه لن يكون جزءاً من السلطة التنفيذية.
كانت البرقيتان اللتان استدعتاه إلى كردستان ــ من مسعود بارزاني ومن جلال طالباني ــ أبعد عنده من دعوة إلى العودة. فقد قرأ فيهما أن “الحديث يدور حول الأدوار” و”التشكيلة القادمة”، بعد أن صار مجلس الحكم، أو ما يشبهه، على الطاولة. ومن هذا الفهم تحرك في اتجاه واحد لا التباس فيه.
اتصل بالزعيمين الكرديين، و”ترجى” بارزاني تحديداً: “ينبغي السعي لتمثيل الحزب الشيوعي في أي صيغة قادمة، وأن تتبنى أنت هذا الموضوع”، وحدث طالباني بالمضمون نفسه. والفعل الذي يختاره كريم لوصف فعله ــ “ترجيت” ــ يحمل دلالة لافتة، فالمسألة عنده ما كانت مساومة على حصة شخصية، وإنما إلحاح على مبدأ حضور الحزب الشيوعي العراقي في معادلة كانت تُصاغ في غرف غاب عنها.
ويشهد بأن القيادتين الكرديتين استجابتا لهذا الإلحاح استجابة فعلية لا لفظية: “بذلوا جهوداً كبيرة جداً، ودعموا هذا الاتجاه”.
غير أن مسألة التمثيل نفسها اعترضتها إشكالية دقيقة يرويها كريم بوصفها اختباراً لجدية الحضور. فقد طُرح أولاً اسم “أبو سعود”، الرفيق عزيز محمد، السكرتير السابق للجنة المركزية للحزب، وعُرض الاسم على بريمر أو السفير البريطاني، “فاعترض الرفيق عزيز، وذكر لهما أنه لم يعد يمثل الحزب حالياً”، إذ قال بوضوح: “إن الحزب يمثله الآن حميد مجيد موسى ــ أبو داوود”، فاستقر الترشيح على “أبو داوود” في مجلس الحكم.
ثم يروي كريم واقعة تكثف منطق المحاصصة الطائفية الذي كان يحكم تفكير الأطراف الأخرى، وتكشف في الآن نفسه موقف الحزب منه. فحين ألح بارزاني وطالباني في الاجتماعات “أكثر من مرة” على أن يتمثل الحزب الشيوعي العراقي، لجآ، في محاججة القوى الشيعية، إلى حجة من جنس البيئة التي يخاطبانها: “هذا سكرتير الحزب شيعي”. أي إنهما، لتمرير تمثيل الحزب في وسط تتوزع فيه المواقع على أساس المكونات، اضطرا إلى تقديمه بلغة ذلك الوسط ذاته. غير أن الرد الذي حسم المسألة صدر من أرضية الحزب نفسه بلسان فخري كريم: “هذا شيوعي، وتمثيله لا يكون بهوية الشيعي” وهو المنطق الذي تبنته قيادة الحزب، وعبرت عنه صراحة أكثر من مرة.
العبارة، على إيجازها، تختصر موقف الحزب كله، بوصفه حزباً يمثل العراقيين طبقات لا طوائف؛ وإن ضمه على أساس طائفي نقض لهويته من أساسها. وهنا تكمن المفارقة التي يلتقطها كريم من غير أن يثقلها بالشرح: أن ما ساقه حليفاه حجة في صالحه، رده هو؛ لأنه يدرك أن الطائفية إذا قُبلت مدخلاً حتى لو نفعت مرة هدمت المبدأ الذي من أجله يستحق الحزب موقعه أصلاً!
