-
علاء الدين العالم… الجمهورية .نت
-
-
-
احتفى المعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا، في 27 من آذار (مارس) باليوم العالمي للمسرح، عبر تقليد مسرحي لازمَ الأكاديمية المسرحية منذ سنوات طوال، ولم يتوقف حتى في سنوات الحديد والنار. بعيداً عن الفعالية، والبوستر الكرتوني، وبعيداً عن حال المعهد المسرحي المُعقّدة إدارياً وقد تحتاج إلى تحقيق صحفي مُفصّل، السؤال اليوم هو: عن حال المسرح السوري بعد عام ونيف على سقوط نظام الأسد. المقصود بالسؤال عن حال المسرح لا يقتصر على العمل المسرحي السوري المُنتَج داخل سوريا، بل يمتد ليصل مسرحاً سورياً كائناً خارج الحدود، بحالته الأوروبية التي تشكّلت كحالة مسرحية سورية يُمكن تسميتها مسرح الشتات، وآفاق العمل في الحقل المسرحي في سوريا نفسها بعد سقوط نظام الأسد.
خارطة مسرحية سورية
في محاولةٍ لتوصيفِ الخارطة التي يعمل وينشط فيها المسرح السوري اليوم، يُمكن تمييز ثلاث مساحات رئيسية: الأولى هي مساحة العمل المسرحي داخل سوريا، والثانية هي الأعمال المسرحية السورية التي كانت جزءاً من الحركة المسرحية في أوروبا، والمساحة الثالثة هي مساحة مستجدة، نشأت إبان توجّه هيئة الترفيه في المملكة العربية السعودية لإنتاج مجموعة مسرحيات سورية. ولكل مساحة من هذه المساحات مصادر تمويلها التي تتنوع بين صناديق الدعم والمنح وبين الإنتاج الحكومي حسب بلد المَصنع المسرحي.
في المساحة الأولى من الخارطة، وهي الأساسية، لم تشهد دمشق أي تظاهرة مسرحية في المرحلة الماضية. ظهرت بعض العروض الفردية، واستمر العمل في مشاريع التخرج الأكاديمية، لكن لم يكن هناك سلسلة عروض أو مهرجان مسرحي مثلاً، رغم وجود تظاهرات مماثلة في السينما والموسيقى. وحملت خشبات الأوبرا ومسرحي الحمرا والقباني عروضاً معدودة منها: عرض عوز لديما أباظة، وعرض خدر الراقص لرهف الجابر (قُدِّم في دار الأوبرا السورية بتمويل صناديق دعم مستقلة)، ومسرحية آخر ليلة.. أول يوم من إخراج رائد مشرف وقُدِّمت على مسرح الحمراء بإنتاج من مديرية المسارح والموسيقا-المسرح القومي. ونشط خارج دمشق عمل مختبر موج المسرحي بإدارة غيث حسن في طرطوس، وتجارب فردية أخرى هنا وهناك.
أمّا من الجهة الحكومية، فلم تنظّم مديرية المسارح والموسيقا أي فعالية مسرحية، لا في دمشق ولا في أي مدينة سورية أخرى، باستثناءات بسيطة (مهرجان المونودراما في حلب مثلاً، وفعالية اليوم العالمي للمسرح)، ولا يبدو أن هناك سياسة ثقافية موضوعة تعتني بتقديم مجموعة أعمال مسرحية. الأمور ما زالت فوضوية، ودون تغيير جذري في البنية الإدارية لا يُتوقع أن تُقدّم هذه المؤسسات منجزاً مسرحياً محترفاً وممتداً على كامل الخارطة السورية، إلا أن سؤال الإنتاج المسرحي لا يتوقف عند الجهات الحكومية فقط، بل هو أيضاً سؤال يُواجه مؤسسات العمل الثقافي المستقل، والمؤسسات غير الحكومية العاملة في الشأن الثقافي السوري، التي طرحت نفسها سابقاً كبديل للإنتاج الحكومي في سنوات الحرب.
