تضع زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجيّة القطريّ الشيخ محمّد بن عبد الرحمن آل ثاني لبيروت خطوطاً عريضة لمرحلة جديدة من التعاون العربيّ – اللبنانيّ. في وقت تتزاحم الأزمات الإقليميّة وتزداد حدّة الضغوط على مؤسّسات الدولة، تأتي هذه الحركة الدبلوماسيّة لتشكّل محطّة استراتيجيّة تعيد ترتيب أولويّات الدعم الخليجيّ، دعم لا يتوقّف عند حدّ المسكّنات الإغاثيّة، بل يمتدّ إلى تشخيص معضلات البنية التحتيّة وانتشال المؤسّسات من خطر الانهيار، وفي مقدَّمها قطاع الطاقة والكهرباء الذي أصاب بالشلل مختلف مناحي الحياة اليوميّة والاقتصاديّة في لبنان.
التّنسيق القطريّ – السعوديّ: مظلّة متكاملة
تكتسب الاندفاعة القطريّة أهميّة استراتيجيّة مضاعفة كونها تتحرّك في مناخ من التنسيق الوثيق والمستمرّ مع المملكة العربيّة السعوديّة، إذ لم تكن اللقاءات التي شهدتها بيروت مع الرؤساء الثلاثة معزولة عن التوافُق الإقليميّ الممتدّ بين الدوحة والرياض لدعم الاستقرار السياسيّ والمؤسّساتيّ في البلاد.
يمنح وجود هذا التنسيق الخليجيّ الصريح المبادرة القطريّة غطاءً متيناً وثابتاً. إذ يؤكّد للداخل والخارج أنّ عواصم خليجيّة تقف خلف خيار تمكين الدولة اللبنانيّة، وتوفير شبكة أمان اقتصاديّة وسياسيّة تحمي مؤسّساتها الرسميّة. كما يعكس هذا التناغم رؤية عربيّة موحّدة تعتبر أنّ معالجة الأزمات المعيشيّة الملحّة، وفي مقدَّمها أزمة الطاقة، تشكّل مدخلاً أساسيّاً لحفظ أمن واستقرار منطقة شرق المتوسّط.
قطاع الطّاقة: معالجة الجذر بدلاً من الأعراض
يحمل الشقّ الاقتصاديّ من الزيارة دلالات جوهريّة تمثّلت في العرض القطريّ المباشر لتقديم حلول متكاملة ومستدامة لأزمة الكهرباء. فالدوحة لا تطرح مجرّد مساعدات عينيّة أو شحنات فيول عابرة، بل تتبنّى حزمة مشاريع استثماريّة وهيكليّة تشمل تطوير محطّات الإنتاج والدخول في مشاريع الطاقة الشمسيّة البديلة بكلفة أقلّ وتغذية أعلى.
تُدرك الدوحة أنّ عتمة بيروت والمناطق اللبنانيّة تُنهك خزانة الدولة وتعطّل القطاعات الإنتاجيّة. وبالتالي، فإنّ الاستثمار في إنعاش هذا القطاع الحيويّ يُعدّ حجر الزاوية في أيّ خطّة تعافٍ اقتصاديّ مرتقبة، إذ يقلّل من العجز الحكوميّ، ويشجّع عودة الاستثمارات، ويوفّر بيئة مشجّعة للنشاط التجاريّ والصناعيّ.
في هذا الإطار تكشف مصادر “أساس” أنّ الشيخ محمّد بن عبد الرحمن حمل خطّة متكاملة لحلّ أزمة الكهرباء في لبنان بتوجيه من أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وتتضمّن الخطّة الآتي:
– استعمال الطاقة البديلة لتوليد الكهرباء.
– الربط الكهربائيّ بين لبنان وسوريا، خصوصاً أنّ الدوحة كانت قد استثمرت في قطاع الكهرباء في سوريا ونقلته من صفر تغذية إلى 24 ساعة في أقلّ من سنة ونصف.
– تطوير وإنشاء معامل إنتاج تعمل بالغاز الطبيعيّ وربطها بأنبوب الغاز القطريّ الذي يمرّ في الأراضي السوريّة.
كما كان الجانب القطريّ قد أوفد فريقاً تقنيّاً اجتمع لأيّام مع وزير الطاقة جو صدّي وفريقه التقنيّ واتّفق الجانبان على بدء العمل فوراً بمجرّد توقيع اتّفاق خطّة الكهرباء.
دعم الجيش والقرارات الدّوليّة: صمام الأمان
إلى جانب الملفّ الاقتصاديّ، احتلّ الملفّ الأمنيّ والعسكريّ موقعاً محوريّاً في المباحثات القطريّة. فقد شملت المحادثات تأكيداً قطريّاً حازماً على مواصلة الدعم الماليّ واللوجستيّ المباشر للجيش اللبنانيّ والمؤسّسات الأمنيّة الرسميّة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأنّ المؤسّسة العسكريّة هي الحصن الأخير الذي يحمي السلم الأهليّ وسيادة البلاد.
كما شدّدت الدبلوماسيّة القطريّة على ضرورة انسحاب القوّات الإسرائيليّة من الأراضي المحتلّة في الجنوب، والتأكيد على التطبيق الكامل للقرارات الدوليّة ذات الصلة. وتأتي هذه المواقف في ظلّ حراك دبلوماسيّ مكثّف لتثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبيّة ومساندة جهود الدولة اللبنانيّة في حماية أراضيها وإعادة إعمار المناطق المتضرّرة.
كما تؤكّد مصادر “أساس” أنّ الدوحة تنسّق مع الرياض الخطوات المتعلّقة بالعمل على التوصّل لحلّ وسط لمسألة “اليونيفيل” لتجنّب الفراغ الأمميّ في الجنوب. وذلك في الوقت الذي تعمل الدبلوماسيّة السعوديّة في واشنطن على معالجة مسألة “اليونيفيل”.
كذلك فإنّ الدبلوماسيّة القطريّة تعمل بهدوء على إعادة تفعيل مشروع المناطق التجريبيّة في جنوب لبنان، تحديداً داخل الخطّ الأصفر، وحمل مقترحات تتعلّق بآليّة التحقّق. وهذا ما بحثه الشيخ محمّد بن عبد الرحمن مع الرئيس نبيه برّي وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، وذلك عشيّة توجّه الوفد العسكريّ اللبنانيّ إلى جلسة المفاوضات المتوقّعة في تامبا.
خريطة طريق نحو المستقبل
تفتح زيارة رئيس الوزراء القطريّ والتوافق الخليجيّ الذي يحيط بها باباً واسعاً أمام مرحلة جديدة من التعاون العربيّ – اللبنانيّ المبنيّ على المأسسة. وتؤكّد هذه الخطوات أنّ العرب حاضرون لتقديم الدعم الحقيقيّ الذي يلمسه المواطن في حياته اليوميّة متى ما توافرت الإرادة لدى الجانب اللبنانيّ.
يبقى الرهان على قدرة القوى السياسيّة والمؤسّسات الرسميّة في بيروت على التقاط هذه المبادرة الاستراتيجيّة، واستغلال الفرصة المتاحة لتنفيذ الإصلاحات الإداريّة والماليّة المطلوبة، حتّى تبدأ عتمة السنين الخوالي بالانقشاع.
