
كيم جونغ أون ليس مجرد ديكتاتور من النوع الكلاسيكي (اندبندنت عربية – علاء رستم)
ملخص
رجل أعدم عمه وصديق طفولته وأخاه غير الشقيق وآلاف المواطنين الأبرياء دون أن يرف له جفن، بينما يقدم نفسه لشعبه “أباً حانياً”.
تخيل رجلاً يجلس على عرشه داخل قصر محصن في قلب بيونغ يانغ، ويتأمل خريطة العالم كما يتأمل الطفل خريطة لعبة يملكها وحده. أمامه أزرار إطلاق صواريخ قادرة على بلوغ واشنطن.
وأمامه العالم كله يتساءل، ماذا يريد هذا الرجل؟ هل يريد الحرب أم السلام؟ هل هو عاقل أم مجنون؟ هل يمكن التفاوض معه أم أن كل قمة معه مجرد مسرحية يخرجها هو وحده؟
كيم جونغ أون ليس مجرد ديكتاتور من النوع الكلاسيكي الذي يقهر شعبه ويخشى الخروج من قصره. هذا الرجل، الذي درس في مدارس سويسرا وأحب كرة سلة شيكاغو بولز وأكل الجبن الفرنسي الفاخر، حول بلداً منهكاً من بلدان العالم الثالث إلى قوة نووية حقيقية تجبر الرئيسين الأميركي والروسي على التسابق لمصافحته، وهذا بحد ذاته استحقاق لا يمكن الاستهانة به، بصرف النظر عن كل الجرائم التي ارتكبها في طريقه.
ما يجعله مربكاً ومقلقاً في آن أنه لا يشبه الصورة النمطية للطاغية التقليدي، إذ لا يبدو رجل حرب متهوراً يريد أن يشعل الكرة الأرضية، لكنه في الوقت نفسه لا يبدو رجل سلام يسعى إلى رفاهية شعبه.
رجل أعدم عمه وصديق طفولته وأخاه غير الشقيق وآلاف المواطنين الأبرياء دون أن يرف له جفن، بينما يقدم نفسه لشعبه “أباً حانياً”
كيم جونغ أون ظاهرة لا يشبهها شيء في القرن الـ21، ليس لأنه الأقسى في التاريخ ولا لأنه الأكثر ثروة بين الطغاة، بل لأنه نجح في شيء يعجز عنه معظم الحكام المطلقين في عصر الإنترنت والأقمار الاصطناعية وحقوق الإنسان، وهو الحفاظ على نظام شمولي كامل الأركان في قلب آسيا المتصلة، مع بناء ترسانة نووية تجعله لاعباً دولياً لا يمكن تجاهله.
هذه محاولة فحسب، لفهم الرجل الأكثر غموضاً في القرن الـ21. رجل طفولته ممزوجة بالبذخ الملكي والتربية على الرعب. رجل يحب الموسيقى الأميركية ويكره الديمقراطية الأميركية في الوقت ذاته. رجل أعدم عمه وصديق طفولته وأخاه غير الشقيق وآلاف المواطنين الأبرياء دون أن يرف له جفن، بينما يقدم نفسه لشعبه “أباً حانياً”.
قفص من ذهب
تاريخ ميلاد كيم جونغ أون وحده يكفي كمدخل لفهم طبيعة النظام الذي يحكمه. تدعي وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية أنه ولد في الثامن من يناير (كانون الثاني) 1982، غير أن السلطات الكورية الجنوبية تشير إلى عام 1983، فيما تحدد الوثائق الأميركية المستندة إلى جواز سفره السويسري عام 1984 ثلاثة تواريخ ميلاد لرجل واحد، وهذا الاضطراب ليس مصادفة بل سياسة ممنهجة في دولة تبني الحقيقة كما تبني التماثيل، وفق ما يخدم الرواية الرسمية لا وفق ما جرى فعلاً.
كيم هو الابن الثالث والأصغر للزعيم الكوري الشمالي الراحل كيم جونغ إيل، وأمه هي كو يونغ هي المغنية، وهنا تكمن سردية طويلة لا يفصح عنها النظام. ويحمل كيم جونغ أون في عروقه ربع دم ياباني، إذ وُلدت أمه في اليابان لعائلة كورية هاجرت إليها، وتلقت تعليمها هناك وكانت تحمل اسماً يابانياً، قبل أن تعود إلى كوريا الشمالية.
