رنا ممدوح.. المصدر مجلة الفراتس
يقول المثل المصري “اللي تعرف ديته اقتله”، وهو مثلٌ لا يحضّ على العنف بقدر ما يدعو إلى معرفة تكلفة الفعل قبل الإقدام عليه. وهو ما يمكن أن نراه في حسابات المكسب والخسارة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ فبراير 2026، وإعلان الرئيسين الأمريكي والإيراني مساء 17 يونيو الجاري وقفها بالتوقيع “عن بعد” على مذكرة تفاهمٍ تتضمن عدة بنود تحيل النقاط الخلافية إلى مفاوضات تبدأ بعد استئناف العمل في مضيق هرمز.
علم الإيرانيون أن الفوضى الاقتصادية التي يخلّفها غلق مضيق هرمز أو تقييد الملاحة فيه سيضمن لهم الصمود في مواجهة أقوى جيش في العالم، وأن تقديس الرئيس الأمريكي المكاسب الاقتصادية والنجاحات الكبرى سيعجّل إنهاء المعركة ويعوّض فارق التفوّق العسكري التقليدي لأمريكا والاستخباراتي لإسرائيل.
راهن الإيرانيون على تكلفة الحرب اقتصادياً على أسواق النفط، والخسائر الاقتصادية العالمية، في إعاقة أهداف ترامب وصديقه الطيب – على حدّ وصفه له – بنيامين نتنياهو بتدمير البرامج النووية والصاروخية كافة وإسقاط النظام. واليوم نشاهد الرئيس الأمريكي يبرم اتفاقاً مع إيران لإنهاء الحرب، وفي الخلفية وعود بامتيازات مالية وإعفاءات اقتصادية لإنعاش اقتصاد طهران. وذلك على نقيض ما أعلنه ترامب نفسه في مارس 2026 عن استسلام النظام الإيراني غير المشروط سبيلاً وحيداً لإبرام اتفاق مع بلاده.
وعندما سأله الصحفيون بعد توقيع الاتفاق، فسّر ترامب هذا التناقض بأنه لو استمرت الحرب لانهارت الأسواق ونفدت مخزونات النفط من العالم.
ربما لا يمكن الجزم بمدى نجاح الاستراتيجية الإيرانية على المدى الطويل، خصوصاً في ظل التقلّبات التي تميّز مواقف الإدارة الأمريكية وتغيّر مزاج رئيسها لكنها تعدّ مثالاً على قدرة الطرف الأضعف على توظيف عناصر القوة المتاحة لديه لتعويض اختلال موازين القوة، ونموذجاً لمقاومة الفئات المهمشة للسرديات المهيمنة. ليس بالضرورة بالانتصار عليها، بل برفع تكلفة فرضها.
مقاومة الهامش، التي وجدتها في لجوء إيران (الطرف الأضعف عسكرياً) إلى استغلال مضيق هرمز أداة ضغط اقتصادي لتعويض التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي، كانت حاضرة في مطوّلات الفراتس الخمس هذا الأسبوع عبر فضاءاتٍ جغرافية وسياسية وعمرانية واقتصادية ودينية.
امتدت هذه الفضاءات من الولايات المتحدة، حيث استخدمت الطبقة العاملة البيضاء المهمشة الغضب الشعبي لكسر هيمنة النخب الليبرالية، وصعود تيار “اليمين ما بعد الليبرالي” بقيادة شخصيات مثل جاي دي فانس. مروراً بدبي التي تقاوم تضرّر اقتصادها القائم على السياحة والتدفقات المالية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتحاول “إعادة اختراع نفسها” لاحتواء الصدمة، فضلاً عن مقاومة المفكّرَين المصري نصر أبو زيد والإيراني عبد الكريم الخطاب الديني التراثي المهيمن ليتسع للعقلانية والتجربة الروحية. وصولاً إلى تونس حيث تبحث نساء قابس عن العدالة البيئية في مواجهة سلطة المجمع الكيميائي، ومنها إلى أزقة إمبابة المطلّة على نيل القاهرة حيث يقاوم السكان تهميش الدولة عبر عقود من خلال “الجهود الذاتية” والبناء غير الرسمي، لفرض وجودهم أمراً واقعاً ضدّ سردية الدولة للتطوير.
في مطوّلة الفراتس الأولى، أضاء الصحفي المصري أحمد البرديني على أبرز ملامح السيرة الذاتية والسياسية لنائب الرئيس الأمريكي جيمس ديفيد فانس (جي دي فانس)، وعدّها مدخلاً لفهم التحولات التي أعادت تشكيل السياسة الأمريكية خلال العقد الأخير.
تتبع البرديني رحلة صعود فانس المعقدة، من طفولةٍ فقيرة ومضطربة في أوساط الطبقة العاملة البيضاء في ما يُعرف “حزام الصدأ” الأمريكي، مروراً بخدمته العسكرية في سلاح مشاة البحرية، وصولاً إلى تخرجه في جامعة ييل ودخوله عالم الاستثمار والتقنية. وتعرض التحولات الجذرية في مساره الفكري والسياسي، وكيف انتقل خلال ثماني سنوات من ناقدٍ يرى ترامب “هتلر العصر” إلى أبرز حلفائه، ثم نائبه ووريثه السياسي المحتمل في تيار”ماغا” (لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً) بعد انتهاء ولاية ترامب الثانية.
كشف البرديني مدى تأثر فانس بجدّه جيمس، العامل الأمريكي الذي رأى في الحزب الديمقراطي ممثلاً لمصالح العمال، وبجدّته بوني التي كان يناديها “ماماو” وكان لها الفضل الأكبر في إنقاذه من التفكك والعنف اللذين طبعا سنواته الأولى، وفي تجنيبه المصير الذي انتهى إليه كثيرون في محيطه بعدما أولت تعليمه اهتماماً كبيراً وشجعته على مواصلة الدراسة.
