هجمات “أنصار الله” الحوثيّين على مطار الملك خالد الدوليّ في الرياض والمطارات السعوديّة الأخرى ليست مجرّد تصعيد على هامش الحرب اليمنيّة، بل مؤشّر إلى تحوّل خطير في طبيعة المواجهة وأهدافها. فاستهداف منشآت مدنيّة حيويّة، وتعريض المسافرين للخطر، وتوسيع دائرة التهديد لتشمل حركة الطيران نفسها، يكشف محاولة لفرض معادلة جديدة تنقل كلفة الحرب إلى العمق السعوديّ.
تزداد خطورة هذا التصعيد لتزامنه مع التطوّرات الميدانيّة في اليمن، ولا سيما على الساحل الغربيّ وبالقرب من مضيق باب المندب. كما أنّ تجديد الحوثيّين تحذيراتهم لشركات الطيران والمسافرين من استخدام المطارات والأجواء السعوديّة ينذر بتوسيع التهديد من استهداف منشآت محدّدة إلى الضغط على حركة الطيران المدنيّ برمّتها.
تكمن الدلالة الاستراتيجيّة لهذه الهجمات في أنّ الضغط الحوثيّ لم يعد محصوراً في التأثير على مسار العمليّات العسكريّة داخل اليمن، بل بات يستهدف أمن المملكة في محاولة لخلق توازن بالتهديد، لا بتكافؤ القوّة. فالمطارات الدوليّة ليست مجرّد مرافق للنقل، بل عقد حيويّة تتقاطع فيها حركة المسافرين والتجارة والسياحة والاستثمار والاتّصال بالعالم.
من هنا، لا يُقاس أثر الهجمات بحجم الأضرار المباشرة وحده، بل بقدرتها على إرباك حركة الطيران، وفرض إجراءات أمنيّة استثنائيّة، وزعزعة ثقة شركات الطيران والأسواق باستقرار البيئة الأمنيّة. وحتّى عندما تنجح الدفاعات في اعتراض الهجمات، فإنّ استمرار التهديد قد يؤدّي إلى تعليق الرحلات أو تغيير مساراتها، ويحوّل حماية المنشآت الحيويّة إلى اختبار أمنيّ واقتصاديّ متواصل.
لا يعني ذلك أنّ الحوثيّين قادرون على تعطيل منظومة الطيران السعوديّة بصورة مستدامة، لكنّ تكرار الهجمات يكشف سعيهم إلى استنزاف القدرات الدفاعيّة وإبقاء المنشآت الحيويّة تحت التهديد. كما أنّ استهداف المطارات المدنيّة وتعريض حياة المسافرين للخطر يثيران أسئلة جدّيّة في شأن احترام القانون الدوليّ الإنسانيّ وحماية المنشآت المدنيّة من تداعيات الصراعات العسكريّة.
الضّغط الاقتصاديّ ومعادلة الرّدع
يمكن قراءة التصعيد باعتباره محاولة لفرض كلفة متعدّدة الأبعاد على الرياض، تتجاوز الجانب العسكريّ إلى المساس بصورة السعوديّة بوصفها مركزاً إقليميّاً للأعمال والنقل والاستثمار. كما يمكن أن يشكّل استهداف العمق السعوديّ ردّاً على الضغوط والعمليّات العسكريّة التي يتعرّض لها الحوثيّون، ورسالة مفادها أنّ توسيع المواجهة ضدّهم سيقابله توسيع دائرة التهديد للأراضي السعوديّة.
تكمن الخطورة في أن تتحوّل هذه المعادلة إلى قاعدة اشتباك دائمة، يصبح بموجبها أمن المطارات والمنشآت المدنيّة رهينة لكلّ تصعيد على الجبهة اليمنيّة. فترسيخ هذا النمط من المواجهة لن يهدّد السعودية وحدها، بل يفتح الباب أمام انتقال الصراع إلى مرافق حيويّة أخرى في الخليج، ويزيد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليميّة أوسع.
لكنّ هذه الاستراتيجية ليست مضمونة النتائج. بل بالعكس استهداف المنشآت المدنيّة سيؤدي إلى تعزيز التضامن العربيّ والدوليّ مع السعوديّة، وتوسيع التعاون الأمنيّ معها، وتقليص هامش الحركة المتاح للحوثيّين. فالمسألة لم تعد شأناً سعوديّاً داخليّاً، بل باتت تمسّ سلامة الطيران المدنيّ واستقرار المنطقة. “هي هجمة شاملة ومن ثم هي لحظة قرار، لا لحظة انتظار. وليكن الاعتداء على الرياض بل والخليج كله نقطة انطلاق لتحرك عربي جاد يعيد الاعتبار للعرب ويطلق قدراتهم”، على حد تعبير عمرو موسى.