يطول الحديث حول مؤسسات العمل الثقافي السوري المستقل وآليات اشتغالها، منذ تأسيسها في بداية الثورة مروراً بعملها في الخارج وبعض المناطق المحررة وصولاً إلى عودتها إلى الداخل عقب انهيار النظام. عموماً، شكّلت هذه المؤسسات مصدراً لتمويل المسرح السوري المستقل عبر المنح والشراكات. ومن هنا كان المأمول منها هو مدُّ جسر التمويل بين مصدر تمويلها (الأوروبي أو الأميركي) والمسرحي السوري المقيم في دمشق والعامل فيها، بهدف تشكيل حالة مسرحية وتقديم مجموعة عروض أو تظاهرة مسرحية. إلا أن ذلك لم يحدث بعد، وما زال المسرح المستقل داخل سوريا يواجه صعوبات جمّة، في حين تتعامل المؤسسات مع الواقع الجديد ببطء وبذات الآلية التي كانت تعتمدها قبل السقوط، حيث الاكتفاء بتمويل أعمال فردية في أماكن مختلفة ومتفرقة تُقدَّم بأوقات متفاوتة. لذلك من المُلح اليوم، لتشكيل حالة مسرحية سورية داخل سوريا وفي مدنها المختلفة، أن تُموِّل هذه المؤسسات مشاريع لمهرجانات مسرحية أو تظاهرات أدائية يُقدّم فيها أكثر من عرض ومسرحية في أكثر من مكان لتحريك الحالة المسرحية السورية في الداخل والتي عانت كثيراً، على مستوى الإنتاج والتمويل والصناعة في زمن النظام البائد.
مسرح الشتات، هل ما زلنا بحاجةٍ إليه؟
المقصود بـ «مسرح الشتات» هنا، هو المسرحيات التي صنعها المسرحيون السوريون خارج البلاد، سواء تلك التي قُدّمت في دول الطوق (لبنان، الأردن، تركيا) أم تلك التي قُدّمت في أوروبا وشكّلت حالة مسرحية سورية. ظهر هذا النوع في المسرح السوري جراء لجوء أو سفر بعض المسرحيين السوريين، وتقديمهم لخطاب مسرحي كل في مكان إقامته ولجوئه. بعد السقوط، وقف هذا النوع من المسرح السوري أمام سؤال الجدوى والهدف، لماذا سنقوم بالعمل المسرحي في الخارج وقد أصبح الداخل متاحاً؟ وما الهدف منه؟
على اختلاف أنواع وأشكال المسرحيات التي قدمها السوريون في الخارج، إلا أنها كلّها اجتمعت حول هدف جذري واحد، سرد الحكاية السورية للآخرين ونقل ما جرى هناك (سوريا)، أو ما يجري معنا كسوريين هنا (بلد اللجوء)، سواء أكان ذلك عن طريق عرض درامي واقعي، أم أداء جسدي راقص، أم بيرفورمانس في الشارع، وسواء أكان في دولة قريبة كلبنان أم في قارة أخرى. ساهمت هذه الحالة المسرحية، عبر عشرات العروض السورية في عشرات المدن في إحياء التراجيديا السورية في الخارج، وهي جزء من حكاية الثورة السورية، وهنا كانت جدواها ودورها السياسي قبل الفني، لكن هل يمكن الاستمرار بالسردية نفسها؟ وهل ما زال من المجدي صناعة مسرح سوري في الخارج وتقديمه لجمهور الخارج لنخبرهم عن سوريا التي يُمكن زيارتها؟ أم أنه حان الوقت أمام العاملين في المسرح السوري في الخارج، لكي يُقدّموا عروضهم في سوريا، وفي مدنها المختلفة، قبل أن يدور العرض في مدن العالم؟ أن يُجربوا، على الأقل، محاولة صنعِ مسرحٍ سوريٍّ داخل سوريا ومُشاكَلة الجمهور السوري. تلك هي أسئلة مسرح الشتات التي تواجه العاملين فيه على اختلاف أماكن تواجدهم.
لا يوجد فعلٌ حيٌّ يُشاكل السلطات بكل أنواعها كالمسرح. فهو يتحرك بين التجمعات، والعمل فيه تجمّع ومشاهدته تجمّع، وذلك ما يجعله يحمل في ذاته إمكانية اللقاء والنقاش وهذا ما يُرعب السلطات، أي سلطة، لذلك فهو فعل مدني ارتبط بالمدينة. فما دام في مدينتك مسرح حي يتكلم وينتقد ويُحاكي، إذن المدينة حيّة. وغياب المسرح هو الإشارة الأولى على غياب الحرية في هذه المدينة، ولنا في المدن السورية زمن الحقبة الأسدية، وتحديداً زمن الثورة خير مثال. لذلك كان الفعل المسرحي هو الامتحان الأول اليوم لرقابة سلطة دمشق وآلياتها واختباراً لسقفِ الحريات فيها.