إلى هنا كان الكلام كله عن الحزب. ثم ينتقل كريم إلى الشق الشخصي، ويرويه بصراحة تكشف كيف واجه إغراء المنصب حين لاح. سأل نفسه: “ماذا سأفعل في المستقبل؟”. ولأنه أراد أن يبني قراره على مشورة، اتصل “بعدد من الأصدقاء”، يسمي منهم كوكبة من قامات اليسار العربي: كريم مروة، ورفعت السعيد، وحسين عبد الرازق، ومحسن إبراهيم من منظمة العمل الشيوعي اللبناني، وطرح عليهم سؤاله المباشر: “ما رأيكم؟ يدعونني إلى بغداد، للبحث في مستقبل العراق”.
والمشورة التي تلقاها مالت كلها إلى المرونة وإبقاء الأبواب مفتوحة: “أقبل.. لا ترفض أي شيء”. غير أن كريم أصغى إليها ثم حسم على نحو مغاير؛ فأبلغهم أنه إنما يستشير، وأن الأمر عنده محسوم سلفاً: “على أية حال، واضح أنني لن أصير وزيراً، ولا هم يحزنون”. واختار كريم قرارين متمايزين في آن واحد، أولهما الذهاب إلى بغداد والمشاركة في رسم ملامح المرحلة المقبلة، وثانيهما الامتناع عن تولي أي منصب تنفيذي.
وهذا التمييز أعلنه صريحاً أمام القياديين الكرد المجتمعين حوله على مائدة العشاء، عشية وصوله إلى أربيل قادماً من دمشق، حين حدد الموقع الوحيد الذي يقبله: “لا أستطيع أن أكون في أي موقع، أياً كان، باستثناء موقع واحد، هو موقع نشاطي الإعلامي والثقافي؛ وفيما يتعلق بالسياسة، سأبقى داعماً من موقعي الفكري والسياسي”. فثبت أمام الجميع أن حضوره سيكون في حقل التأثير، لا من على مقعد في السلطة.
غير أن تأمين المقعد كان نصف المسألة، ونصفها الآخر بقي عند السؤال الذي سيصوغه كريم في تلك الليلة نفسها، على مائدة العشاء، حين يضع المرحلة كلها بين خيارين لا ثالث لهما.
الموقف والخيار: بناء الدولة طريقاً إلى إنهاء الاحتلال
ظل الحزب الشيوعي العراقي، كما يروي كريم، “إلى آخر لحظة” متمسكاً بموقفه المركب: ضد الحرب بوصفها وسيلة لإسقاط النظام، وبالتالي ضد الاحتلال من جهة، ومن جهة أخرى يقف ضد النظام الدكتاتوري واستمراره.
وكان جوهر الموقف أن “تخليص الشعب العراقي يمر عبر دعم قواه الحية لإسقاط النظام بوسائل عراقية، عبر إرادة العراقيين أنفسهم، لا عبر أي جهة أخرى، عربية كانت أم دولية”.
غير أن الحرب وقعت والنظام انهار، ووجد الحزب نفسه أمام واقع جديد لا يمكن مواجهته بالشعارات التي طرحها، كما يقول كريم، القيادي السابق فيه. فالسؤال الذي يطرحه “أبو نبيل” على نفسه ثم يجيب عنه بصراحة نادرة في الخطاب الحزبي هو: ما الذي يملكه الحزب فعلاً لمواجهة الاحتلال؟ يقول: “كيف يمكن للحزب الشيوعي أن يواجه الولايات المتحدة والتحالف الدولي بجيوشه التي تزيد على الثلاثين جيشاً؟ ما الذي عندنا لنقف في مواجهتهم ونمنعهم من احتلال العراق؟”.
ويجيب بأن هذه مسؤولية كانت تقع على عاتق “الدول الأخرى ــ العربية بوجه خاص ــ التي أعلنت معارضتها للحرب والاحتلال دون أن تتخذ أي إجراء يعكس موقفها هذا، بل إنها اصطفت بعد سقوط نظام صدام مع الدعوات المنددة بالوضع الجديد، بل والنيل من القوى التي تصدرت المشهد السياسي واستهدافها بنية عزل النظام الجديد عن محيطه الإقليمي والدولي”.. ويضيف: فلم يكن لدينا غير أن نواجه الاحتلال بالموقف السياسي”.
