إشارتان متناقضتان حملهما الأسبوع الماضي حيال مشروع دونالد ترامب تحطيم ما تبقى من نظام وقانون دوليين، ومحاولة تخيُّل بديل غربي ليبرالي لما يحاول الرجل تكريسه من عالم لا حلفاء فيه، أشبه بغابة يوزع سيّدها الأميركي الفتات على تابعين هامشيين. الإشارة الأولى طموحة، طرحتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين في 16 سبتمبر/ أيلول الحالي من ستراسبورغ أمام البرلمان الأوروبي بحضور رئيس الوزراء الكندي مارك كارني لجعل كندا أول “عضو شريك” للاتحاد الأوروبي. رحّب كارني فوراً بالاقتراح، هو الذي لطالما وصف بلده بأنه “أكثر بلد أوروبي يقع خارج أوروبا”. الطاقة الإيجابية التي تحملها الفكرة تبرر منسوب الغضب الذي انتاب ترامب الذي هدّد الطرفين بالثبور وعظائم الأمور في حال سارا بالمشروع نحو خواتيمه، ذلك أنّ في كندا والاتحاد الأوروبي يعيش 490 مليون شخص، وفي التكتل المتخيَّل بينهما أربعة بلدان من بين العشرة الأكبر اقتصادياً عالمياً. وتلك الطاقة الإيجابية ربما تكون قد سرّعت توليد طاقة سلبية مضادة واستعجلت إبرام اتفاق واشنطن مع الحكومة الدنماركية ومعها حكومة غرينلاند لتسليم واشنطن السلطة العسكرية شبه المطلقة في الجزيرة القطبية الشمالية، حلاً وسطاً بين ضمّها إلى الولايات المتحدة مثلما أراد ترامب، والتمسك الدنماركي ــ الأوروبي بتبعية الجزيرة الهائلة والثرية بالموارد الطبيعية والاستراتيجية لسكانها ولكوبنهاغن.
بغض النظر عن قابلية الاقتراح الأوروبي ــ الكندي للتطبيق من عدمه، فإنه يعبّر عن محاولة جدية أولى لتصوُّر بديل غربي للتسلط الأميركي مثلما يمارسه ترامب منذ نحو عامين على معظم بلدان الكوكب. كذلك، فإنّ الفكرة ابنة العدائية الأميركية الترامبية تجاه الطرفين، كندا والاتحاد، وما أكثر الأمثلة، من الحرب التجارية التي يشنها ترامب عليهما، إلى مجاهرته بنيته ضم الجار الشمالي ليكون الولاية الأميركية الـ51، وصولاً إلى إظهار كافة علامات الازدراء بأوروبا “الضعيفة” بمصطلحاته، وهو يعبّر عن ذلك في التجارة والسياسة وأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي والإهانات اليومية وغرينلاند. مسارعة مارك كارني إلى تلقف اقتراح فون ديرلاين بدوره سلوك أمين لخطابه الشهير في دافوس شتاء العام الحالي الذي جزم فيه بأن النظام الدولي المنبثق من الحرب الباردة يواجه قطيعة، بالتالي على “القوى المتوسطة” أن تعمل معاً في وجه القوى العظمى، “لأننا إنْ لم نجلس إلى الطاولة، فسنُلتهم”. وفي خطابه أمام البرلمان الأوروبي الذي رحّب فيه باقتراح فون ديرلاين الأسبوع الماضي، على وقع صرخات بلهاء (usa usa usa) أطلقها في القاعة النائب الألماني عن حزب البديل النازي، زيغبيرت دروزه، أوضح كارني أن المطروح ليس تشكيل معسكر ثالث ضد أحد، غير أنّ المشروع يبقى “تحولاً كبيراً”، سياسياً ومن حيث الخطاب، على حد وصف المدير في “المجلس الأطلسي” ومقره واشنطن، يورن فليك، لأنه “موجه بوضوح إلى الولايات المتحدة”، أي أنه “رسالة بأن حلفاء واشنطن ينوون السير بأفكار خلّاقة”. لكنّ الأفكار الخلاقة تلك تواجهها مشاكل عويصة، أبرزها قانونية، ذلك أن لا وجود في وثائق الاتحاد الأوروبي لشيء اسمه “عضو شريك”. ثم إن المعارضة المحافظة في كندا سارعت إلى رفض الاقتراح، محاججة بأنه مثلما أن كندا يجب ألا تكون الولاية الأميركية رقم 51، فإنها في المقدار نفسه يجب ألا تصبح العضو الـ28 في الاتحاد الأوروبي.
لكن المشروع يبقى أملاً عنونت به يوم الجمعة الماضي ألكسندرا شفارتزبرود افتتاحية صحيفة ليبراسيون الفرنسية اليسارية، والتي احتفت بكارني محقّةً بوصفه “نقيض ترامب”. والأمل في وجه كابوس ترامب شرط حتمي لتخيُّل عالم أفضل، وهو طموح لا يمكن أن يخرج من روسيا أو الصين أو إيران، بل فقط من مكان ليبرالي ديمقراطي مثل أوروبا وكندا، لعلّ المصير يكون أكثر رأفة ممّا كُتب لغرينلاند.