العرب اللندنية … علي قاسم كاتب سوري مقيم في تونس
جسور تونس إلى العالم
ليست كل الدول متساوية في أدوات النفوذ. النفوذ لا يُقاس دائمًا بحجم الاقتصاد أو عدد الطائرات أو اتساع المساحة الجغرافي. هناك دول تفرض حضورها بقوة السلاح، وأخرى بثقل الأسواق والاستثمارات، وهناك دول تستطيع أن تفعل شيئًا أكثر هدوءًا وأبعد أثرًا: أن تجعل صورتها جزءًا من وعي الآخرين، وأن تحول الثقافة إلى مدخل للتعاطف، والسياحة إلى معرفة، والإبداع إلى علاقات، والهوية إلى قيمة اقتصادية ودبلوماسية. وفي هذا المعنى، تمتلك تونس رصيدًا من القوة أكبر بكثير مما تعكسه مكانتها الاقتصادية أو السياسية.
تونس ليست قوة إقليمية بالمعنى التقليدي، ولا تملك الموارد التي تسمح لها بممارسة نفوذ واسع عبر أدوات الجغرافيا السياسية الصلبة. لكنها تمتلك شيئًا آخر تراكم عبر قرون: موقعًا تاريخيًا في المتوسط، وتنوعًا ثقافيًا غنيًا، ومدينة عتيقة وعمارة ومطبخًا وموسيقى ومسرحًا وسينما ومهرجانات، فضلًا عن صورة اجتماعية أكثر انفتاحًا مما توحي به مساحة البلاد المحدودة. هذه العناصر لا ينبغي النظر إليها بوصفها مجموعًا من المقومات السياحية أو الثقافية المنفصلة، وإنما باعتبارها رأس مال يمكن، إذا أحسن تنظيمه واستثماره، أن يتحول إلى أحد عناصر القوة الوطنية.
المشكلة أن تونس اعتادت التعامل مع هذه الثروة في جزر منفصلة. الثقافة شأن لوزارة الثقافة، والسياحة قطاع اقتصادي، والمهرجانات مواعيد سنوية، والفن نشاط إبداعي، والمطبخ جزء من التراث. أما الربط بينها باعتبارها مكونات لصورة واحدة للدولة، فلا يزال أقل حضورًا. وهذا الفصل لم يعد ملائمًا لعالم تداخلت فيه الحدود بين الاقتصاد والثقافة والدبلوماسية. فالصورة الدولية للدول أصبحت تُصنع في السينما والمنصات الرقمية والمطاعم والمهرجانات بقدر ما تُصنع في السفارات وقاعات المؤتمرات.
الفنان، في هذا السياق، ليس سفيرًا بالمعنى الرسمي، لكنه قد يؤدي وظيفة دبلوماسية لا تستطيع المؤسسات التقليدية الوصول إليها. أغنية ناجحة أو فيلم تونسي يصل إلى جمهور عربي أو أوروبي قد يفعل أكثر من حملة ترويجية مكلفة؛ لأنه لا يقدم تونس بوصفها شعارًا، بل بوصفها مجتمعًا له أصواته ولهجته وذاكرته وشخصياته وتناقضاته. وحين يكتشف جمهور خارجي فنانًا تونسيًا، فإنه يكتشف معه، ولو بصورة غير مباشرة، شيئًا من البلد الذي جاء منه.
وهذه إحدى أهم خصائص القوة الناعمة: أنها لا تطلب من الآخر أن يتعرف إلى الدولة، بل تجعله راغبًا في التعرف إليها.
من هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين الثقافة والسياحة. السائح المعاصر لم يعد يبحث عن فندق وشاطئ فقط. إنه يبحث عن تجربة وقصة وهوية. يريد أن يعرف ماذا يأكل أهل البلد، وما الموسيقى التي يسمعونها، وكيف تبدو مدنه القديمة، وما الذي يميز حياتهم اليومية. ولذلك أصبحت المنافسة السياحية العالمية منافسة على الخيال بقدر ما هي منافسة على الأسعار والخدمات والبنية التحتية.
وتونس مؤهلة بصورة خاصة لهذه المنافسة، لأن جغرافيتها تختصر تنوعًا استثنائيًا. في المسافة نفسها تقريبًا يمكن للزائر أن ينتقل من المتوسط إلى الصحراء، ومن المدن التاريخية إلى المنتجعات الساحلية، ومن الأسواق التقليدية إلى الفضاءات الثقافية المعاصرة. ويضاف إلى ذلك تاريخ تتقاطع فيه التأثيرات العربية والمتوسطية والأفريقية والأندلسية والعثمانية والأوروبية. لكن هذه العناصر لا تصبح قوة ناعمة بمجرد وجودها؛ القوة تبدأ عندما تتحول العناصر المتفرقة إلى سردية وطنية متماسكة.