التشديد على “الموقف السياسي” يحمل اعترافاً مؤلماً بالفجوة بين الإرادة السياسية والقدرة الميدانية، لكنه في الوقت ذاته يرفض أن تملأ هذه الفجوة ادعاءات “المقاومة المسلحة”، ليس بسبب اختلال التوازن فحسب، بل لتعقد المشهد السياسي بعد أن انبرت فلول النظام السابق مع زمرة القاعدة والقوى الموالية لصدام، لإعلان “الجهاد” تحت راية “المقاومة”.
ثم يقف عند تحدٍّ ما كان في الحسبان ليقول إن “المقاومة” التي برزت بعد سقوط النظام لم تكن وطنية في طبيعتها ولا ديمقراطية في أهدافها. ويضيف: “هم بقايا النظام السابق بتحالف خفي مع القاعدة وبقية التجمعات الإرهابية، تحت شعار يواري مضمونه (مقاومة الاحتلال).. وهذه المقاومة، في صورة من صورها الأوضح، هي دفاع عن النظام السابق الذي سقط”.
ولهذه الموضوعة، وما يرتبط بها من قرارات التأسيس، وما ولدته من “حاضنة” للعنف، وقفة عند كريم في الأجزاء القادمة.
أمام هذا المشهد وجد الحزب نفسه محكوماً بخيارين لا ثالث لهما: “إما أن نسهم في خلط الأوراق، ونصبح ملحقاً بالبعثيين والقاعدة وغيرهما فنحمل السلاح، أو أن نعمل من أجل استكمال الشروط الكفيلة بإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية، وتمكين العراقيين من أن ينهوا الاحتلال”.
والخيار الأول يرفضه كريم لسببين لا لسبب واحد. أولهما واقعي يتصل بموازين القوى، إذ لا “توازن القوى” ولا “قدرات” الحزب تسمحان بمواجهة عسكرية مجدية مع قوة دولية عظمى وتحالفها العسكري. وثانيهما، وهو المضمر في صياغة الخيار نفسه، يتصل بطبيعة من سيقف الحزب في صفهم لو حمل السلاح: البعثيون والقاعدة.
فحمل السلاح سيعني، بشكل أو بآخر، الاصطفاف مع بقايا النظام السابق، أي مع الأعداء التاريخيين للحزب ولمشروع الدولة الديمقراطية. وبذلك يخسر الخيار المسلح مرتين: عسكرياً لاختلال الموازين، وسياسياً لأنه يضع الحزب في خندق واحد مع من دمروا العراق ومن يريدون إعادته إلى الوراء.
أما الخيار الثاني فيقدمه كريم لا مهادنة، وإنما طريقاً وحيداً إلى إنهاء الاحتلال، غايته المعلنة “تمكين العراقيين من أن ينهوا الاحتلال”. ويفصل ملامح المشروع الذي انحاز إليه الحزب: “إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية، دولة المؤسسات والقانون القائمة على أساس المواطنة والعدالة، واحترام إرادة الشعب العراقي.. دولة اتحادية”.
وبهذا يقلب كريم التصور السائد الذي يجعل السلاح وحده مقاومة والعمل السياسي تواطؤاً: فالبناء عنده هو المقاومة الحقيقية، والسلاح ــ في موازين القوى القائمة ــ وهم يخدم أعداء العراق الجديد المرتجى.
بريمر.. الحاكم الفعلي و”مجلس الحكم”
وحين عجز القادة العراقيون الخمسة عن تشكيل إطار سياسي يتسع لتمثيل عراقي حقيقي، وفشلت مساعي تشكيل حكومة وطنية، لم يتوقف الزمن السياسي في انتظارهم. والفراغ في لحظات التحول الكبرى يُملأ بمن يملك الأداة ــ والأداة في ربيع 2003 كانت بيد الأميركيين لا بيد العراقيين.