باب المندب والبحر الأحمر: جبهة واحدة
لا يمكن فصل استهداف المطارات السعوديّة عن الصراع الأوسع على الساحل الغربيّ لليمن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر. فهذه المنطقة تمثّل ممرّاً حيويّاً للتجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، وترتبط مباشرة بأمن قناة السويس والمصالح الاقتصاديّة والاستراتيجيّة للدول العربية.
إنّ تزامن الضغط على العمق السعوديّ مع تصاعد المواجهة قرب باب المندب يكشف ترابط الجبهات، وإن لم يكن دليلاً بحدّ ذاته على وجود خطّة متكاملة للسيطرة على البحر الأحمر. فالجغرافيا اليمنيّة تتيح للحوثيّين التأثير في أكثر من مسار، من أمن السعوديّة إلى حركة الملاحة البحريّة، بما يمنح الصراع المحلّيّ أبعاداً إقليميّة ودوليّة.
هنا تكمن خطورة التعامل مع هذه التطوّرات باعتبارها أزمات منفصلة. فاستهداف المطارات والتهديدات البحريّة والصراع على الساحل الغربيّ تتّصل جميعها بسؤال أوسع: من يمتلك القدرة على تهديد الممرّات الحيويّة واستخدام الموقع الجغرافيّ لفرض حساباته على القوى الإقليميّة والدوليّة؟
الرّدّ السّعوديّ واختبار الشّراكات الدّفاعيّة
تواجه الرياض معادلة دقيقة: لا يمكنها القبول بتحويل مطاراتها ومنشآتها المدنيّة إلى أهداف متكرّرة، لكنّ الردّ الذي يتجاوز حماية المملكة وردع الهجمات قد يفتح الباب أمام حرب أوسع يصعب احتواء تداعياتها.
لذلك لا ينبغي قياس فاعليّة الردّ السعوديّ بحجم الضربات وحده، بل بقدرته على خفض التهديد بصورة مستدامة، وحماية المدنيّين، ومنع الحوثيّين من تحقيق مكاسب سياسيّة أو عسكريّة عبر استهداف البنية التحتيّة المدنيّة. فالردع الحقيقيّ هو منع تكرار الهجمات، لا مجرّد الردّ عليها.
في هذا السياق، تكتسب الشراكات الدفاعيّة السعوديّة مع دول مثل باكستان وتركيا أهميّة إضافيّة، من خلال تعزيز التعاون التقنيّ، وتبادل المعلومات، وتطوير قدرات حماية المجال الجوّيّ والمنشآت الحيويّة. لكنّ ذلك لا يعني حاجة السعوديّة إلى تدخّل عسكريّ خارجيّ مباشر، فالأولويّة هي رفع كفاية الدفاع والردع، بالتوازي مع تحرّك سياسيّ يمنع توسّع المواجهة. وقد أصدرت الدول الثلاث إضافة إلى مصر بياناً أكدت فيه دعم جميع التدابير والخطوات المشروعة والتي تتخذها السعودية لمواجهة الهجمات وردع مصادر التهديد ومنع تكرارها.
منع تحوّل التّهديد إلى معادلة دائمة
تكشف الهجمات على مطار الملك خالد والمطارات السعوديّة الأخرى أنّ الحرب اليمنيّة تدخل مرحلة أكثر خطورة، ليس بسبب حجم الأضرار وحده، بل بسبب طبيعة الأهداف والرسائل التي تحملها. فالخطر الاستراتيجيّ يتمثّل في محاولة تحويل التهديد المتكرّر للبنية التحتيّة المدنيّة إلى أداة لفرض قواعد اشتباك جديدة، وربط أمن المدن والاقتصادات وحركة النقل بمسار الحرب.
مواجهة هذا التحدّي لا تستدعي توسيع الحرب بلا حدود، بل تتطلّب الجمع بين حماية المنشآت المدنيّة، وتعزيز الردع الدفاعيّ، وتنسيق المواقف العربيّة، والعمل على منع تحوّل اليمن إلى منصّة دائمة لتهديد الأمن الإقليميّ.
الاختبار الحقيقيّ أمام الرياض ليس قدرتها على الردّ على الهجمات فحسب، بل قدرتها على منع تحوّلها إلى نمط مستدام من الضغط، فحين تتقاطع المطارات السعوديّة مع باب المندب والبحر الأحمر، تتجاوز الحرب حدود اليمن لتصير جزءاً من معركة أوسع على أمن الممرّات الحيويّة وتوازنات القوّة في الشرق الأوسط.