أشار الصحفي المصري في مطوّلته إلى الطفل العراقي الذي كان له الدور الأكبر في تصالح فانس مع تجربته الشخصية من الفقر والتفكك الأسري.
نوعٌ آخر من التكيّف أخبرتنا عنه الكاتبة الفلسطينية الأمريكية رحمة حجة في مطوّلتها “نموذج دبي في مواجهة الأزمات” مفندةً التوقعات الغربية التي تتكرر منذ نحو عقدين بانهيار إمارة دبي مع كل أزمة تواجهها. في كل مرة تعود النقاشات عن المدينة التي قامت على السياحة والاستثمار العقاري والتدفقات المالية دون اقتصادٍ إنتاجي، إذ كيف تقدر على الصمود عندما تتعطل هذه التدفقات.
حاججت رحمة بقدرة دبي على “إعادة اختراع نفسها” وتكييف أدواتها الاقتصادية والتنظيمية لاحتواء الصدمات وإيجاد مسارات سريعة للتعافي، مدللةً بثلاث أزمات كبرى وضعت الإمارة قيد الاختبار. ومع الأزمات، لم ينكسر حلم دبي. المدينة التي نجحت في تحويل الوفرة الاقتصادية إلى جاذبية ثقافية وسمعة عالمية بوتيرة نادرة، أثبتت مرة أخرى قدرتها على التكيّف مع الصدمات. أصابتها صواريخ إيران، لكنها لم تُسقطها.
ومن مقاومة دبي إلى مقاومة المفكّرَين نصر حامد أبوزيد وعبد الكريم سروش السرديات الدينية السائدة عبر مبدأ “التاريخية” في التعامل مع القرآن، انتقل بنا زميلنا طارق حجي، الباحث في الدراسات القرآنية، في مطوّلته “تاريخية أبو زيد وسروش في مقاربة النص القرآني” إلى الشرق العربي وإيران وتركيا والهند، حيث يشكِّل القرآن وتأويله، وعلاقة هذا التأويل بالتراث التفسيري وبالواقع الفكري الحديث، أحد المحاور الرئيسة في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر.
قدّم حجي مقارنة بين توظيف مفهوم “تاريخية القرآن” في مشروعَي أبو زيد وسروش، موضحاً أن اعتمادهما على الأداة المنهجية نفسها لم يمنع اختلاف مخرجاتهما.
في المطوّلة الرابعة هذا الأسبوع، أخذتنا الصحفية والباحثة ريم بن خليفة إلى حي شطّ السلام في قابس، جنوب شرقي تونس، حيث يستيقظ سكان الحي منذ عقود على هواءٍ مشبع بانبعاثات المجمع الكيميائي التونسي. ومع هبوب الرياح، تنتشر روائح حادة تنبعث من المنشآت الصناعية المحيطة، فيما يخيّم على المكان ضباب رمادي يترك مذاقاً لاذعاً في الفم.
تكشف ريم أن أثر ملوثات المجمع الكيميائي يمتد إلى خصوبة التونسيات المقيمات في المناطق القريبة منه، في ظل غياب الإحصاءات المحلية التي ترصد معدلات مرتفعة من “العقم غير المفسّر”، وحالات الإجهاض المتكرر، وتشوهات الأجنة، والمشكلات الصحية لدى المواليد. وتقارن بين النساء المقيمات بجوار المجمع الكيميائي وأخريات يعشن بعيداً عنه. لكن ما لا تقوله الأرقام، ترويه حكايات نساء تتكرر وملفات طبية تحمل علامات استفهام، وأطباء يلمّحون بحذر لمرضاهم.
ومن قابس إلى الضفة الغربية على نهر النيل في القاهرة، حيث يصطحبنا الصحفي حسن حافظ في جولة مصورة ومكتوبة داخل حي إمبابة التاريخي، متتبعاً في مطولته “إمبابة.. حين يسكن الفقراء على ضفاف النيل” مساره من تجمع قروي زراعي إلى إحدى أكبر بؤر العمران غير الرسمي في مصر. ومع التحولات الجارية اليوم، التي تسعى فيها الدولة إلى إعادة إنتاج واجهة النيل لتكون أكثر ربحية وأناقة، تجد إمبابة نفسها أمام تهديد وجودي. فقد أعلنت الحكومة خططاً لإعادة تخطيط مناطق تاريخية واسعة من الحي، تمتد على نحو 351 فداناً، وبدأ الموظفون برسم علامات (إكس) حمراء على المنازل، ما أثار مخاوف السكان من مصير مشابه لما حدث في مثلث ماسبيرو وجزيرة الوراق، حيث يُزاح السكان الأصليون لصالح أبراج ومشروعات استثمارية تستهدف الطبقات الأكثر ثراءً.
استعان حافظ بمفهوم عالم الاجتماع آصف بيات عن “حركات اللاحركات”، ليدلل على أن إمبابة لم تكن هبة من السلطة، بل نتاج نضال يومي خاضه أناس عاديون ومهمشون استطاعوا انتزاع حقهم في السكن والمدينة بجهودهم الذاتية المتراكمة.
ما تفعله الهوامش في إمبابة وقابس وأمريكا، وما فعله المفكرون مع النصوص، وما فرضته صواريخ الحرب على دبي، هو تذكير للمركز بأن لكل فعلٍ “دية” وعواقب. وأن البقاء لم يعد للأقوى فقط، بل لمن يمتلك القدرة على المقاومة، ورفع تكلفة السرديات المركزية إلى الحدّ الذي يجعل فرضها ضرباً من الانتحار.