أكّد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في سياق الحرب الاقتصاديّة الساحقة، وفقاً لتوصيفه، التي أعلن شنّها على إيران، أنّ طهران لا تستطيع دفع رواتب لجنودها أو لعناصر الشرطة، والتضخّم فيها وصل إلى 300%.
لم يعد الاقتصاد ساحة جانبيّة في الحرب الأميركيّة على إيران وحسب، بل أصبح أحد أهمّ ميادين المواجهة وأكثرها تأثيراً في قدرة طهران على مواصلة الصراع. فإيران تدخل هذه الحرب وهي تعاني أصلاً من عقود من العقوبات والقيود الماليّة، في وقت تتزايد الضغوط على صادرات النفط، وترتفع معدّلات التضخّم، وتتراجع القدرة الشرائيّة، وتتقلّص خيارات الحكومة في تمويل العجز. ومن هنا، ليس السؤال الاقتصاديّ الأهمّ بالنسبة إلى إيران اليوم فقط: كم خسرت بسبب الحرب؟ بل: هل تستطيع تحويل ما بقي لديها من موارد إلى قدرة فعليّة على الاستمرار؟
لم تستهدف الحرب الأميركيّة اقتصاداً مستقرّاً، بل أصابت اقتصاداً كان يعيش أصلاً تحت ضغط العقوبات لأكثر من أربعة عقود، وضعف الاستثمار الأجنبيّ، وصعوبة الوصول إلى النظام الماليّ العالميّ. إلّا أنّ ما يميّز المرحلة الحاليّة هو انتقال المواجهة من محاولة خفض صادرات النفط إلى استهداف الحلقة الأكثر حساسيّة: دورة المال نفسها. فالتحدّي لم يعد فقط في بيع النفط، بل في القدرة على تحويل عائداته إلى أموال قابلة للاستخدام داخل الاقتصاد الإيرانيّ.
مؤشّرات الانكماش والتّضخّم
تكشف المؤشّرات الكلّيّة حجم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الإيرانيّ. فوفق صندوق النقد الدوليّ، يُتوقّع أن يبلغ الناتج المحلّي الإجماليّ الاسميّ لإيران نحو 300 مليار دولار عام 2026، مع انكماش اقتصاديّ حقيقيّ يقارب 6.1%. لكنّ حجم الاقتصاد الإجماليّ لا يعكس وحده أثر الأزمة. المؤشّر الأكثر ارتباطاً بالمواطن هو نصيب الفرد من الناتج. ووفق تقديرات صندوق النقد، تراجع نصيب الفرد من نحو 4,264 دولاراً عام 2025 إلى حوالي 3,415 دولاراً عام 2026، أي بانخفاض يقارب 20% خلال عام واحد، بما يعكس تراجع القوّة الاقتصاديّة للأسر، وليس فقط انكماش حجم الاقتصاد.
لا تتوقّف الضغوط عند هذا الحدّ، إذ تشير بيانات صندوق النقد إلى تضخّم مرتفع يقترب من 68.9%، بينما تظهر بيانات مركز الإحصاء الإيرانيّ صورة أكثر قسوة. فقد بلغ التضخّم السنويّ نحو 87.9% في تمّوز 2026 بعدما سجّل 88.6% في الشهر السابق. يقدّر معهد التمويل الدوليّ أنّ التضخّم الفعليّ تجاوز 80%، في حين ارتفعت أسعار الموادّ الغذائيّة بنحو 130% نتيجة تراجع الدعم وارتفاع كلفة الاستيراد. على الرغم من اختلاف منهجيّات القياس بين المؤسّسات، الاتّجاه العامّ واحد: الاقتصاد الإيرانيّ يواجه موجة تضخّميّة تضرب الدخل الحقيقيّ للمواطنين.
النّفط الإيرانيّ تحت الحصار
في قلب هذه الأزمة يبقى النفط، الذي كان لعقود المصدر الأساسيّ للعملات الأجنبيّة، لكنّه تحوّل اليوم إلى نقطة ضعف رئيسة. فوفق بيانات شركات تتبع الشحنات مثل Kpler وVortexa، تراجعت صادرات النفط الإيرانيّة في بعض مراحل عام 2026 إلى مستويات تراوحت بين 209 و260 ألف برميل يوميّاً، بعدما تجاوزت 1.5 مليون برميل في مراحل سابقة، فيما كانت الصين تستوعب نحو 1.38 مليون برميل يوميّاً عام 2025.
لكنّ المشكلة لم تعد في حجم الصادرات فقط، بل في القدرة على تحويل العائدات إلى سيولة قابلة للاستخدام. فقد وسّعت الولايات المتّحدة نطاق العقوبات ليشمل شركات النقل والتأمين، أساطيل الظلّ، الوسطاء الماليّين، وشبكات التحويل غير الرسميّة. وبذلك انتقلت المواجهة من استهداف النفط باعتباره سلعة إلى استهداف النفط باعتباره مصدر تمويل.
