أُعلن مؤخرًا في العاصمة الهولندية أمستردام عن حصول الكاتبة كوني بالمن على جائزة “كونستانتين هويخنز” الأدبية لعام 2026 تقديرًا لمجمل أعمالها. ووفقًا للجنة تحكيم الجائزة السنوية التي تمنحها مؤسسة “يان كامبرت” الثقافية نيابةً عن بلدية لاهاي، فإن كوني بالمن: “تتمتّع بموهبة نادرة في الكتابة بلغة مكثفة وحادة عن الفلسفة والحب والصداقة. تتأمل الأسئلة الوجودية حول الإنسانية بصوتها المستقل وفكرها الجريء، وتنجح في التأثير في القرّاء وإلهامهم عملًا بعد آخر. وتشهد أعمالها وظهوراتها العامة على ولائها غير المشروط للأدب، ما يجعلها حاميةً لآدابنا”.
ولدت كوني بالمن عام 1955 في سينت أوديلينبرخ بمقاطعة ليمبورخ في الجنوب الهولندي، وبعد إتمام دراستها في اللغة الهولندية والفلسفة، بدأت مسيرتها الأدبية عام 1991، وأصدرت روايتها الأولى “القوانين” وهي في سن الـ 36 من عمرها، والتي تروي فيها قصة طالبة فلسفة شابة تلتقي بسبعة رجال على مدى سبع سنوات، في رحلة بحث فلسفية عن هويتها. ولدهشة الكاتبة الشابة نفسها، سرعان ما حققت الرواية مبيعات قياسية وتُرجمت إلى أكثر من 20 لغة، وحازت على جوائز عدة، ما جعل طبعاتها تفوق النصف مليون نسخة في هولندا وبلجيكا وحدهما، ليتم اختيارها لاحقًا “رواية العام الأوروبية” لسنة 1992. وبعد بضع سنوات أصدرت بالمن روايتها الثانية “الصداقة”، والتي حققت نجاحًا أكبر أوصلها إلى جائزة AKO كأفضل رواية لعام 1995.
يأتي حصول كوني بالمن على جائزة “كونستانتين هويخنز” الأدبية لعام 2026 بالتزامن مع احتفالها ببلوغها عامها السبعين، ولكنها لم تكن الصدفة الوحيدة، فقد قالت بالمن فور إعلان حصولها على الجائزة أنها تلقت الخبر في اليوم نفسه الذي سلّمت فيه مخطوط روايتها الجديدة “جوني ووكر” إلى الناشر، والتي ستصدر في الأول من سبتمبر/ أيلول المقبل. واعتبرت بالمن أن روايتها الجديدة: “مهمة جدًا بالنسبة لي، لأني عملت عليها لسنوات بكل ما لديّ من قوة وشعور. ثم تلقيت نبأ الجائزة، من الرائع أن تتزامن عدة أحداث لطيفة في حياة المرء بعدما بلغ السبعين من عمره”.
عُرفت كوني بالمن في العالم العربي على نطاق واسع بعد أن صدرت ترجمة عربية لروايتها “أنتَ قلتَ” عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2017، بترجمة مباشرة عن الهولندية للتونسية لمياء المقدّم، وهي الرواية التي قدّمت فيها بالمن صورة نفسية غير مسبوقة للسنوات الأخيرة التي عاشتها الشاعرة المنتحرة سيلفيا بلاث مع زوجها الشاعر الإنكليزي تيد هيوز. أحدثت “أنتَ قلتَ” منذ ظهورها عام 2015 ضجة غير مسبوقة، لكنها أيضًا أهّلت صاحبتها إلى الحصول عنها على جائزة “ليبريس” التي تعد أرفع جائزة أدبية تمنح للأدب المكتوب باللغة الهولندية على الإطلاق.
إلى جوار روايات “القوانين” (1991) و”الصداقة” (1995) و”أنتَ قلتَ” (2015)، قدّمت كوني بالمن عشرات الأعمال الأدبية والسيرية، من أهمها: I.M.” (1998)”، و”كلها لك” (2002)، وهما روايتان سيريتان. كتبت بالمن هاتين الروايتين لتأريخ علاقتها بالكاتب والمحاور الهولندي اليهودي إيشا ماير، التي كانت على علاقة معه في الفترة من 1991 إلى عام رحيله 1995، ما فتح عليها أبواب النقد، وكيلت لها الاتهامات باستخدام علاقتها بحبيبها الإعلامي الشهير أدبيًا. أما في مجال القصة القصيرة، فقد قدمت بالمن على مدى تاريخها ما يزيد عن عشر مجموعات، من بينها: “الموعد” (1985)، و”أرض بلا إله” (1991)، و”الموكب” (1995)، و”كل شيء ممكن” (1999).
تصدر رواية بالمن الجديدة “جوني ووكر” بعد عشر سنوات كاملة من صدور روايتها السابقة “أنتَ قلتَ” عام 2015، والتي تعتبر بالمن أنها “كُتبت من تلقاء نفسها”، على العكس من روايتها الجديدة التي “أعمل عليها منذ شهور طويلة بدون تقدم ملحوظ، كانت الكتابة تسير فيها ببطء شديد. إنها حقًا رواية صعبة. لديّ الكثير من التفاصيل والذكريات في ذهني، لكني أجد صعوبة بالغة في نقلها إلى الورق. عادةً ما أستغرق حوالي عام ونصف عام في كتابة رواياتي، لكن يبدو أن ’جوني ووكر’ كانت أصعب مما ظننت”.
