منذ أن أعاد النائب والوزير السابق فيصل كرامي تموضعه السياسيّ منذ أعوام طويلة، والحملات عليه لا تتوقّف. بعض الحملات ممّن ساءهم تموضعه لما يشكّله من ثقل سياسيّ وشعبيّ قد لا يبقي لأصحاب هذه الحملات موطئ قدم في الجغرافية السياسيّة الجديدة.
هذا مفهوم في السياسة. لكن أن تكون الحملات موجّهةً إلى الجانب الشخصيّ وتتناول ما ليس في صلب المواقف ومضمونها وحيثيّات اتّخاذها فهذا منتهى السفالة الأخلاقية والسياسية لا أكثر ولا أقلّ.
عراقة سياسيّة
تسعى العائلات السياسيّة العريقة إلى الجمع منذ نشأة تاريخها لتعزيز حضورها حيناً وللتقريب بين متباعدين في أحايين كثيرة، للحفاظ على المجتمع والوطن، ذلك أنّها راسخة في المجتمعات التي تعيش فيها، فهي ابنة الأرض والبيئة وتفقه جيّداً الجغرافية القريبة والبعيدة. لأنّها كذلك، تسعى إلى الحفاظ على تماسك المجتمع ووحدته بمواقفها التي لا تقطع شعرة معاوية مع أحد، ولا تفرّق أو تدعو إلى التباعد، من دون التخلّي عن مبادئها.
على هذا النهج سار آل كرامي على امتداد تاريخهم منذ أيّام الجدّ عبدالحميد كرامي، مروراً بالرئيس الراحل الشهيد رشيد كرامي فالرئيس الراحل عمر كرامي، وصولاً إلى نجل الأخير الوزير السابق والنائب فيصل كرامي.
فقه آل كرامي محيطهم جيّداً وكانوا سبّاقين على امتداد تاريخهم إلى عمقهم العربيّ منذ أيّام الجدّ عبدالحميد كرامي ومؤتمرات الساحل وحضن لبنان العربيّ سوريا، إلى أيّامنا هذه التي تشكّل فيها المملكة العربيّة السعوديّة الحصن الأوّل والأخير للبنان والدول العربيّة من أقصى المغرب العربيّ إلى أقصى المشرق العربيّ على الحدود العراقيّة الإيرانيّة، وصولاً إلى العمق الإسلاميّ في ماليزيا وباكستان حتّى الصين، وفلسطين البوصلة دائماً.
من القاهرة إلى الرّياض
لا أحد يزايد في لبنان على عروبة آل كرامي، وهي عروبة تعرف جيّداً الحدّ الفاصل بين لبنان الوطن والأمّة العربيّة، فلا تكسر حدوداً ولا تبني أسواراً أو تقطع طرقاً. كان عبدالحميد كرامي جسراً عبر عليه اللبنانيّون المنادون بإلحاق الكيان اللبنانيّ الوليد بسوريا، ويعبر عليه المتقوقعون داخل حدود لا تحمي، ونافذةً على ما يجري خارج “لبنان الكبير”.
على نهجه سار الرئيس الراحل رشيد كرامي، فكان صمام أمان للدولة اللبنانيّة منذ الشهابيّة، و”خطّ الرجعة” للذاهبين بعيداً عبر البحار والأفكار. كان صلة وصل بين “الناصريّة” و”اللبنانيّة” يعرف حدود الاثنتين ويشقّ طريقاً للدولة التي كان أحد أعمدة قيامها، وجناحاً يصفّق بجانب جناح ليحلّق لبنان. أيّد القضايا العربيّة والمدّ القوميّ والكفاح المسلّح الفلسطينيّ من دون أن يذهب بعيداً، وظلّ هكذا، ولهذا اغتيل.
أمّا الرئيس الراحل عمر كرامي، فعلى نهج شقيقه سار، ولم يذهب يوماً بعيداً. يكفي أنه قدّم استقالته فوراً بُعيد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ضارباً عرض الحائط بالوضع القائم آنذاك، وما كان يريده حلفاؤه من لبنان إلى سوريا. أبناء العائلات العريقة يعرفون جيّداً معنى الدم والإلغاء والاغتيال، ولا يساومون على ذلك.
الثّابت الوحيد
الممانعة المتوهمة تأخذ على النائب فيصل كرامي التزامه بعروبة أسلافه من العائلة.
تُسجَّل نقطةٌ في هذا لكرامي لا عليه. الثابتون على نهج أظهرت الأحداث منذ السابع من أكتوبر حتّى لحظتنا هذه أنّه انتحار سياسيّ لا أكثر ولا أقلّ، حريّ بهم قراءة المشهد الحاليّ، تماماً كما فعل كرامي منذ سنوات.
لو قامت الممانعة بما قام به، لكنّا على الأقلّ تجنّبنا هذا الموت وهذا الدمار وخسارة جزء عزيز من الجنوب اللبنانيّ. لو قرؤوا المتغيّرات، لاحتفلنا بـ”عيد المقاومة والتحرير” كعيد حقيقيّ لا كذكرى. ولو اصطفّوا خلف المملكة العربيّة السعوديّة، لكان الموقف اللبنانيّ الموحّد كفيلاً بضرب عرض الحائط بمخطّطات إسرائيل التوسّعيّة وعدوانها وذهبت مكائدها أدراج الرياح.
تستوجب كلّ معادلة جديدة في السياسة مقاربةً سياسيّةً جديدة. من يعاند التاريخ يخسر الجغرافية، وهذا ما حصل تماماً مع “الحزب” وحلفائه، من غزّة إلى طهران.
الثابت الوحيد في السياسة هو الوطن، وما عداه متغيّر يستوجب مقاربةً جديدةً مع كلّ إشراقة شمس. والدليل فيصل كرامي الذي لا يزال سنّيّاً يمثّل الشيعة ونقطة التقاء بين السنّة والشيعة في زمن الفتن، ولبنانيّاً عريقاً لا يزايد أحد عليه في لبنانيّته في زمن التجزئة والتقسيم، وعربيّاً صميماً يعرف سوريا جيّداً ويعرف مصر ويحفظ عن ظهر قلب أنّ المملكة العربيّة السعوديّة مهبط الوحي وموطن الحكمة والملاذ الأوّل والأخير لكلّ لبنانيّ وعربيّ.