نعم، هناك عقبات لوجستية كثيرة أمام نقل عمل المسرحيين السوريين إلى الداخل، وتعقيدات إدارية تتعلق بمكان الإقامة والاستقرار، لكن يُمكن العمل بجدية على إنشاء شراكات بين المسرحيين السوريين في الداخل، الذين استمروا في العمل المسرحي داخل سوريا، وهم يواجهون مشاكل التمويل والاستمرارية، وبين المسرحيين السوريين في الخارج، خاصة أولئك الذين درسوا المسرح في أوروبا وانخرطوا في حركتها المسرحية، ومثالها الأشهر ألمانيا، التي درس في أكاديميتها المسرحية عشرات الشباب والفتيات السوريين وقدّموا العديد من العروض المسرحية الألمانية وصاروا جزءاً من الحركة المسرحية الألمانية. ويُمكن أيضاً العمل على تقديم عروض من المسرحيات السورية التي قُدّمت في الخارج سابقاً داخل دمشق وباقي المدن، على شكل عروض منفردة أو تظاهرة مسرحية.
المسرح السوري في السعودية، مساحة جديدة وظهور مختلف
حملت خشبات مسرح الرياض هذا العام أربع مسرحيات سورية، وكلها جاءت ضمن موسم الرياض بإدارة هيئة الترفيه. كان من الواضح توجه الهيئة إلى المسرح السوري بعد سنوات من العمل مع المسرح المصري الذي قدم عروضاً مختلفة على مدار السنوات السابقة في السعودية. أتى ذلك، كما في الحالة المصرية، ضمن توجه سعودي عام لدعم الإنتاج الفني السوري، في الدراما السورية والمسرح، لكن هل كان المسرح السوري في الرياض حقاً مسرحاً سورياً؟
أوحى وجود نجوم تلفزيونيين، وحكاية مسرحية شعبية، واستعراض أدائي، بأن هذا النوع المسرحي لا ينتمي للمسرح السوري. هذا ضرب من الإقصاء، لأن العاملين في صناعة هذه المسرحيات هم مسرحيون سوريون قدموا عروضاً مسرحية سورية داخل دمشق وخارجها، سواء من خلال تجربة إخراجية كلاسيكية مثل أيمن زيدان الذي قدّم عرض ولادة مبكرة في الرياض، أو عبر تجربة إخراجية معاصرة مثل عروة العربي ورغدة شعراني اللذين قدما في الرياض مسرحيات عرس مطنطن وفيفا لافيتا. بالإضافة إلى مشاركة بعض الفرق المسرحية السورية الفلكلورية مثل إنانا وأورنينا. إذن هو مسرح سوري، يصنعه مسرحيون سوريون، لكنه يُقدَّم بطريقة مختلفة (حكاية بسيطة شعبية ونجوم تلفزيون) وهدف مختلف (الترفيه).
لا يمكن تناول هذه الأعمال المسرحية نقدياً لأنها لم تكن مُتاحة للعرض إلا في الرياض، ولم يظهر منها إلا الإعلانات وبعض الفيديوهات لمشهد من هنا وهناك، لكن رهانها الأكبر هو الاستمرارية، وألا تُصبح طفرة أو موجة مؤقتة تختفي بعد حين وكأنها لم تكن. وعلى صنّاعها السعي لتقديمها في دمشق، لا سيما وأن القدرة الإنتاجية الضخمة لهذا النوع من الأعمال تُذلل العقبات اللوجستية. على أية حال، يُمكن القول إن السعودية موّلت مسرحيات سورية، وأصبحت مُنتِجاً مسرحياً جديداً يُضاف للإنتاج الحكومي السوري والمستقل (صناديق الدعم الأوروبية)، وخلقت مساحة للعمل المسرحي السوري، من المبكر الحكم عليها وعلى آلية عملها وإنتاجها، لكنها فرصة أمام المسرحيين السوريين للاستفادة من هذه المساحة المسرحية وتطويرها.
ختاماً، هناك فراغ ملحوظ في المسرح السوري اليوم، فراغ طبيعي جراء حالة السقوط التي هزّت كل الحقول الاجتماعية السورية، والفن المسرحي جزء منها. هذا الفراغ لا يُمكن ملؤه إلا بالفعل المسرحي على يد مسرحيين سوريين يحملون مشروعاً مسرحياً، دون ذلك قد يُصبح هذا الفراغ خطيراً حينما يجري ملؤه بمسرح مؤدلج، تتحكم فيه السلطة المُموِلة أيّاً كانت، لتتحول خشبات المسارح إلى منابر للخطب والاحتفالات بدلاً من الدراما والرقص والموسيقى.
-