أن يعلن رئيس البرلمان الإيرانيّ وكبير المفاوضين محمّد باقر قاليباف من العاصمة العراقيّة بغداد، أنّ المقاومة العراقيّة باتت قوّة دوليّة يحسب العالم حسابها، ليس تصريحاً عابراً ولا زلّة لسان، بل رسالة تسترجع ما يمكن أن يكون قد مضى من سياسة إيرانيّة تستند إلى الأذرع لتحقيق أهدافها. أراد قاليباف أن يحادث دونالد ترامب مباشرة وهذه المرّة من بغداد.
تكتسب زيارة قاليباف للعراق أهميّة خاصّة لجهة توقيتها وأجندة المباحثات في القضايا التي تشكّل مصدر قلق لإيران في هذه المرحلة الدقيقة. وجاءت استكمالاً لزيارات لا تقلّ أهميّة عنها، قام بها حاكم البنك المركزيّ الإيرانيّ عبدالناصر همتي، وما نتج عنها من تفاهمات وإصدار مذكّرات تنفيذيّة من قبل رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ تسمح باستخدام الأموال الإيرانيّة المجمّدة في البنوك العراقيّة كضمانات ضريبيّة للمقاولين الإيرانيّين العاملين في العراق.
يسمح هذا الخرق، إن حصل، لإيران بالالتفاف على العقوبات الأميركيّة الماليّة، وسيكشف مدى التزام العراق قرار العقوبات الماليّة وامتناعه عن تحرير الأموال الإيرانيّة التي تتجاوز أحد عشر ملياراً، وموزّعة بين ديون للقطاعين العامّ والخاصّ في إيران، منها نحو 5 مليارات عائدات بيع الغاز والكهرباء.
اذ أعلن محافظ البنك المركزيّ الإيرانيّ في 20 آب أنّ بغداد تبحث تسهيل نقل واستخدام الأموال الإيرانيّة ووافقت على إصدار ضمانات للمقاولين الإيرانيّين، بما يتيح استخدام الأموال الموجودة في العراق بصورة غير مباشرة، من دون أن يعني ذلك تحريرها نقداً أو تحويلها إلى إيران.
زيارة قاآني
الزيارة الإيرانيّة الأخطر والأكثر دلالة على عمق الأزمة التي تمرّ بها العلاقات الإيرانيّة مع الحكومة العراقيّة، هي زيارة قائد قوّة القدس الجنرال إسماعيل قاآني، التي تمحورت حول بحث كيفيّة مواجهة قرار الحكومة حصر السلاح وتفكيك الميليشيات المسلّحة بعد تاريخ الثلاثين من أيلول المقبل، الذي يتزامن مع إنهاء الوجود العسكريّ القتاليّ للقوّات الأميركيّة والتحالف الدوليّ الذي تشكّل عام 2014 لمحاربة الإرهاب.
حاول قاآني، الذي التقى قيادات الفصائل وبعض قوى “الإطار التنسيقيّ” بعيداً عن الإعلام، إعادة رسم معادلة الدور الإيرانيّ على الساحة العراقيّة، من خلال دفع الفصائل المتحالفة معه والموالية له إلى رفض قرار تسليم السلاح وربطه بسلسلة شروط معقّدة قد تصل إلى المستوى التعجيزيّ، خاصّة ما يتعلّق بنزع سلاح قوّات البيشمركة الكرديّة غير الخاضعة لسلطة الحكومة الاتّحاديّة، علاوة على تفكيك القواعد العسكريّة التركيّة داخل الأراضي العراقيّة، كما جاء في بيان موقف أصدرته حركة النجباء ردّاً على إصرار الزيدي تنفيذ قرار الحصريّة بعد نهاية أيلول.
تأتي زيارة قاليباف بالتزامن مع تصعيد إيرانيّ واضح باتّجاه إقليم كردستان استهدف مقرّ رئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني، نجل زعيم الحزب الديمقراطيّ مسعود بارزاني. وعلى الرغم من نفي إيران أيّ تورط بالوقوف وراء هذا الاعتداء، إلّا أنّ توقيته يحمل رسالة إيرانيّة واضحة بأنّ إيران لن تتساهل في عدم تطبيق الاتفاقيّة الأمنيّة التي سبق أن وقّعتها مع العراق في آذار 2023، وأنّ الاستمرار في تحويل الإقليم إلى قاعدة لانطلاق الأعمال العدائيّة للأحزاب الكرديّة الإيرانيّة المعارضة يقطع الطريق على لعب دور الوسيط بين الإدارة الأميركيّة وقيادة حرس الثورة.