الطفولة نفسها كانت أقرب إلى رواية فانتازيا مشوهة، وصفتها الباحثة جونغ باك بأنها “غارقة في الرفاه” بكل ما في الكلمة من معنى، إذ شملت قصوراً مع خيول وحدائق ومسابح خاصة وصالات بولينغ، ومرافق ترفيهية على مستوى فنادق الدرجة الأولى.
امتلك سيارته الأولى وهو في السابعة من عمره بعدما عدلها والده ليقودها في تلك السن. وفي الـ11، كان يحمل مسدساً حقيقياً من طراز كولت 45 حول فخذه، كما يحمل أقرانه في مدارس العالم أقلامهم، وفق ما ورد في كتاب الصحافية آنا فيفيلد “الخليفة العظيم” (2019) عن حياته، مضيفة أنه “نشأ وهو يعتقد أنه كان مميزاً” بصورة مختلفة عن كل البشر.
لكن وراء هذا البذخ كان هناك رعب حقيقي، ففي وقت كان خلاله الصبي الصغير يقود سيارته الفارهة في ممرات القصر، كانت المجاعة الكبرى المعروفة في كوريا الشمالية بـ”المسيرة الشاقة” تودي بحياة ما يقدره المحققون الدوليون بأكثر من مليوني كوري شمالي بين عامي 1994 و1998. هذا التزامن المنفر بين موت الملايين جوعاً خلف حدود القصر وبين تعليم الوريث الصغير كيف يقود سيارته الخاصة، لا يحتاج إلى تعليق.
كانت والدته المعروفة بجمالها وشخصيتها، المفضلة لدى الأب، وكانت تسميه “الملك نجم الصباح”. توفيت من سرطان الثدي عام 2004 وكيم لا يزال في مراهقته، وهو غياب مبكر لمرجعية عاطفية لا تعوض في حياة أي إنسان، ولا سيما في بيئة معقدة كبيئة القصر الكوري الشمالي المليئة بالتنافس والتآمر.
أعوام سويسرا
في منتصف التسعينيات وبينما كانت المجاعة تجتاح البلاد، أرسل كيم جونغ إيل أبناءه الثلاثة إلى سويسرا للدراسة. التحق كيم بداية بمدرسة برن الدولية في غومليغن، ثم انتقل إلى مدرسة ليبفيلد شتاينهولتسلي الحكومية قرب مدينة برن، وذلك تحت اسم مستعار هو “باك أون”، بعدما قُدم للمدرسة بوصفه ابن موظف في سفارة كوريا الشمالية.
ما يعرفه زملاؤه السابقون في تلك المدارس يرسم صورة مثيرة للاهتمام، إذ وُصف بالخجل الاجتماعي في البداية، لكن مع شغف واضح بكرة السلة الأميركية. كان يرافقه دائماً طالب أكبر سناً يعتقد أنه حارسه الشخصي المقنع. وكان سريع الغضب بصورة تلفت الانتباه، وأفادت تقارير بأنه كان يضرب من يتحدث باللغة الألمانية التي لم يكن يتقنها أو يبصق عليهم.
الأهم مما أوردته الصحافية آنا فيفيلد في كتابها عن هذه المرحلة، هو التفسير الذي تقدمه لتأثير تجربة سويسرا على شخصيته، إذ اعتقد كثر أن إقامته في دولة ديمقراطية ستجعله إصلاحياً منفتحاً حين يعود إلى الحكم.
لكن فيفيلد ترى عكس ذلك تماماً، إذ يبدو أن رؤية كيم للديمقراطية وللمساواة الفعلية بين البشر فعلت فيه شيئاً مغايراً تماماً، وجعلته يدرك أنه لو عاش في مكان آخر لكان إنساناً عادياً بلا امتيازات، يعتمد على نفسه ولا أحد يحني رأسه أمامه. وبدلاً من أن تجعله هذه الرؤية يقدر قيمة المساواة، عززت فيه تصميم حفاظه على النظام الذي يجعله في مستوى مختلف عن كل البشر.