وتعليقًا منها على بلوغها السبعين مؤخرًا، قالت بالمن إنها لم تتوقع أبدًا أن تبلغ هذه السن، خاصة مع أسلوب الحياة الذي عاشته، في إشارة منها إلى إدمانها الطويل على الكحول، الذي شفيت منه فقط في عام 2020، وتضيف: “لطالما أعتقدت، بعاطفتي الرومانسية، أنني سأموت شابة، لكن هذا لم يعد ممكنًا الآن. ولم أكن لأرغب في ذلك أيضًا. أحد الاكتشافات الكبرى للتقدم في السن أن الحياة تكتسب نوعًا آخر من الجمال، أقل تشبعًا بالحنين إلى الماضي، الآن لديّ مساحة كبيرة للاستمتاع بالحاضر وبما هو متاح، أكثر بكثير مما كنت أفعل في شبابي”.
مصادفة عربية أخرى تتزامن مع حصول بالمن على الجائزة هذا العام، ألّا وهي صدور الترجمة العربية لروايتها الأولى “القوانين” للمترجمة للتونسية لمياء المقدم مؤخرًا (المتوسط، 2026).
بخصوص روايتها الجديدة “جوني ووكر”، نترجم هنا المفتتح الذي نشرته دار برومثيوس الهولندية ضمن الحملة الدعائية للترويج لها:
أقود دراجتي النارية الخفيفة مساء يوم اثنين دافئ أواخر صيف 1977، متجهةً إلى قرية صغيرة كنت متأكدةً تمامًا من أن لا أحد يعرفني فيها، قرية ريفية على الضفّة الأخرى لنهر الماس، تلك الضفة التي كانوا يقولون عندنا إن سكانها مختلفون عنّا، أبسط وأكثر تقليدية. لم نكن نذهب إلى هناك أبدًا. ذهبتُ إلى هناك لأثمل.
توقفت عند مقهى له ستائر شفافة كثيفة على نوافذه، كتب عليه بحروف منحنية قديمة الطراز “الصداقة”. أوقفت دراجتي الفيسبا بنفس اللامبالاة التي يرمي بها راعي البقر المغبر لجام حصانه المتعرق حول عارضة خشبية، وفتحت الباب بحزام وهميّ يتدلّى مائلًا على وركي، وجراب يخفي مسدسًا تحت قميصي الفضفاض ذي الطراز الصبياني. كانت مشاهد الأفلام التي يدفع فيها جون واين أو كلينت إيستوود أبواب الحانات الخشبية جانبًا، وأيديهما اليمنى قريبة من مقبض مسدس كولت على شكل كُلْية، فيدخل أحدهما شجاعًا، يقظًا، عيناه ناعستان ولكن في تركيز تام، كانت كلها محفوظة وجاهزة لتساعدني في يوم كهذا، لتمنحني الشجاعة لأدخل بمفردي إلى مكان غريب وأفعل هناك ما كنت قد عزمت عليه.
| تعليقًا منها على بلوغها السبعين مؤخرًا، قالت بالمن إنها لم تتوقع أبدًا أن تبلغ هذه السن، خاصة مع أسلوب الحياة الذي عاشته |
كان الظلام لطيفًا في الداخل. أحب أن يكون الفرق كبيرًا بين إضاءة الداخل والخارج، وأن يحل مصباح رحيم بقوة 40 واط محل أشعة الشمس الجامحة، وتُستبعد الطبيعة فتتلاشى ملامح الأشياء. في عالم المقهى المحدود تسري قوانين خاصة، حيث يتم تعطيل القوة الدافعة للزمن اليومي، ويلتزم الحضور بالوعد الضمني بأنهم متساوون في هذا المكان. لم يكن هناك سوى رجال، حوالي ستة، منتشرين على طاولات مغطاة بسجاد فارسي طويل الوبر. كانوا يدخنون السيجار ويشربون البيرة ويلعبون الورق. رفعوا رؤوسهم ونظروا إليّ بقدر من الدهشة بدون أن يبدوا فضوليين، ثم عادوا إلى مجتمعهم الآمن من الروائح والإيماءات المشتركة.
بعد إيماءة رأس مترددة في التحية، أدرت ظهري لهم وجلست على كرسي مرتفع مغطى بجلد أحمر صناعي بجانب البار. رحب بي النادل بمرح محبب وسألني عما يمكنه أن يقدّمه للسيدة الشابة. وكما كنت أتخيل منذ أسابيع، ذكرت بعفوية المشروب الذي كنت أعرفه فقط لأنني تذوقته على شفاه ماريوس هيرموس، أستاذي ومرشدي، الرجل الذي كنت ألتقي به غالبًا خارج أوقات الدراسة وأضاجعه من حين إلى آخر. كنت أحبه بالطريقة التي كنت أحب بها معظم الناس خارج عائلتي في تلك الفترة، حبًا سطحيا، ليس به عمق أو شغف، مع وضع الوداع في الاعتبار مسبقًا.
ذكر النادل العلامتين التجاريتين المتوفرتين لديه، قلتُ: “جوني ووكر”.
في ذلك اليوم وفي تلك الساعة، عقدتُ على الضفّة الأخرى لنهر الماس عهدًا مع عدوِّي الأعزّ، الرجل الذي سيصبح رفيقي الملاصق لي وحبيبي على مدى الأعوام الأربعين التالية. كان لجوني ووكر رائحة مذهلة؛ قوية ومخلصة، وفوق كل شيء خالدة. لم أستطع في العقود التي تلت هذه الليلة أن أتخيل الحياة بدونه، رغم أنني كنت أعلم منذ الرشفة الأولى على طاولة حانة ’الصداقة’ أنه سيفعل كل ما في وسعه لتدميري”.