انعكس هذا الخنق الماليّ مباشرة على الماليّة العامّة. فبحسب الحكومة الإيرانيّة، بلغت الخسائر المباشرة وغير المباشرة للحرب نحو 270 مليار دولار، وهو رقم يعادل نسبة كبيرة من الناتج المحلّيّ. وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات اقتصاديّة إلى أنّ عجز الموازنة تجاوز 16 مليار دولار نتيجة تراجع الإيرادات النفطيّة وارتفاع النفقات العسكريّة وأعباء إعادة الإعمار.
عجز بلا خيارات
تكمن خطورة هذا العجز في أنّ إيران لا تملك خيارات تمويل طبيعيّة بسبب العقوبات. الاقتراض الخارجيّ محدود، وزيادة الضرائب صعبة في اقتصاد يعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائيّة، فيصبح تمويل العجز عبر إصدار النقد خياراً شبه مفروض، لكنّه يحمل كلفة عالية لأنّه يحوّل الأزمة الماليّة إلى تضخّم إضافيّ وضغط اجتماعيّ أكبر.
تظهر آثار ذلك بوضوح في سوق العمل ومستوى المعيشة. فبينما يقدّر صندوق النقد الدوليّ البطالة الرسميّة بنحو 9.2%، تشير تقديرات محليّة إلى أنّ البطالة الفعليّة تتجاوز 40% عند احتساب البطالة المقنّعة وخروج جزء من السكّان من سوق العمل، خصوصاً بين الشباب والخرّيجين. وبلغ مؤشّر البؤس الاقتصاديّ، وفق مركز الإحصاء الإيرانيّ، نحو 91.1 نقطة، وهو مستوى يعكس اجتماع ثلاثة ضغوط في وقت واحد: التضخّم، البطالة، وتراجع الدخل الحقيقيّ
الصّمود تحت الحصار
أمّا الاحتياطيّ الأجنبيّ، الذي يمثّل خطّ الدفاع الأخير، فلا يبدو كافياً لحلّ المشكلة. فعلى الرغم من إعلان طهران امتلاك أصول خارجيّة تتجاوز 100 مليار دولار، يقدّر صندوق النقد الدوليّ الجزء القابل للاستخدام الفعليّ بنحو 23.8 مليار دولار فقط، بسبب تجميد جزء من الأصول وصعوبة الوصول إلى النظام الماليّ العالميّ. ومع تحوّل الحساب الجاري من فائض بلغ 13.2 مليار دولار عام 2025 إلى عجز يقارب 5.4 مليارات دولار عام 2026، يتراجع هامش المناورة أمام السلطات الإيرانيّة، ويصبح الاحتياطي أداة لشراء الوقت أكثر من كونه وسيلة لإعادة بناء الاقتصاد.
في محاولة لتعويض هذا الاختناق، عزّزت إيران تجارتها البرّيّة مع دول الجوار. فالتبادل التجاريّ مع العراق يتجاوز 10 مليارات دولار سنويّاً، ومع تركيا نحو 5 إلى 6 مليارات دولار، إضافة إلى علاقات تجاريّة مع باكستان وسلطنة عمان وأرمينيا وأذربيجان. إلّا أنّ هذه القنوات، مع أهميّتها، لا تستطيع أن تحلّ محلّ الاندماج الطبيعيّ في النظام التجاريّ العالميّ، وتبقى معرّضة لضغوط العقوبات الثانويّة.
مع ذلك، لا يزال الاقتصاد الإيرانيّ بعيداً عن الانهيار الكامل. فقد بنت طهران خلال عقود العقوبات شبكة من آليّات التكيّف الداخليّ. فبحسب منظّمة الأغذية والزراعة (الفاو) ووزارة الصحّة الإيرانيّة، تنتج إيران محلّيّاً نحو 85% من احتياجاتها الغذائيّة الأساسيّة، فيما توفّر صناعتها الدوائيّة أكثر من 80% من الطلب المحلّيّ. اعتمدت على سياسة إحلال الواردات، توسيع التجارة مع الصين وروسيا ودول الجوار، وتطوير آليّات المقايضة.
لهذا لم تعُد المعركة تتعلّق بمن يملك النفط أو الاحتياطيّ الأكبر، بل من يستطيع تحمّل كلفة الزمن. وفي هذه المعادلة، تبدو الكفّة الاقتصاديّة اليوم تميل لمصلحة واشنطن، بسبب قدرتها على التحكّم بشبكات التمويل العالميّة ورفع كلفة التعامل مع إيران. لكنّ خروج طهران من دائرة الاستنزاف لا يمرّ عبر إدارة الحصار، بل عبر تسوية سياسيّة تفتح الباب أمام تخفيف العقوبات، واستعادة تدفّقات الاستثمار والتمويل، وتحويل مواردها الطبيعيّة إلى نموّ اقتصاديّ مستدام.
