طالب عبد العزيز… جريدة المدى
تعمل الكثير من الدول على مراجعة تأثير وسائط التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية على المجتمع والأطفال بخاصة، وهناك مراجعات جادة في طبيعة التعليم عبر الأجهزة الالكترونية وما ينتج من أفلام والعاب وبرامج التي اتضح مؤخراً أثرها في السلوك العام والطبيعة البشرية، وهناك من الدول مَن راحت تعمل جادة على إيجاد الوسائل البديلة، والتفكير بالعودة الى ما كان عليه التعليم بالوسائل التقليدية مع المواءمة الممكنة في ما ينتج من وسائل حديثة.
في نظرة سريعة لما نحياه نجد أننا مجتمع هش، وغير محصَّن، ينجذب لليمين واليسار بدوافع عاطفية، منزوعة من رادع العلم، وتعمل خارج مقاييس الصواب، إذْ لم تستطع المؤسسات التعليمية حماية الأجيال الجديدة، فهي في تراجع مستمر، وما المعدلات العالية التي يحصل عليها الكثير من الطلاب بحقيقة علمية أو فاعلة في التغيير، هي كذبة كبيرة، وهناك وهم أكبر، فالتعليم انتج لنا طبقة من الحفّاظ، غير التطبيقيين، لذا فالحاجة الى إعادة النظر في المناهج واجبة اليوم، هذا من جانب ومن جانب آخر تثبت التجارب بأنَّ المؤسسة الدينية لن تكون البديل العملي في صناعة أجيال متعلمة، وضامنة ومحافظة على السلوك القويم، وما النصائح والارشادات الدينية والاجتماعية كفيلة بردع السلوك الشائن عند كثيرين من الشباب.
طوال ربع قرن كانت السياسة العراقية قد احتمت بمظلة الدين والمؤسسات الدينية، في إيهام واضح مشفَّع بأعتقاد شعبي بأنها ستكون الاصلح، لكنها انتجت طبقات سياسية فاسدة، نهبت المال العام، واسست نمطاً استحواذياً غريباً، تحت مسميات مثل الصدقات والمشاريع الخيرية ومجهول المالك، وحق الامام، ورعاية الايتام والارامل والعشرات من الطرق التي تكشف زيفها أخيراً. إذن نحن إزاء شعب بحاجة إلى مراجعة علمية ووطنية جرئية عبر استحداث آليات جديدة في إعادة صوغه بما ينسجم مع واقعنا الاجتماعي- العربي- الإسلامي- الإنساني، غير مخدوعين بوسائلنا، وبما تنتجه مؤسساتنا التعليمية الحكومية والأهلية، ولا بمؤسساتنا الدينية الوعظية والارشادية فقد أثبتت فشلها وإلا سيأتي اليوم الذي نندم فيه على ما فرطنا فيه، وما إلنا اليه.
في خطفة سريعة لأيِّ مفصل من مفاصل حياتنا يتضح لنا حجم الخراب الذي نحن فيه. كان الاعتقاد بأنَّ المواطن البسيط إذا ما مُنحت له المدن النظيفة والوظيفة المجزية والخدمات الأخرى سيكون مواطناً صالحاً، إلّا أنَّ الآلاف ممن منحوا الحقوق تلك ذهبوا الى أغراضهم الدنيئة، ومارسوا عدوانيتهم على محيطهم الاجتماعي، مع أنَّ الكثير منهم تلقوا تعليماً ممتازاً وجلسوا الساعات الطوال في المساجد والحسينيات ومواكب العزاء، وحجوا البيت الحرام وأقاموا المجالس الشعبية والدينية لكنَّ العوق الفكري ظل مهيمناً على تفكيرهم ومشاريعهم. نحن نعتقد بأن ضعف الأداء التنفيذي وراء ذلك، كذلك يكون سوء ما يتلقاه الفرد من التعليم عاملاً رئيسياً في الانحراف فضلاً عن الثقافة السائدة التي بنيت على قدرة الله وعفوه عما يقوم الفرد به من جرم فالاعتقاد واليقين بأنَّ الاستغفار وحج البيت وبناء المساجد وحضور المجالس الحسينية والصدقات ووو إنما تكون مجزيةً وجابّةً لكل إثم وعدوان وسرقات وقتل وفساد وو.
إذا كانت المجتمعات في الدول العليا تعمل على درء خطر مخرجات (الحضارة) وميكانيزم الألعاب الالكترونية ووسائط التواصل والحركات الاجتماعية المنحرفة مثل مجتمع الميم والإدمان على المخدرات والأفلام الإباحية وسواها وهو تحد لا شك كبير، لكنهم جادون في إيجاد الحلول له فأننا بحاجة الى مقارعة على أكثر من جبهة، فلم نكن في مأمن من هذه وتلك التي يعانون منها هناك، فضلاً عن مصيبتنا في مؤسساتنا التعليمية والدينية والقبائلية وفساد القائم بأمر البلاد والمشرّع والمنفذ. قاتلهم الله جميعاً.
