(الحالات الواردة في التقرير واقعية لكن الاسماء مستعارة (
نالين سلمان عبدو
/محامية باحثة مؤسسة مركز سميرة للدراسات/
مجتمع محافظ لكن المؤشرات تصاعدية
البغاء ..المومسات ..بائعات الهوى..تجارة الرقيق الأبيض..أسواق النخاسة..فتيات الليل الماخور ..الدعارة ..العهر.. مسميات تاريخية وحديثة للأرتزاق من الجنس وهي مهنة استمرت على مر العصور ،تستبيح شرف وعفة من يزاولها طوعاً أو قسراً .
المجتمع المحلي في شمال شرق سوريا لايزال مجتمع ذو ذهنية عشائرية رافضة تماما لأي ممارسات جنسية خارج اطار الزواج ، وحكماً يمقت ويحارب الفجور والدعارة ، كما أن صغر حجم المدن والتمدد العمراني الأفقي يجعل معدلات اقتراف هذا الجرم أقل من المدن الكبيرة في البلاد، فالجميع يعرف الجميع والجار يبلغ عن جاره حال رصده أي سلوك مشبوه في منزله، عداعن الرادع الديني حيث تشكل الدعارة عندهم فعل زنا محرم ومعاقب عليه دينياً ، وكل ذلك ضيق من نطاق انتشار هذه الظاهرة التي يصعب تعقبها الأمني والافصاح عنها من متعاطيها في كل أرجاء المعمورة ، لكنها موجودة ويتكشف حجمها حين يتم الحديث عنها جهاراً إما من رجال متبجحين بفحولتهم أو في جلسات ضيقة يلقى فيها اللوم والاحكام المسبقة على العاهرة كجانحةوجانية على نفسها وأسرتها أو يُشفق عليها كمجني عليها عاكستها الظروف القاهرة .
التعريف بالمشكلة والبحث في ثناياها هي الخطوة الاولى على سبيل حلها، والمعلوم أن الكتمانوالسرية من شروط العمل في الدعارة لذا فأن تحديد خطورة المستوى أو الحجم الحقيقي لممارستها لم يكن يجدي معه البحث والتحري الاستقصائي المكشوف ،مع استحالة أخذ اعترافات من المومسات أنفسهن لذا اعتمدنا على شهادات من أرباب مهن مختلفة وشهود عيانجادلوا من انغمسوا ببحر ملذاتهم وشهواتهم ، وبادر بعضهم بالحديث من منطلق الحفاظ على قيم المجتمع الذي يمقت أي ممارسة غير شرعية للجنس .
في سوريا عموماً أرقام مخيفة غير موثقة لدى المنظمات الدولية ، دللت على مدى خطورة تصاعد مؤشرات هذا الجرم بعد الحرب التي اندلعت عام 2011 والتي جعلت الدعارة جزءاً من اقتصاد الظل ، فبحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة المشترك حول فيروس نقص المناعة المكتسب الايدز عام 2012 تم تقديروجود 25000عاهرة ،هذا العدد ازداد أضعافاً نتيجة تمدد الحرب الأهلية السورية لكل المدن في البلاد مخلفة أعداداً من الأرامل واليتامى واللقطاء والنازحات يكابدن الشقاء لالتقاط لقمة البقاء ..عدا عن شبكات اتجار بالنساء والفتيات السوريات في دول الجوار كالأردنولبنان .
نهشت الحرب أجسادهن جوعاّ وقضمت آدميتهن
في الحروب تعتبر النساء وقود من نوع خاص ،بعد أن يثقل كاهلهن الاختفاء القسري والاستشهاد والفقر المدقع وضياع الاوراق الثبوتية الشخصية ، ليس من الصعب تصور حصول مقايضات على مبدأ “الجنس مقابل الغذاء “
تقول راضية :” أكثر من مرة ضبطت مع زوجي موانع حمل وأقر لي بأنه على علاقة غير شرعية مع امرأة ويدفع لها أجرة المنزل..”
لتأمين لقمة العيش والحصول على مواد أساسية كمازوت التدفئة وجرة الغاز المطبخية ومعونات وسلات غذائية تتم المتاجرة بالأجساد ، ولمكافحة ذلك اضطرت منظمات أممية إغاثية إلى توزيع مناشير تدعو إلى الابلاغ عن حالات التحرش والابتزاز والاستغلال المرتكبة من موظفيها لاسيما في المخيمات التي أشيدت خلال سنوات الحرب السورية التي اندلعت عام 2011وانتهت عام 2024لكن آثارها والتعافي منها يحتاج للمزيد من السنوات .
