أنس حمدون
حاصرني الفيسبوك خلال الأيام الماضية بمقاطع من مقابلة الدكتور نوار نجمة مع الصديقة ديمة ونوس.
وهنا وجدت نفسي أتوقف قليلاً عند البودكاست نفسه. ما هي المعايير التي تحكم اختيار الضيوف؟ ثم بدا لي أن السؤال ربما لا يتعلق بالاتفاق أو الاختلاف مع الشخصيات المستضافة بقدر ما يتعلق بالظواهر التي تمثلها.
فديمة ونوس، في تقديري، لا تتبنى أطروحات ضيوفها، بل تقدم نماذج تكثّف شيئاً من المجتمع والمرحلة التي نعيشها. أداتها الأساسية ليست المواجهة، بل الإتاحة؛ تضع الضيف في مساحة مريحة من الثقة، ثم تتركه يتحدث بحرية كافية ليظهر النموذج الذي يمثله بكل وضوح.
ولذلك فإن قيمة هذه الحوارات لا تكمن دائماً فيما يقوله الضيف عن العالم، بل في كونها تتيح لنا تأمل ظواهر اجتماعية وثقافية وسياسية حقيقية تتجسد فيه. فمن حسين الشارع إلى دريد لحام وصولاً إلى نوار نجمة، لا نكون أمام أفراد بقدر ما نكون أمام لحظات مجتمعية مكثفة وجدت صوتاً تتكلم من خلاله.
وأثناء متابعتي للمقابلة الأخيرة لديمة ونوس مع الدكتور نوار نجمة، وجدت نفسي أستعيد فجأة جملة من مسرحية “يوم من زماننا” لوالدها، المسرحي الكبير سعد الله ونوس، تقولها شخصية الأستاذ فاروق :
“الموت ولا التعريص مع دولة هذه الأيام.”
ثم تذكرت أن ونوس نفسه لم يبتدع هذه العبارة، بل استعادها من يوميات البديري الحلاق، ذلك الحلاق الدمشقي الذي دوّن تفاصيل الحياة اليومية في دمشق خلال منتصف القرن الثامن عشر.
ويروي البديري حكاية رجل ضاقت به الدنيا بعد ما رآه من فساد الأخلاق وتفشي التعريص وتواطؤ أصحاب النفوذ، فصعد إلى مئذنة أحد الجوامع وصاح بأعلى صوته:
“يا أمة الإسلام، الموت أهون ولا التعريص مع دولة هذه الأيام.”
ثم ألقى بنفسه من أعلى المئذنة.
ما استوقفني أن هذه العبارة كُتبت في دمشق قبل نحو ثلاثة قرون، وهذا يؤكد أن التعريص في سوريا ليس حادثة عابرة ولا انحرافاً فردياً طارئاً، بل ظاهرة اجتماعية وسياسية عابرة للأجيال، نجح التاريخ السوري في إعادة إنتاجها باستمرار.
ولعل شخصية الدكتور نوار نجمة تقدم مادة غنية لدراسة هذه الظاهرة.
لكن، وكما كان يقول الفيلسوف الهارب بشار الأسد: “دعونا بداية نعرّف ما هو التعريص.”
فالتعريص في أصله كان مهنة واضحة المعالم. وظيفة تقوم على الوساطة وتأمين الزبائن وتسهيل الصفقات الخدمية ضمن عالم محدد ومعروف.
لكن يبدو أن المجتمع السوري، والدمشقي على وجه الخصوص، نجح عبر قرون طويلة من الإبداع السياسي والاجتماعي في تطوير هذه المهنة إلى حالة ثقافية متكاملة.
فلم يعد التعريص مجرد مهنة، بل تحول إلى وظيفة اجتماعية وعقلية قائمة بذاتها، تحمل الفكرة الأصلية نفسها: منح العهر واجهة مقبولة، وتقديمه بوصفه صفقة جرت بالتراضي.
وظيفة تقوم على لعب دور الوسيط في أقذر الصفقات السياسية والأخلاقية والثقافية مقابل منفعة شخصية وحصة يقتطعها صاحبها من المسافة الفاصلة بين الفاعل والمفعول به.
الآن دعونا ننتقل إلى دراسة بعض تجليات التعريص كما تتجلى لنا في شخصية الدكتور نوار نجمة.
أولى هذه الطبقات هي التعريص الديني.
فالرجل يحرص بإصرار ملفت على تقديم نفسه كمسيحي منفتح على المشروع الإسلامي الذي تمثله السلطة الحالية، بما يمنحه قدراً من الشرعية الأخلاقية والمجتمعية يتجاوز حدود الرأي الفردي والنقاش السياسي المباشر إلى ما يشبه التمثيل الرمزي لشريحة اجتماعية أوسع.
وهنا لا تكمن أهمية الموقف في مضمونه بقدر ما تكمن في وظيفته.