يسجل فخري كريم تسلسل الأحداث بوصفه سلسلة سببية، لا أحداثاً متجاورة: “لم يستطيعوا التوصل إلى اتفاق، وفشلت مساعي تشكيل الحكومة، وانتهى الوضع إلى إعلان الاحتلال.. وغارنر، الذي كان يلح مراراً، استُبدل ببريمر رئيساً للإدارة المدنية الجديدة للعراق، وهو الذي لم يلح على أحد”، لأنه جاء ليحكم لا ليسهل على العراقيين بناء نظام حكم جديد!
ثمة فارق بين غارنر وبريمر، يستخلصه كريم ضمنياً من دون أن يصوغه نظرياً، هو فارق في طبيعة المهمة ذاتها. فغارنر كان يلح على العراقيين أن “يوسعوا تشكيلتهم”، بصرف النظر عن دوافعه وعما إذا كانت هذه الرغبة صادقة أو تكتيكية، فهو في الحالين يعمل ويتحرك داخل حدود مشروع الاحتلال.
حين فشل العراقيون، استُبدل بمن لا يسأل ولا يلح ولا ينتظر إجماعاً عراقياً، فقد جاء بوصفه صاحب السلطة الفعلية.
التحول من غارنر إلى بريمر أبعد من مجرد تبديل أشخاص، يقرأه كريم انتقالاً من مرحلة “تقدموا بصيغة مناسبة للحكم” إلى مرحلة “سنحكمكم نحن”.. وهكذا جاءت المساهمة من قوى عراقية، عن غير قصد، نافذة لهذا الانتقال، بعد إخفاقها في تقديم بديل شبه انتقالي.
يؤكد كريم أن جميع القوى رفضت ــ على تفاوت دوافعها ــ تحويل “التحرير” إلى “احتلال”، غير أن أحداً لا يملك أن يواجه قوة الاحتلال، فكان “مُكره أخاك لا بطل”.
في سياق تلك التحولات، استمرت الاتصالات السياسية بين الحاكم وسلطة التحالف الدولي، وبين القوى السياسية، حتى تمخضت عما سمي لاحقاً بـ”مجلس الحكم”، أول هيئة سياسية تشكلت في 13 تموز/يوليو 2003، بعد إسقاط النظام، وضمت 25 عضواً، بينهم 12 من العرب الشيعة، و5 من العرب السنة، و5 من الكرد، وعضو عن الحزب الشيوعي، وعضو تركماني، وآخر آشوري.
وقد مُنح المجلس صلاحيات استشارية وإدارية محدودة تحت إشراف إدارة الائتلاف المؤقتة التي كانت تمثل سلطة الاحتلال بقيادة الولايات المتحدة، فيما بقيت القرارات السيادية بيد الحاكم المدني الأميركي. وتولى المجلس تعيين الوزراء، والمشاركة في إعداد قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، والتمهيد لتشكيل الحكومة العراقية المؤقتة عام 2004.
ولا يخفي كريم امتعاضه من تركيبة المجلس بطابعها المختل وتمثيلها الشخصي، ويسوق دليلاً ساخراً على هشاشة تمثيله وهامشيته في وعي العراقيين: “لو تسأل الآن أي عراقي، من هم أعضاء مجلس الحكم؟ ربما يتذكر بضعة أسماء معروفة، لا غير”.
غير أن جوهر المسألة الأساسية يتجاوز موضوعة الشخصيات الجالسة على كراسي “مجلس الحكم”، ويتجه نحو السلطة الفعلية، التي بقيت بيد الحاكم الأميركي “بلا أدنى شك”، كما يقول كريم: “يبدي المجلس رأيه، غير أن القرار الأخير لبريمر”.