يفتك الاستغلال الجنسي بأجساد الفتيات القاصرات المتسيبات من التعليم والنساء من الفئات الهشة المعدمات اقتصادياً وفاقدات المعيل ، يصف الناشط المدني آراس معريكا بعض آثار الحرب على مدينته القامشلي : “هناك آباء غرقوا بالديون والحاجة والعجز حتى صار أحدهم يلمح أو يقدم بناته لأصحاب النفوذ أو المال مقابل اسقاط دين أو الحصول على فرصة عمل أو مساعدة ،ليس لأنهم بلا شرف بل لأن الحرب حين تطول كثيراً تكسر الناس من الداخل “
الدعارة مصطلح يراد به تقديم الخدمة الجنسية مقابل مال أو منفعة هو اذاً اغتصاب لكن مع توافر ركن الرضا بمقابل المال ،لذلك تمايزت بعض القوانين الأوربية كما في هولندا واعتبرت القواد مجرما والعاهرة ضحية .
لا شي يبرر
انتشار الدعارة تهديد لقيم المجتمع والحاجة المادية لا تبررها وفق وجهة نظر معظم من التقينا بهم من الفتيات اللواتي تراوحت أعمارهن بين 17-36عاما ، كما أن التسرب المدرسي والتفكك الأسري وأرتفاع تكاليف الزواج والمهور الباهظة التي تؤدي إلى عزوف الشباب عن الزواج ليست بالضرورة مبررات لممارسة الدعارة. تقول بيريفان :”هناك من تتاجر بجسدها لأجل وجبة شاورما وجهاز موبايل ,إنها العادة والانحلال الاخلاقي “.
بعد عام 2013 ارتفعت نسبة العاملات في القطاع الخاص بأعمال الحمالة والعتالة وتنظيف مطابخ المطاعم و.. دون عقود تأمين أو عقود عمل تحفظ حقوقهن في الأجر ومدة التشغيل تقول ليلى :”نعم أعمل في تنظيف الحمامات في الفندق لكن ذلك أفضل وأشرف من أن أعمل في الدعارة بالرغم من دره عوائد مالية أكبر“
ارتباط الدعارة بجرائم أخرى
بعد تحرير مدينة الرقة من تنظيم داعش عام 2017 انتشرت ظاهرة تعاطي النساء للمخدرات ، وبحسب ناشط محلي من مدينة الرقة فأن الخطوة الاولى لجر الفتيات والنساء نحو العمل بالدعارة كان توريطهن بتعاطي المخدرات وجعلهن مدمنات رهن القوادين الذين استغلوا أيضاً النازحاتوالعائدات من المخيمات ممن عانين في المجتمعات المستضيفة من وصمة العيش في “مخيم الهول“ .
قد تتعرض المرأة المتورطة بالدعارة للغصب والاكراه والتهديد والابتزاز للاستمرار بالعمل الجنسي حتى مع رغبتها ترك هذا المستنقع.
وتواجه العاملة بالدعارة العنف الجسدي /ضرب وايذاء/وقد تكون عرضة للاتهام بجرائم مختلفة ، وهو ما حصل مع كلبهار التي كانت تعمل في الدعارة بعد وفاة زوجها وسفر ابنها وتم توقيفها في أحد الصباحات بجرم الشروع في القتل بعد أن توفي أحد الشبان في منزلها بسكتة قلبية، عدا عن جرائم القتل المستمرة بدافع الشرف وغسل العار والفضيحة من قبل أهالي العاهرات بالرغم من الغاء نص المادة 548 من قانون العقوبات السوري التي كانت تمنح العذر المخفف في هكذا حالات .
نُسبت لكل الفئات المتصارعة خلال الحرب السورية ما بين أعوام 2011-2024 اتهامات بالاستغلال الجنسي للنساء والفتيات و في عام2015 قتلت ثلاثة فتيات كن برفقة عناصر من ميليشيا الدفاع الوطني التي كانت موالية للنظام البائد أثناء اشتباكات مع قوات الحماية الكردية في مدينة القامشلي ،وتبين أن ميليشيا الدفاع الوطني كانت تتاجر في الجنس وتستغل حاجة الفتيات المادية .
واجهنا عدة سجينات سابقات بتهم الدعارة لم يعترفن بالجرم المسند إليهن وصرحن أنهن كن في المكان الخطأ بالصدفة أو حاول أحدهم نصب فخ للإيقاع بهن ، منهن فادية التي قالت :”لقد أجرت غرفة في منزلي لأحدهم ليسكن فيها أسرته ، دون أن أعلم أنها ستخصص للحرام” .
