طالب عبد العزيز… جريدة المدى
أقبح حديث في العراق هو حديث الدين والسياسة، وأسوأ المتحدثين فيه هم الذين نجدهم كل ليلة على شاشة التلفزيون، ولأنه حديث خرب، وبلا معنى، بسبب الأداء السياسي-الديني العراقي، الأسوأ طراً؛ منذ عقود طويلة؛ فقد طاب للعراقيين أن يستهلون به حديثهم في كل مجلس لهم، فهو حديث المتدينين في المسجد والحسينية، مثلما هو حديث العلمانيين، السهرانين في مجالس الخمرة، بالشقق المقفلة، وحديث المتقاعدين الجالسين في المقهى، والجوعانين في المطعم، والراكبين في الباص، والمسافرين الفارين، بجلدهم من هذا الخراب، والمقيمين المقعدين في البيت، من الرجال والنساء، ولا شك سيكون الحديث المتقدم في الجواخير، وسوق الماشية، وسوق الخضار، وحديث الميكانيكيين والزبالين… وفي كل مكان يشترك فيه عراقيان اثنان، لا لشيء إلا لأنهم جميعاً يعانون ذات المعاناة، ويحترقون كل يوم بذات النار، يائسين من التغيير، متوقعين ما هو أسوأ دائماً، مستهدين بالآية:” كلما دخلت امة لعنت أختها.”
في الفيسبوك، حيث نشترك مع بعض الأصدقاء، الذين نستحسن أن يكونوا من مشارب وأهواء مختلفة، بقصد التنويع وزيادة المعرفة، نجد أن كثيرا ما يشترط مديرو الكروبات عدم الرغبة في الخوض بحديث السياسة والدين والطوائف والمذاهب، وهو رجاء يتكرر دائماً، بل ويمنع البعض الخوض في أخبار الحرب بين أمريكا وايران وقضية مضيق هرمز والخليج والمسيرات والهاونات.. لأنها ستجر الى الحديث في الحشد والفصائل والولائيين والصدريين و الشيعة والسنة والحلبوسي والسوداني والزيدي وبارزاني ووو وبذلك يصبح الكروب كهفاً لا يطاق، إذ لكل عراقي رأيّ، يختلف فيه عن الاخر، وكل مساس بشخصية ما يفسر على أنه إساءة لطائفة أو لعرق ولوجهة نظر في السياسة. هل نقول بأننا لم نتعلم بعد كيفية التفاهم عبر الانتماءات؟ ربما. ولكن في الحقيقة نحن لا نريد أن نفهم، إذْ، كلنا يحمل السؤال وجوابه.
معلوم لدينا جميعاً كعراقيين أنَّ السياسي مثل المتحدث بالدين كلاهما يجد ضالته في العراقي الخائب، هذا يوعده برواتب ومستقبل باهر وحياة ما بعدها من حياة، وذاك يوعده بجنة عرضها السماوات والأرض، لكنهما لا يمتلكان التفويض في التحقيق، فالسياسي يكذب، ويعد بما لن يحققه، والمتحدث بالدين يعد بما لا يملك، ولا يستطيع تحقيقه ايضاً، وبين هذا وذاك ينشغل العراقي طوال اليوم، غير باحث عن بديل عنهما، فيما الواقع يقول بأنَّ الحياة ستكون أجمل خارج إرادتين كاذبتين، ولو أنه(العراقي) نفض يديه عن هذين الشخصيتين لعثر على ما هو أهم وافضل لتحقيق ما يريد ويصبو اليه، أو في القليل سيريح جسده من الجري واللهاث خلف وهمين لا سبيل الى التصديق بهما.
مؤسف أن لا يراجع العراقي نفسه مرةً في الشهر أو في السنة، ومؤسف أنه لا يسمع من ناصح كلمة. الى متى سيظل معتقداً بأنَّ الوعد بالوظيفة هو سبيله الأمثل لتحقيق حلمه في العيش الكريم؟ والى متى سيظل يعتقد بأن المتحدث في الدين سيضمن الجنة والخلود فيها له؟ ألا ينظر الى تجارب الدول، التي اغتنى مواطنوها بسياسة صادقة، من سياسيين صادقين، أثبتوا صدقهم بافعالهم، لا بأقوالهم، وألا ينظر الى دول قامت قيامتها خارج أقوال وأحاديث ووعود الجنة والنار، أو هي دول لم تعتمد الأديان في سياستها؟ فيا جماعة الخير أتركوا السياسيين والمتحدثين بالدين خارج اهتمامكم ففي ذلك راحة لابدانكم وانفسكم.