عاد كيم إلى بيونغ يانغ ليلتحق بجامعة كيم إيل سونغ العسكرية، حيث درس بين عامي 2002 و2007 وحصل على درجتين، الأولى في الفيزياء والثانية كضابط عسكري.
وريث لم يكن مقرراً
الغريب في مسار كيم جونغ أون أنه لم يكن الخيار الأول لوراثة السلطة، إذ كان أخوه غير الشقيق كيم جونغ نام هو المرشح الطبيعي لأعوام، إلى أن سقط في فضيحة عام 2001 حين حوصر وهو يحاول الدخول إلى اليابان بجواز سفر مزور من باهاماس بحجة زيارة ديزني لاند في طوكيو.
الحادثة المحرجة أسقطته من حسابات الوريث الشرعي، وبدأ الأب يدير عينيه نحو الابن الأصغر ذي المزاج الحاد والتشابه الجسدي اللافت مع الجد المؤسس كيم إيل سونغ.
في عام 2009، عين كيم جونغ أون في لجنة الدفاع الوطني.
وفي عام 2010، رقي إلى رتبة جنرال بأربعة نجوم وعين نائباً لرئيس اللجنة العسكرية المركزية لحزب العمال، مما جعله رسمياً الخليفة المعلن. ثم جاءت وفاة والده في الـ17 من ديسمبر (كانون الأول) 2011، فأعلن خليفته خلال أسابيع قليلة، ومنح القيادة العليا للحزب والدولة والجيش في آن، ليصبح أصغر قائد دولة في العالم في ذلك الوقت.
ألقى أول خطاب تلفزيوني له في أبريل (نيسان) 2012 وهو ما صدم المراقبين، إذ كان والده كيم جونغ إيل معروفاً بامتناعه التام عن الخطابات التلفزيونية طوال فترة حكمه. استغل كيم هذا التشابه الجسدي الصارخ مع جده المؤسس كيم إيل سونغ ليقدم نفسه كامتداد شرعي للجذر التأسيسي للدولة، لا مجرد ابن ورث عرشاً.
تأسيس السلطة بالدماء
لا يمكن قراءة مسيرة كيم في السلطة دون مواجهة سجله الدموي مواجهة مباشرة وصريحة، فمنذ اليوم الأول لجأ إلى السيف قبل أن يلجأ إلى أي أداة أخرى، وأثبت أن أعوام سويسرا لم تلطف في طباعه شيئاً يذكر.
وفق منظمة مركز استراتيجية كوريا الشمالية، تمت تصفية ما لا يقل عن 421 مسؤولاً منذ توليه الحكم عام 2011، لكن الأرقام المجردة تخفي وحشية الأساليب المستخدمة. ووثق التقرير ذاته تسع طرق للتصفية، من بينها الشنق وإطعام السجناء الأحياء للحيوانات المفترسة والإعدام بمدافع مضادة للطائرات وحرق الجثث بقاذفات اللهب.
ويؤكد المنشق كانغ تشول هوان لشبكة CNN أن مساعدين مقربين من عم كيم المدان جانغ سونغ ثايك أُعدما أمام ناظريه بنيران ثماني مدافع مضادة للطائرات، وأن جانغ نفسه أغمي عليه حين انهمرت دماؤهما عليه.
ولعل أشهر إعدام نفذه كيم كان إعدام زوج عمته جانغ سونغ ثايك في ديسمبر 2013. كان جانغ واحداً من أقوى رجال النظام، وكان المرجعية الإدارية الفعلية التي ساعدت كيم جونغ أون في إدارة البلاد خلال المرحلة الانتقالية الأولى. وصدرت عليه تهمة الخيانة والتآمر على الدولة، وأعدم علناً.
ومن ثم أبيدت عائلته بالكامل بمن فيهم شقيقاه وأبناؤهم وفق تقارير موثقة. كانت هذه العملية رسالة واضحة لكل من في الدائرة المقربة بأنه لا أحد فوق الإعدام، حتى لو كان يجلس على أريكة في أعلى هرم السلطة منذ عقود.