بينما دافعت سماهر عن نفسها بأنها لم تقبل ممارسة الرذيلة مع شخص أقرضها مبلغاً من المال بداعي أنه يريد مساعدتها بعد سفر زوجها إلى المانيا وتأخر لم شملها، ثم بدأ بأبتزازها وطلب خدمات جنسية، وكانت النتيجة قيام زوجها بطلاقها عند سماعه تحويلها للقضاء بقضية أخلاقية“.
أشكال مقنعة من الدعارة
تتم ممارسة الدعارة بشكل مبطن مستتر وراء مهن أخرى فهناك متسولات يعرضن خدمات جنسية “بحسب عنصر سابق في مكتب مكافحة الجريمة بالقامشلي“ تم تحويلهن إلى أسايش المرأة ، كما تم ضبط الكثير من الفتيات المفترض انهم راقصات بجرم تسهيل الدعارة ، وعادة يتم توجيه جنحة مخالفة رخصة العمل ل صاحب المطعم أو الملهى الذي يتم ضبط راقصات فيه.
وقد تتخذ الدعارة أشكالاً مقنعة اكثر حداثوية عبر صفحات و تطبيقات الكترونية تعرض صور فتيات وتستغل حاجتهن للبحث عن شريك زوجي مناسب ، ثم يبدأ بعدها تهديدهن وابتزازهن والإيقاع بهن في فخ الاستمرار بأرسال الصور الاباحية .
تعمل هند راقصة في أحد الفنادق بمدينة القامشلي وهي نازحة وتربي طفلها ،أنكرت عملها كبائعة هوى وأصرت على أنها تمتهن مهنة الرقص ، لكنها تحدثت عن حاجتها للكثير من الرجال الذين طلبت منهم تسهيل الحصول على أوراق شخصية تثبت هويتها واضطرت للخضوع لرغباتهم.
كيف يؤدي التحرش إلى الدعارة
قد تقبل الفتاة التحرش الواقع بكلمات جميلة وحركات مداعبة لاتصل إلى حد الممارسة الجنسية الكاملة أملاً بالزواج من المتحرش أو سبيلاً سهلاً لزيادة الأجر أو خوفاً من الطرد من العمل أو لإيجاد فرصة عمل ل أخيها ، وتبرر لنفسها بأنها مضطرة وهدفها تأمين حاجة ما ، وهكذا مع تكرار حادثة القبول يتحول الأمر إما إلى اذعان لأشخاص يستخدمون الترغيب والترهيب أو اعتياد المرأة نفسها على الانخراط في عمل يتهافت عليه زبائن بجيوب ممتلئة .
العائدات من المخيمات في مدينتي الرقة وريف دير الزور عامي 2023- 2024 عانين من تحرش الكفلاء وعرضهم الجنس عليهن مقابل كفالتهن في المجتمعات التي عادوا إليها
مستنقع موبوء بالأمراض المعدية
توصف العاملة في الدعارة بالجانية ، وقد تعتبر مجني عليها كما قد تعتبر ضحية في آن واحد ،واذا ما اتخذت قرار ترك العمل في قاع الدعارة فقد تفترسها الأمراض التي تتنوع ما بين نفسية وجسدية .
وفق الطبيبة النسائية “سمية شيخموس“قد يصاب الرجال والنساء نتيجة الاتيان بعلاقات جنسية متعددة بأمراض قاتلة كالإيدز أو مسرطنة كالورم البشري الحليمي HPV ، وهناك أمراض قابلة للشفاء كالزهري والكلاميديا والهربس والفطريات والمشعرات التتاسلية والثآليل والتهاب الكبد c.b والسيلان البني ، وتتأسف الطبيبة لحال الكثير من النساء المتزوجات من رجال متعددي العلاقات الجنسية ، ويتسببون نتيجة ذلك بنقل الامراض إليهن.
تحاول الكثيرات من المنحرفات تغيير مسكنهن والبدء بحياة جديدة في بيئة نظيفة من العهر، منهن من ينجحن ومنهن من تلاحقهن لعنة أوكار الدعارة التي عملن فيها ، وفق الاخصائية النفسية “جوانا بركات ” فأن العاهرة بعد أن تحجم عن العمل بالدعارة قد تتعرض ل اضطرابات القلق والخوف والاكتئاب ، وقد تقدم على الانتحار أيضاً ، بسبب تعرضها للوصمة من قبل أفراد من مجتمعها يعلمون بعملها السابق في الدعارة “.