فالسلطات تحتاج دائماً إلى من يتكفل بمنحها شهادات حسن السيرة من خارج دائرتها الطبيعية، وإلى من يقدمها بوصفها أكثر تسامحاً وانفتاحاً مما هي عليه. وهنا يؤدي “العرصة” وظيفته الأولى والأهم: إنتاج الشرعية ومنح الطمأنينة الأخلاقية لمن يحتاج إليها.
وما يمنح هذا الدور شيئاً من الاستمرارية أن هذه المقابلة تزامنت مع تداول مقاطع قديمة لوالده الدكتور إلياس نجمة وهو يتغزل بعبقرية حافظ الأسد وأخلاقيته العالية، فيما يقف تمثال السيدة العذراء إلى جواره كشاهد صامت، لا حول له ولا قوة.
ومن التعريص الديني ننتقل بصورة طبيعية إلى التعريص السياسي.
فعندما يُكلَّف شخص بإدارة عملية تعيين مجلس شعب، فنحن نكون أمام مفارقة واضحة بحد ذاتها.
وهنا تظهر الوظيفة الأساسية للتعريص: الوساطة.
فالوسيط يعيش في المسافة الفاصلة بين السلطة والمجتمع، ويتولى منح الغطاء الأخلاقي لعملية تفتقر إليه. يحول ما هو مشبوه إلى ما يبدو مشروعاً، وما هو مفروض إلى ما يبدو توافقاً، وما هو انتقاء إلى ما يبدو تمثيلاً.
ولهذا كانت قيمة الوسيط دائماً في قدرته على تبييض أكثر الصفقات السياسية التباساً، وصناعة السردية التي تجعل الانحراف يبدو طبيعياً، والهيمنة مغلفة بالرضا، والقبول المشروط بالمنفعة وكأنه تعبير عن إرادة حرة.
وتبلغ المفارقة، وربما الفجور أيضاً، ذروتهما حين يتحدث عن أنه طُلب منه ممارسة هذا الدور باستقلالية ونزاهة.
أما المستوى الثالث، فهو ما يمكن تسميته بالتعريص الثوري.
هنا لا يكتفي العرصة بخدمة السلطة القائمة، بل يصبح معنياً أيضاً بمكاسبه الشخصية من الدور الذي يؤديه. فالمسألة لم تعد تقتصر على خدمة السلطة، وإنما تشمل الاستثمار في هذه الخدمة وتحويلها إلى رصيد سياسي وشخصي خاص به.
فيُعاد ترتيب الماضي، وتُصاغ سيرة ذاتية جديدة، ويظهر فجأة تاريخ سري من المعارضة المجهولة، ومقالات منشورة بأسماء مستعارة في صحف لم يعد لها وجود، وكتابات لا يعرف أصحاب المنابر أنفسهم شيئاً عن أصحابها.
فجأة يتحول التاريخ إلى مادة مرنة قابلة للتعديل، ويصبح الماضي مشروعاً مفتوحاً لإعادة التأليف، تُسند وقائعه إلى مصادر يستحيل التحقق منها، وتُبنى رواياته على أدلة غائبة بحكم الضرورة.
في هذا المستوى لا يعود التعريص مجرد تبرير للواقع، بل يتحول إلى إعادة كتابة للوقائع ذاتها. وهنا تكمن أهميته بالنسبة للسلطات الجديدة؛ فكل سلطة لا تحتاج فقط إلى من يبرر حاضرها، بل إلى من يعيد صياغة الماضي بما يجعل هذا الحاضر يبدو طبيعياً ومشروعاً ومتصلاً بسردية ثورية متخيلة.
ولعلنا أمام صورة مكثفة لما جرى ويجري منذ وصول السلطة إلى دمشق: إعادة إنتاج للذاكرة، وإعادة توزيع للأدوار، وإعادة منح للشهادات النضالية، بحيث يصبح التاريخ نفسه موضوعاً للتعريص، لا مجرد أداة من أدواته.
وختاماً، ومنعاً لأي التباس، أؤكد أنني لا أكنّ للدكتور نوار نجمة إلا كل المودة والاحترام.
واحتراماً لقانون الجرائم الإلكترونية، أعيد التأكيد أن هذا المنشور يتعامل مع ظاهرة التعريص من زاوية فكرية بحتة، بوصفها ظاهرة اجتماعية وسياسية قابلة للدراسة، ولا يتناول شخص الدكتور نوار نجمة إلا بصفته نموذجاً خطابياً عاماً.
كما أؤكد أن هذا التحليل لا علاقة له، من قريب أو بعيد، بحياته الخاصة.
وإن أي تزامن بين ظاهرة التعريص التي يتناولها هذا المنشور وبين الحوارات الدائرة حالياً حول التاريخ الثوري لشخصيات وطنية مثل موسى العمر أو محمد حمشو، المعروفين بحرصهم الدائم على أداء دورهم الوطني كأشرف الوسطاء في مختلف المراحل، لا يعدو كونه محض صدفة.