وهنا تبرز أهمية المطبخ.
لقد نجحت مطابخ دول عديدة في أن تصبح جزءًا من هوية بلدانها في الخارج، لا لأنها أكثر ثراء بالضرورة، وإنما لأنها استطاعت أن تحول الطعام إلى قصة وهوية وعلامة تجارية. المطبخ الإيطالي، والياباني، والمكسيكي، والتركي، والفرنسي، لم تنتشر أطباقه فقط؛ انتشرت معها صور البلدان التي جاءت منها. الطعام أصبح وسيلة لمعرفة المجتمع.
تونس لا تحتاج إلى قوة صلبة لتؤثر؛ ثقافتها ومطبخها وموسيقاها ومهرجاناتها تصنع نفوذًا ناعمًا يجعل الآخرين يرغبون في الاقتراب منها واكتشاف خصوصيتها
وتونس تملك في هذا المجال مادة ثقافية قابلة للانتشار عالميًا. الكسكس، والبريك، والهريسة، وأطباق الأسماك، والحلويات (كعك الورقة، عصيدة الزقزقز، المقروض) والتقاليد المرتبطة بالمائدة، ليست مجرد منتجات استهلاكية. إنها جزء من ذاكرة اجتماعية يمكن تحويلها إلى قيمة اقتصادية وثقافية في آن واحد. الهريسة، على سبيل المثال، لا ينبغي النظر إليها فقط كمنتج غذائي تونسي ناجح، وإنما كعلامة يمكن أن تحمل معها اسم تونس وقصتها وتاريخها إلى أسواق جديدة.
وهنا يتداخل الاقتصادي بالثقافي. كلما أصبح المنتج التونسي معروفًا في الخارج، ازدادت قيمة الاسم المرتبط به. وكلما ازدادت قيمة الاسم، اتسعت فرص السياحة والاستثمار والتصدير. وهذه هي النقطة التي تجعل القوة الناعمة أكثر من مجرد مفهوم في العلاقات الدولية: إنها يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية ملموسة.
الأمر نفسه ينطبق على المهرجانات. فتونس لا تفتقر إلى الأحداث الثقافية ذات التاريخ والرمزية، لكن التحدي هو الانتقال من منطق “المهرجان” باعتباره عرضًا موسميًا إلى منطق “المنصة” التي تنتج علاقات دائمة. مهرجان قرطاج، أو الحمامات، أو الفعاليات الثقافية في جربة وتوزر وغيرها، يمكن أن تكون أكثر من أماكن للعروض. يمكن أن تصبح فضاءات تجمع الفنانين والمنتجين وشركات الترفيه والمستثمرين والإعلاميين والسياح، وتفتح في الوقت نفسه سوقًا للصناعات الثقافية والإبداعية.
عندها لا يعود العائد من المهرجان محصورًا في عدد التذاكر المباعة، بل يمتد إلى الفنادق والمطاعم والنقل والإنتاج الإعلامي والتسويق والحرف والصناعات الإبداعية. وتتحول الثقافة بذلك من إنفاق عمومي موسمي إلى جزء من اقتصاد متكامل.
وهذا التحول مهم خاصة مع تغير صناعة الثقافة نفسها. المنصات الرقمية ألغت كثيرًا من الحواجز القديمة أمام انتشار المحتوى. لم يعد الفنان يحتاج دائمًا إلى مؤسسة إعلامية كبرى كي يصل إلى جمهور خارجي، ولم تعد الدولة تحتاج إلى حملة إعلانية تقليدية حتى تظهر أمام العالم. فيديو قصير، أغنية، وصفة طعام، أو مشهد من فيلم يمكن أن يصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فالقوة الناعمة لا تُبنى عبر إنتاج محتوى متفرق، وإنما عبر وجود بيئة ثقافية قادرة على الاستمرار. وهذا يعني الاستثمار في الفنان والمخرج والكاتب والمصمم والموسيقي والطاهي والحرفي وصانع المحتوى، وربطهم بأسواق خارجية، وتطوير آليات التمويل والتوزيع والتسويق، وحماية الملكية الفكرية، وتحويل الإبداع من نشاط يعتمد على الدعم إلى صناعة قادرة على إنتاج القيمة.