نصوص القانون حمائية أم عقابية
مآسي اقتصادية واجتماعية أفرزتها الحرب السورية التي تسببت بانخفاض قيمة الليرة السورية واغلاق مئات المدارس وتدمير مدن بأكملها كل ذلك اثقل كاهل أسر وجدت البحث عن فلذات أكبادها مشقة لا طاقة لهم عليها ، تقول بيداء :”لقد تم توقيف أختي وهي قاصر تبلغ من العمر 13 عاماً بجرم الدعارة ..نحن في وضع مالي سيء جداً لدرجة أننا أهملنا متابعة وضعها وعلمنا فقط أنها موجودة لدى أسايش المرأة ،ولانمانع تأهيلها من قبلهم “.
تقول المحامية هيفاء حسن :”أن المحاكم عادة تتساهل مع الجانحات اللواتي يرتكبن جنحة الدعارة للمرة الأولى عسى أن يصلح سلوكهن ويعدن عن درب الفجور، وتوكلت عن احدى المتهمات اللواتي قبل القاضي كفالة أخيها لها وأخلى سبيلها ”
وفي سوريا لايزال معمولاً بالقانون رقم 10 الصادر بخصوص مكافحة الدعارة عام 1961 وينص على معاقبة كل من اعتاد ممارسة الدعارة أو الفجور بالحبس وبغرامات مالية ، بالإضافة إلى ارسال الشخص المضبوط إلى الفحص الطبي ، واذا تبين إصابته بمرض تناسلي يتم حجره صحياً في احدى المؤسسات العلاجية ، ووفق مواد القانون المذكور يعاقب بالحبس والغرامة المالية أيضاً كل من يفتح أو يدير محلاً للفجور أو الدعارة أو يعاون في ادارته مع اغلاق المحل ومصادرة أثاثه ، كما يعاقب كل من يؤجر أو يقدم مكاناً لممارسة الدعارة مع علمه بذلك ، وترتفع عقوبة ادارة وتسهيل الدعارة لتصل إلى الحبس خمس سنوات في حالات التشديد مثل استغلال صغار السن أو من يقعون تحت سلطة الجاني .
بحسب مصدر قضائي يتبع للادارة الذاتية التي حكمت في شمال شرق سوريا 14 عاماً فأنه تمت احالة الكثير من العاملات في الدعارة للقضاء ، كما تمت محاكمة شبكة من مسهلي الدعارة كانت تؤمن الفتيات العاهرات لكوادر حزبية .
يقول الناشط المدني آراس معريكا عن سماسرة الاستغلال الجنسي في مدينة القامشلي “: بعض هؤلاء لم يكونوا مختبئين كانوا معروفين في السوق معروفين بطريقة تعاملهم ومعروفين بالشكاوى والقصص التي تدور حولهم ، ومع ذلك لم يتوقفوا يوماً ولم تتم محاسبتهم بشكل حقيقي، وهنا يأتي السؤال المؤلم إذا كانت الادارة الذاتية تحكم المدينة منذ سنوات طويلة فأين كانت الرقابة ، أين كانت القوانين التي تحمي الفتيات الفقيرات” .
لا توجد مراكز حماية واصلاح وتأهيل للنساء والفتيات المنحرفات في محافظة الحسكة لكن منظمات تتبع للإدارة الذاتية أسست قرية المرأة عام 2018 ،وهي تعتمد نظام الاكتفاء الذاتي ،فالمرأة هناك تعمل وتعيل نفسها، ويسكن في هذه القرية نساء تقطعت بهم السبل لأسباب مختلفة ويمكن اعتبارها ملاذ آمن وبيئة ذات بنية تأهيلية للنساء المسحوقات العاجزات عن الحياة السوية.
يقول عواد وهوسائق سيارة خدمية خاصة :”نعم أكثر من مرة قمت بتوصيل نساء وفتيات مشتبهات بممارسة الدعارة إلى مكاتب أو شركات ينتظرهم فيها زبائن أوكار العهر المنتشرة أيضا في مزارع خاصة أو فنادق وبيوت غالباً مستأجرة.
يواجه مكتب مكافحة الجريمة صعوبة عدم تلقي بلاغات للقيام بحملات لكشف وضبط الدعارة التي تمارس في الخفاء ، كما يصعب توقيف السماسرة المستفيدين منها وبعضهم نساء لاسيما مع انتشار الشبكات العابرة للمدن ووسائل التواصل الاجتماعي .
(الحالات الواردة في التقرير واقعية لكن الاسماء مستعارة