لم يقطع المفكر والكاتب وعالم الاجتماع السوداني حيدر إبراهيم علي (1943 – 2026) سلطة السماء على الأرض؛ بل وصلها. ففي فلسفته، وفي مشواره النضالي الذي قضاه مدافعًا عن العقل وحريته في علاقته مع الطبيعة ومع الله، فصلَ ما بين السلطتين، لأنَّ سلطة الأرض كانت تحتكر سلطة السماء لحساباتها الدنيوية. فخاض معارك ومعارك مع هذه السلطة، ومع نظريتها الإخوانية التكفيرية في طوريها السياسي والعنفي، فاضطرَّ إلى مغادرة السودان إثر انقلاب 1989 ليعمل أستاذًا جامعيًا في المغرب، ثمَّ تولّى تنسيق الدراسات والنشر بالمجلس القومي للثقافة العربية في الرباط بالمغرب، والأمانة العامة للجمعية العربية لعلم الاجتماع. وكذلك ارتبط اسمه بمشاريع بحثية تناولت التنمية والمجتمع والتحولات السياسية والثقافية. وفي عام 1992 انتقل إلى القاهرة وأسَّس “مركز الدراسات السودانية”، وكان شعاره: “كُنْ واقعيًا واطلبِ المستحيل”، الذي استعاره من ثورات الشباب في أوروبا في نهاية ستينيات القرن الماضي. وتحت هذا الشعار أنجز حيدر إبراهيم الكثير من النشاطات السياسية والثقافية؛ إذ وصل العدد الأخير من مجلة “كتابات سودانية” إلى الإصدار رقم 55، كما أصدر 220 كتابًا في مختلف المجالات الفكرية والإبداعية، إلى جانب 12 عددًا من التقرير الاستراتيجي السوداني على مدى 12 عامًا، وقام بنقل بعض نشاطات المركز إلى السودان، وافتتح له مقرًّا في الخرطوم بعد إطلاق السلطات السودانية الحريات الصحافية، لكن السلطات السودانية اضطرَّت إلى إغلاقه عام 2012.
د. حيدر إبراهيم وقف في فكره ضدَّ سلوك الحكومة “الثيوقراطية” وضدَّ تسلُّطها على حياة الناس من خلال أدبياتها وفتاواها التي تُسوِّقها ترهيبًا وترغيبًا. فدخل معها في صراع فكري بدا في جانب منه تناحريًّا بسبب استعانة “الثيوقراطيين” بالعسكر الذين تعاقبوا على حكم السودان. وهذا ما أنتج التسلُّط وفقهاءه، رجال الكهنوت، الذين حوّلوه إلى خطاب إسلاموي لا يمكن المسُّ به، لأنَّه بزعمهم خطاب متسامٍ، وبإمكانه – ربَّما – تحويل الحجر إلى خبز، وبكامل القداسة، وكأنَّهم يقومون بكسر قانون الطبيعة؛ وهو ما جذَّر الاستبداد. وكان أشدَّ ما يثير د. حيدر إبراهيم هو كيف استخدم المؤمنون الدين للسيطرة على المجتمع، وهذه طبعًا كان قد قدَّمها الإسلام السياسي وفقهاؤه خدمةً للوالي، للدولة، وأعجبت الحاكم لكونها لعبة/ عصا تُجرِّد الإنسان من قدراته العقلية، تُخدِّره، تُدجِّنه، ومن ثمَّ تسلبه حقوقه على الدولة، فيتحوّلُ إلى “ماع”.
في مؤلفاته مثل: “التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية”، “لاهوت التحرير”، “أزمنة الريح والقلق والحرية”، “سقوط المشروع الحضاري”، “أزمة الإسلام السياسي: الجبهة القومية في السودان نموذجًا”، “الأمنوقراطية وتجدّد الاستبداد في السودان”، “مراجعات الإسلاميين السودانيين: كسب السلطة وخسارة الدين”، و”الديمقراطية السودانية”، رفض حيدر إبراهيم التسلُّطَ وإنتاجَه وخلْطَه بطاعة أُولي الأمر؛ لأنَّ إرادة المستبد تتحوَّل إلى قانون يُجيز تهميش وتغييب الإنسان الذي يطالب باستخدام العقل. فكان يقوم بتحليل ونقد خطاب التسلط وتفكيكه كي يمتلك الإنسان وعيه، فلا يُسفَك دمه غدرًا وغيلةً.
والقارئ لفلسفته أو مشروعه التنويري – وهو طبعًا لا يدعو إلى العنف ولا إلى العنف المسلَّح – سيجد أنَّه يدعو إلى الحوار/ الجدل، فلا يغتال الإنسان كرامته بالرد على ظالمه ومستغلِّه بفعل المسامحة؛ أي يرد على الشر بفعل الخير الذي يروِّج له كُهَّان الأديان ليربو جشعهم وفسادهم؛ لا أسرار في الدين، فالدين ليس تجارةً ولا صناعةً أو مفاعلًا نوويًّا فتُخفى أسراره عن الأعداء والأصدقاء، فكيف عن الناس. واستذلال الناس واستعبادهم من قِبَل الحاكم أو تاجر الدين ليس قانونًا من قوانين الطبيعة، بل هو خرقٌ لها، ليصبح البشر فرائس وغنائم لهما، فلا دين أبدًا يحضُّ على تعذيب الناس وسلبهم وقتلهم.
د. حيدر إبراهيم المُثقَّف والمفكِّر السوداني في “تنويره” سعى إلى مقاومة مَنْ يحاولون أدلجة المجتمع المدني دينيًّا، ومقاومة وصاية الحاكم على الناس/ الرعية، ووصاية الذكَر على الأنثى، ووصاية الطويل على القصير، ووصاية ماء البحر على ماء النهر. فالحاكم من مهامّه أن يؤمِّن حقوق الناس/ الشعب، وأن يحميهم من الاستعمار ومن أصحاب الخطابات اللاهوتية، وإذا ما عارضوه وشكَّلوا معارضة سياسية فلا يُجابههم بالقمع والإبادة العنيفة كما حصل أيام الربيع العربي.