في فبراير (شباط) 2017، كان الدور على كيم جونغ نام، الأخ غير الشقيق المنفي في ماكاو. كان نام يعد تهديداً محتملاً لأنه، وفق تقارير استخباراتية متعددة، كان يقدم معلومات لأجهزة الاستخبارات الأميركية والكورية الجنوبية.
اغتيل في مطار كوالالمبور الدولي حين دهنت امرأتان وجهه بغاز الأعصاب (VX) القاتل، وقد اعتقدتا أنهما تشاركان في برنامج كاميرا خفية. أكد تحليل الحمض النووي لاحقاً هويته، وربطت الأدلة العملية بأوامر صادرة من بيونغ يانغ.
في المقابل، وثق تقرير صادر عن مركز كوري جنوبي عام 2016 أن 340 شخصاً أعدموا خلال خمسة أعوام فقط من حكم كيم، لكن الأرقام الأشمل تكشف صورة أفتك، إذ وثق تقرير مجموعة العدالة الانتقالية في سيول 144 حالة إعدام موثقة بين عامي 2011 و2024، مع إشارة إلى أن أعداد الإعدامات ارتفعت بنسبة 116 في المئة خلال الأعوام الخمسة التي أعقبت إغلاق الحدود بسبب الجائحة.
البرنامج النووي
أعلن كيم في أبريل 2013 سياسة “بيونغجين”، أي التطوير المتوازي للاقتصاد والقدرات النووية في آن. ويبدو هذا التوصيف براغماتياً في صياغته، لكنه في جوهره إعلان صريح بأن كوريا الشمالية لن تتخلى عن ترسانتها النووية مقابل أي إغراء اقتصادي مهما كان حجمه، لأن الأسلحة النووية في حسابات كيم ليست بطاقة تفاوضية بل ضمانة وجودية.
ووفق تقرير صدر عام 2024، أجرى كيم ما يزيد على 90 تجربة للصواريخ الباليستية القادرة نظرياً على بلوغ واشنطن، وجمع أكثر من 60 رأساً نووياً من بينها قنابل هيدروجينية وأسلحة ذات رؤوس متعددة قابلة للتوجيه المستقل.
في سبتمبر (أيلول) 2017، أجرى تجربة نووية ضخمة قدر خبراء قوتها بنحو 150 كيلوطناً، أي ما يعادل 10 أضعاف القنبلة التي دمرت هيروشيما عام 1945.
وفي سبتمبر 2022، أعلن كيم أن كوريا الشمالية دولة نووية رسمية بموجب قانون داخلي، مع تحديد الظروف التي يمكن فيها استخدام هذه الأسلحة. وفي سبتمبر 2024، زار علناً منشأة تخصيب اليورانيوم التي تنتج مادة الأسلحة النووية، وهو ظهور استفزازي غير مسبوق في التاريخ الكوري الشمالي.
وأعلن كيم أن كوريا الشمالية تعمل على تطوير غواصة نووية وأسلحة نووية تكتيكية ورؤوس حربية متطورة مصممة لاختراق أنظمة الدرع الصاروخية. هذه التطورات تشير إلى أن كوريا الشمالية تتحرك بثقة نحو امتلاك ترسانة نووية متكاملة ومتعددة الطبقات، وليس مجرد أسلحة استعراضية.
لقاء النرجيسيين الكبيرين
يصعب فهم مشهد كيم مع ترمب دون استحضار السياق الكامل الذي جمع فيه أغرب ثنائي سياسي في التاريخ الحديث. عام 2017، تبادل الرجلان أشد الخطابات العدوانية في الدبلوماسية الدولية المعاصرة، إذ وصف ترمب كيم بـ”الصاروخ الصغير” فرد كيم بأن ترمب “عجوز متهرئ العقل”، وكادت المنطقة تنزلق فعلاً نحو حافة مواجهة عسكرية.
وبالسرعة ذاتها التي اشتعلت بها الأزمة، انتقل الطرفان إلى طاولة المفاوضات.
في يونيو (حزيران) 2018، عقدت أول قمة تاريخية بين زعيم كوريا الشمالية والرئيس الأميركي في سنغافورة، وهي سابقة لم تشهدها العلاقات بين البلدين قط منذ نشأة الجمهورية الكورية الشمالية عام 1948.