وقد صار معروفاً آنذاك، في تقديره، أن القرارات الأساسية كلها كان الحاكم المدني من ورائها، وأن داخل المجلس “شلة” تؤيده بلا تحفظ، فيما انحصرت التحفظات الجدية على عدد من القرارات في عدد محدود من القادة، كما يقول.
من زاوية أخرى، يرى كريم ويؤكد أن الأميركيين جاءوا بلا مشروع سوى الإطاحة بالنظام، بل إنهم لم يكونوا يعرفون العراق أو طبيعة الشعب العراقي، وهذا ما يؤكده “جهل بريمر” الذي تجلى في مرات عديدة.
وفي سياق ذلك، يذكر مشهداً صار شهيراً بين الأوساط السياسية آنذاك، تمثل في زيارة بريمر لمسعود بارزاني في مقر إقامته، فرأى على الجدار صورة فسأل عنها: “من هذا؟”، كاشفاً بذلك سذاجته وجهله السياسي بعدم معرفة هوية الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني.
يضيف مثالاً آخر يكشف قلة إدراك الحاكم المدني للواقع العراقي، وسوء تقدير الأميركيين في اختيار ممثلهم، فيقول إن “بريمر، وهو يبحث عن ممثلين نافذين للشيعة، اهتدى إلى إقناع شخصية مرموقة من الإسلاميين الشيعة ــ امتنع كريم عن تسميتها ــ واعتبرها بوابة مشرعة لكسب الدعم الشيعي الشعبي، مع أن تلك الشخصية لم يكن لها أتباع ولا نفوذ ولا تأثير”.
يعتقد فخري كريم أن مسار الأحداث كان يمكن أن يتخذ اتجاهاً مختلفاً، لو تولى إدارة المرحلة ممثل عن سلطة الاحتلال “ممن له الخبرة والدراية بوضع العراق وتعقيداته، دون إخلال باستراتيجية المحتل ومصالحه العليا”. ويضرب مثالاً بزلماي خليل زاد، الذي يقول إنه “ظل طوال سنوات المعارضة معنياً بمتابعة الشأن العراقي، وقوى المعارضة، ومشاركاً في صياغة توجهات بعضها”.
من هنا ينتقل إلى خلاصة أشد قسوة في تقييم التجربة الأميركية: “جاء الأميركيون، كما يتضح الآن، بلا أي مشروع، سوى تحقيق ما سمي بـ(الفوضى الخلاقة)؛ فحققوا الفوضى التي أتت على الأخضر واليابس، ولم يكن في العملية من شيء خلاق غير الفوضى نفسها، بكل ما رافقها من نهب وسلب وجريمة منظمة واحتلال للبيوت وسرقة للمصارف”.
وتحتاج هذه المفاضلة إلى ضبط يمنع إساءة فهمها، كما يخشى فخري كريم، فالثلاثة ــ غارنر وبريمر وخليل زاد ــ كانوا يعبرون عن اتجاه واحد، هو تحقيق مصالح الولايات المتحدة الأميركية وإحكام السيطرة على مسار ما بعد إسقاط النظام.
الفارق بينهم هو فارق في قراءة الممكن وفي كيفية إدارته. غارنر كان يرى أن احتواء الوضع الجديد يمر بتشكيلة عراقية أوسع تمنح الترتيب الجديد سنداً محلياً مقبولاً، وبريمر يقرر أن الإمساك المباشر بالقرار أضمن وأسرع، وخليل زاد ــ في تقدير كريم ــ كان أعرف بتضاريس البلد وأقدر على تحصيل النتيجة نفسها بكلفة أقل.
في ظل هذا المجلس (مجلس الحكم) وذاك الحاكم (بريمر)، اتُخذت القرارات الكبرى التي ستغير وجه العراق، وفي مقدمتها حل الجيش واجتثاث البعث. على أن هذين القرارين، لثقلهما التأسيسي، يستحقان وقفة مستقلة في شهادة فخري كريم.
*سياسي وكاتب عراقي
الجزء الثاني ينشر غداً