وهنا تحديدًا ينبغي أن تتغير النظرة إلى الثقافة في تونس. فالصناعات الثقافية والإبداعية ليست قطاعًا هامشيًا يمكن الاهتمام به عندما تسمح الميزانية، وإنما جزء من اقتصاد المستقبل. السينما والموسيقى والألعاب الرقمية والتصميم والنشر والإعلان والأزياء والحرف والمحتوى المرئي كلها مجالات يمكن أن توفر فرصًا للشباب، وتخلق صادرات غير تقليدية، وتستقطب استثمارات، وتمنح تونس موقعًا مختلفًا في اقتصاد المعرفة.
كما أن هذه القوة الناعمة يمكن أن تخدم السياسة الخارجية من دون أن تتحول الثقافة إلى أداة دعائية. وهذه نقطة أساسية. فالثقافة تفقد كثيرًا من قوتها عندما تتحول إلى خطاب رسمي يهدف إلى تلميع صورة الدولة. قوتها الحقيقية تأتي من استقلالها وتنوعها وقدرتها على التعبير عن المجتمع كما هو، لا كما تريد السلطة أن يبدو.
تونس لا تحتاج، إلى اختراع صورة جديدة عن نفسها بقدر ما تحتاج إلى بناء منظومة تجعل صورتها الموجودة أصلًا أكثر وضوحًا وانتشارًا. وهي لا تحتاج إلى أن تنافس الدول الكبرى في حجم الإنفاق على القوة الناعمة، بل إلى أن تستثمر في الميزة التي لا تستطيع الدول الأخرى تقليدها بسهولة: الشخصية التونسية نفسها.
القوة الناعمة التونسية تتحول إلى قيمة اقتصادية ودبلوماسية حين تُربط الثقافة بالسياحة والاستثمار لتصبح الهوية الوطنية رأس مال يفتح أبواب النفوذ العالم.
فالنفوذ لا يبدأ دائمًا من القدرة على فرض الإرادة، بل قد يبدأ من القدرة على خلق الرغبة في الاقتراب. دولة يحب الناس موسيقاها، ويبحثون عن طعامها، ويزورون مدنها، ويتابعون أفلامها، ويتعرفون إلى فنانيها، تصبح دولة أسهل في بناء العلاقات معها. الثقافة لا تحل محل الاقتصاد والسياسة والأمن، لكنها تمنحها طبقة إضافية من الثقة والتعاطف.
وهنا ربما يكون السؤال الذي تحتاج تونس إلى طرحه أقل تقليدية من سؤال: ماذا نملك لكي نؤثر في العالم؟
السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يكتشف العالم في تونس عندما لا تتحدث تونس عن نفسها؟
إذا كان الجواب هو الموسيقى والسينما والمطبخ والتاريخ والمهرجانات والبحر والصحراء والمدينة العتيقة والتنوع الاجتماعي، فإن تونس تمتلك بالفعل مقومات قوة ناعمة حقيقية. وما ينقصها ليس الموارد بقدر ما ينقصها الربط بين هذه الموارد.
الفنان يحتاج إلى السياحة، والسياحة تحتاج إلى الثقافة، والمطبخ يحتاج إلى العلامة الوطنية، والمهرجان يحتاج إلى الاستثمار، والاستثمار يحتاج إلى صورة بلد قادر على إنتاج الإبداع. وعندما تلتقي هذه الدوائر، تتحول الثقافة من ملف منفصل إلى منظومة نفوذ تمتد من الاقتصاد إلى الدبلوماسية.
لقد اعتادت الدول أن تقيس قوتها بما تستطيع أن تفرضه على الآخرين. لكن عالم اليوم يمنح قيمة متزايدة لما تستطيع الدول أن تجعل الآخرين يرغبون فيه.
وتونس لا تحتاج إلى أن تكون أكبر لكي تكون أكثر تأثيرًا. يكفي أن تجعل من خصوصيتها قيمة، ومن ثقافتها لغة، ومن فنانيها جسورًا، ومن مطبخها علامة، ومن مهرجاناتها منصات، ومن سياحتها تجربة تتجاوز الإقامة إلى المعرفة.
عندها فقط تصبح الثقافة أكثر من صورة جميلة عن تونس. تصبح جزءًا من سياستها الخارجية، ومن اقتصادها، ومن حضورها الدولي. وتصبح القوة الناعمة، بدل أن تكون مفهومًا نظريًا في كتب العلاقات الدولية، أحد الأصول الإستراتيجية التي تستطيع دولة صغيرة نسبيًا أن تنافس بها في عالم لا تُقاس فيه المكانة دائمًا بحجم الدولة، بل بقدرتها على أن تترك أثرًا في الآخرين.