وصف ترمب كيم بأنه “رجل موهوب يحب بلاده ويتمتع بشخصية قوية وذكاء”، وهو وصف يبدو أكثر ملاءمة لشريك تجاري ناجح منه لوصف مسؤول مشمول بعقوبات أممية بسبب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
ثم جاءت قمة هانوي في فبراير 2019، التي انهارت بصورة مفاجئة حين رفض ترمب مقترح كيم بتخفيف جزئي للعقوبات مقابل تفكيك جزئي للمنشآت النووية. وخرج الاجتماع بلا اتفاق أو بيان مشترك أو مسار مستقبلي واضح. وفي يونيو 2019، التقى الرئيسان مجدداً على الحدود بين الكوريتين في لقاء عفوي الطابع.
ما استخلصه المحللون من هذه المسيرة الدبلوماسية، أن كيم كان يسعى من البداية لهدفين لا يتنازل عنهما، برفع جزئي للعقوبات الدولية واعتراف ضمني بكوريا الشمالية كدولة نووية شرعية، إلا أنه لم ينجح في أي منهما بصورة كاملة، لكنه نجح في شيء أثمن ربما وهو تقديم نفسه للعالم كند مساوٍ للرئيس الأميركي على طاولة المفاوضات، وهو بحد ذاته اختراق دبلوماسي رمزي ضخم لبيونغ يانغ.
كيم وبوتين: تحالف الضرورة
إذا كانت العلاقة مع ترمب ذات طابع مسرحي دبلوماسي عابر، فإن العلاقة مع فلاديمير بوتين أكثر عمقاً وأخطر في تداعياتها الاستراتيجية.
في يونيو 2024، زار بوتين بيونغ يانغ في زيارته الثانية للبلاد منذ عام 2000، واستُقبل استقبالاً احتفالياً ضخماً. ووقع الزعيمان معاهدة “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” التي تتضمن بنوداً للدفاع المشترك. وفي سبتمبر من العام نفسه، زار كيم منشأة صناعية روسية واطلع على مقاتلات حربية روسية من الداخل، في إشارة إلى عمق التعاون العسكري بين البلدين.
وفق الاستخبارات الكورية الجنوبية، صدرت كوريا الشمالية إلى روسيا أكثر من مليون قذيفة مدفعية منذ أغسطس (آب) 2023، وهو رقم يساوي مجموع ما قدمته دول حلف الناتو مجتمعة لأوكرانيا منذ بداية الغزو.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أرسلت كوريا الشمالية أفراداً عسكريين إلى روسيا قاتلوا ضد أوكرانيا في الخطوط الأمامية تحت القيادة الروسية وبالزي العسكري الروسي. وعام 2025، ارتفع هذا العدد ليصل إلى نحو 15 ألف جندي وفق التقارير المتاحة.
مقابل هذا الدعم العسكري، يحصل كيم على ما يحتاج إليه نظامه من نفط وغذاء وتكنولوجيا عسكرية خارج نطاق العقوبات الدولية، إضافة إلى الحق الدبلوماسي في الفيتو الروسي داخل مجلس الأمن لتعطيل أي قرارات تستهدف بيونغ يانغ.
العلاقة مع الصين
علاقة كوريا الشمالية بالصين توصف عادة بأنها الأهم والأعمق، لكنها في حقيقتها أكثر توتراً مما يبدو على السطح. ساءت العلاقات بصورة ملحوظة في أعقاب التجارب النووية الكورية الشمالية في أعوام 2013 و2016 و2017، حتى إن الصين جمدت استيراد الفحم الكوري الشمالي رداً على ذلك.
أمضى كيم أكثر من خمسة أعوام في السلطة دون أن يزور الصين أو يلتقي بشي جينبينغ، وهو إهمال مقصود استفزازي في بروتوكول العلاقات بين دولتين يربطهما تاريخ طويل من التحالف.
بل ذهب أبعد من ذلك في بداية حكمه، إذ كان يطلق الصواريخ أحياناً تحديداً خلال فترات استضافة بكين لقمم دولية مهمة، في رسالة استفزاز محسوبة أُريد منها التذكير بأن كوريا الشمالية ليست تابعاً مطيعاً.