بالتالي قد يدفع بقاء التهديد الأمنيّ للداخل الإيرانيّ طهران إلى خطوات تصعيديّة أكبر والذهاب إلى مغامرة الدخول البرّيّ إلى الإقليم.
توازياً يبدو أنّ الجانب الإيرانيّ التقط الإشارات الحقيقيّة لمصادر القرار في التركيبة الحاليّة في هذه المرحلة. من هنا تأتي أهمّيّة اللقاء بين قاليباف ورئيس السلطة القضائيّة فائق زيدان، الذي يُعتبر عرّاب الحكومة الجديدة وصاحب القرار العمليّ والفعليّ في القرارات السياسيّة والأمنيّة ومعركة محاربة الفساد وحصرية السلاح، وخاصّة أنّ زيدان استطاع تهميش دور “الإطار التنسيقيّ” الشيعيّ وتحالف إدارة الدولة إلى حدّ كبير لمصلحة تعزيز استقلاليّة رئيس الوزراء، بعيداً عن التفاهمات التي جاءت به.
قاليباف ينحني أمام صورتَي سليماني والمهندس
حمل قاليباف رسالة واضحة للقيادة العراقيّة بأنّ الاندفاعة الكبيرة لرئيس الوزراء لا بدّ أن تأخذ في الاعتبار التوازنات الإقليميّة، وأنّ الاعتماد على الدعم الأميركيّ على حساب مصالح إيران لن يكون محلّ ترحيب من طهران والفصائل الموالية لها، وأنّ الزيدي ذهب في تغليب المصالح الأميركيّة بعيداً، خاصّة عندما تهرّب من الردّ على استعراض ترامب اغتياله لكلّ من قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس عام 2020. ولهذا عمد قاليباف، خلال استقباله الزيدي، إلى تضمين بروتوكول اللقاء أداء تحيّة احترام وانحناء أمام صورتَي سليماني والمهندس.
البعد الآخر من الرسالة الإيرانية يتضمن توجيه نصيحة للزيدي بضرورة عدم التعجل في الوصول إلى النهايات قبل أن تتمكن إيران من التوصل إلى صياغة تفاهماتها مع واشنطن حول جميع المسائل، من خلال إنهاء الحرب على جميع الجبهات، والاعتراف العملي بدور وموقع حلفاء إيران في العملية السياسية لبلدانهم.
تكتسب الساحة العراقية أهمية خاصة داخل منظومة المصالح الإيرانية وصراعها مع الولايات المتحدة، باعتبارها عمقاً استراتيجياً وحيوياً وحياتياً لطهران في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تمارسها واشنطن. ولهذا فإنّ تغيير المعادلات السياسية والعسكرية والأمنية في العراق يعني تهديداً واضحاً ومباشراً للأمن الإيراني ومصالحه في الإقليم، وأن إصرار حكومة الزيدي على استهداف الفصائل الموالية يكشف ظهر طهران ويقدم خدمة مجانية لواشنطن.
طهران قلقة
طهران، التي تدرك بأنّ أوضاع منطقة الشرق الأوسط تمرّ بمرحلة غير مسبوقة من التعقيدات والتداخلات، وأن لا مصلحة لأيّ من الأطراف الإقليميّة اتّخاذ خطوات قد تقلب المعادلات، وأنّ الحكومة العراقيّة التي تسعى إلى تقديم خدمة مجانيّة لإدارة الرئيس ترامب في موضوع الفصائل والسلاح، لم تقُم في المقابل بأيّ خطوة تساعد طهران على التقليل من مخاوفها الأمنيّة والاستراتيجيّة على الساحة العراقيّة، خاصّة ما يتعلّق بالأنشطة التي تقوم بها الأحزاب الكرديّة المعارضة انطلاقاً من إقليم كردستان.
وبالتالي، تتجاوز الزيارة التي قام بها مستشار الأمن القوميّ للحكومة العراقيّة قاسم العبودي لإربيل في أهدافها التضامن مع الإقليم بعد الاعتداء على مقرّ مسرور بارزاني، لتكون امتحاناً عمليّاً للزيدي وسلطته في تطبيق الاتّفاقات الأمنيّة الموقّعة مع إيران. خاصة ما يتعلق بالوضع في الإقليم الكردي وتأثيره على الاستقرار الداخلي الإيراني.