بدأت العلاقات في التحسن من مارس (آذار) 2018، حين زار كيم بكين في أولى زياراته الخارجية منذ توليه السلطة، ثم تلتها زيارات أخرى.
وفي سبتمبر 2025، سافر كيم إلى بكين للمشاركة في احتفالات الذكرى الـ80 للانتصار في الحرب العالمية الثانية، في أول زيارة له للصين منذ عام 2019، ووقف على المنصة الرئيسة مع شي جينبينغ وبوتين معاً، في مشهد دبلوماسي بليغ الدلالة.
ثروته ونمط حياته
تقدر ثروة كيم الشخصية بنحو 5 مليارات دولار، وإن كان خبراء يرون أن هذا الرقم أقل بكثير من الحجم الحقيقي لثروته. ويمول هذا الثراء الفاحش من مصادر متعددة، أبرزها صندوق دولة سري يشبه حساباً شخصياً للزعيم، يمول من عمليات القرصنة الإلكترونية وبيع الأسلحة وتهريب المخدرات والاتجار غير المشروع.
وتشير تقديرات إلى أن هذه الأنشطة تُدر ما يصل إلى مليار دولار سنوياً. في قلب هذه المنظومة المالية المعقدة يقع ما يعرف بـ”المكتب 39″، وهو الجهاز السري المسؤول عن إدارة هذه الأنشطة وغسل الأموال عبر البعثات الدبلوماسية في الخارج.
نمط حياة كيم اليومي يجسد هذا الثراء في كل تفصيلة، إذ يمتلك أكثر من 17 قصراً وفيلا فاخرة داخل كوريا الشمالية، وأسطولاً من السيارات يتجاوز 100 مركبة أوروبية، تعد أبرزها ليموزين أهداها له بوتين، ومرسيدس مايبخ أس 650 المصفحة، وطراز بولمان أس 600 الذي قد تصل كلفته مع التعديلات الأمنية إلى مليون دولار.
للسفر يستخدم قطاراً خاصاً مدرعاً موروثاً عن والده، يتألف من 21 عربة مطلية بالأخضر الداكن ذات نوافذ معتمة. ويحوي القطار قاعات اجتماعات وأجنحة خاصة وعربات طعام تقدم مأكولات آسيوية وروسية، مع نبيذ فرنسي وجراد البحر وشمبانيا كريستال وكونياك هينيسي. يمتلك أيضاً عدة يخوت، من بينها يخت بطول 80 متراً.
تنفق العائلة سنوياً ملايين الدولارات على سلع فاخرة، من حقائب مصممين إلى ساعات راقية. في الوقت ذاته، يحكم كيم قبضته على اقتصاد بلاده بالكامل، بما في ذلك الموارد الطبيعية التي يُستخرج جانب كبير منها عبر العمل القسري للسجناء.
هواياته بين جبال الألب وقاذفات الصواريخ
كرة السلة الأميركية هي الهواية الأكثر توثيقاً في حياة كيم وأكثرها شهرة على المستوى الدولي. وقعت العائلة في حب هذه الرياضة منذ عام 2000 حين أهدت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت والده كرة موقعة من مايكل جوردان خلال محادثات دبلوماسية في بيونغ يانغ.
ورث كيم هذا الشغف وطوره إلى مستوى دفعه لدعوة نجم الرابطة الوطنية لكرة السلة السابق دينيس رودمان إلى بيونغ يانغ مرات عدة، في ظاهرة لا نظير لها في سياق العلاقات الأميركية – الكورية الشمالية.
الطيران هواية أخرى موثقة بقوة. يمتلك مدارج جوية قريبة من مجمعاته السكنية الخاصة، ويقود الطائرات بنفسه أحياناً. هذا الشغف بالطيران يعود جذوره إلى طفولته حين كان يجمع نماذج الطائرات المجسمة ويعدل لعب الطائرات. في زيارته روسيا عام 2023، أبدى اهتماماً واضحاً حين اطلع على الداخل المكشوف لمقاتلات روسية في مصنع الطيران.
السينما واحدة من هواياته الموروثة، إذ كان والده كيم جونغ إيل معروفاً بجمعه لمكتبة أفلام ضخمة تعد الأكبر في آسيا. وورث كيم هذا الشغف بالأفلام الأميركية والغربية، وهو تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي لنظامه القائم على معاداة الإمبريالية الغربية.
يعشق التزلج على الجليد أيضاً، ويمتلك منتجعات تزلج خاصة في المناطق الجبلية الثلجية من كوريا الشمالية. وهو مدخن شره كوالده وجده، ويعاني داء السكري وارتفاع ضغط الدم، مما يجعل صحته محل قلق دائم في أوساط المحللين الاستراتيجيين الذين يتساءلون عمن سيرث الملف النووي في حال غيابه المفاجئ.
كتاب آنا فيفيلد
في عام 2019، أصدرت الصحافية آنا فيفيلد، مديرة مكتب بكين في صحيفة “واشنطن بوست”، كتابها الذي يعد حتى اليوم من أشمل المحاولات الصحافية الجادة لتشريح شخصية كيم جونغ أون. وصدر الكتاب بعنوان “الخليفة العظيم، الصعود السري وحكم كيم جونغ أون”.
ما يميز الكتاب عن المصادر السابقة أن فيفيلد أجرت مقابلات مع منشقين وزملاء سابقين من المدرسة في سويسرا وباحثين متخصصين ومسؤولين سابقين، بانيةً صورة مركبة لا توظف التنميط المريح.
لا تصور كيم شيطاناً أجوف بلا دوافع مفهومة، ولا تقدمه إنساناً مظلوماً أجبر على دور لم يختره. بدلاً من ذلك، تعمل على فهم المنطق الداخلي لشخصية نشأت في بيئة أفرزت هذا النوع بالتحديد.تطرح فيفيلد في الكتاب أطروحة محورية مفادها أن كيم يسعى إلى أن يكون “ديكتاتوراً تنموياً” من النوع الذي ازدهر في أجزاء أخرى من آسيا، لا ديكتاتوراً ستالينياً تقليدياً. يريد أن يظهر تحسناً في مستويات المعيشة للحفاظ على شرعيته على مدى عقود طويلة، لكن دون أن يفضي ذلك إلى أي إصلاح سياسي يهدد قبضته. وهي معادلة بالغة الدقة وشديدة الهشاشة.
يبقى الكتاب مرجعاً لا يمكن الاستغناء عنه لكل من يريد أن يفهم من هو كيم جونغ أون فعلاً، لا الصورة التي يقدمها نظامه ولا الصورة الشيطانية المختزلة التي تروجها وسائل الإعلام الغربية أحياناً.
عائلته
تزوج كيم جونغ أون من ري سول جو عام 2009، وإن ظهرت علناً للمرة الأولى في مناسبات رسمية فقط في يوليو (تموز) 2012 حين أعلنت وسائل الإعلام الكورية الشمالية خبر زواجهما.
شخصية ري لا يزال العالم يعرف عنها القليل، يعتقد أنها كانت مغنية قبل زواجها، ومظهرها الراقي ولباقتها الاجتماعية في المناسبات الرسمية دفعا المحللين للاعتقاد بأنها تنتمي إلى نخبة بيونغ يانغ العليا. ظهورها العلني بحد ذاته كان سابقة في التاريخ الكوري الشمالي، إذ كان كل من كيم إيل سونغ وكيم جونغ إيل يبقيان زوجاتهما بعيدات عن الأضواء.
للزوجين ثلاثة أبناء وفق تقارير الاستخبارات الكورية الجنوبية، ابن أكبر وابنة وطفل ثالث مجهول الجنس. الابنة كيم جو أي (المولودة نحو 2013) بدأت تظهر إلى جانب والدها في المناسبات الرسمية من مراجعات عسكرية واجتماعات علمية منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2022.
وفي فبراير 2026، قدرت الاستخبارات الكورية الجنوبية أن كيم قد يعدها وريثة للحكم، استناداً إلى حضورها المتصاعد في وسائل الإعلام الرسمية ومشاركتها في زيارة الصين عام 2025، وهو ما يعني أن دولة تحكمها عائلة واحدة منذ ثلاثة أجيال قد تسير نحو جيل رابع.
شقيقته كيم يو جونغ، المولودة عام 1987، تحتل موقعاً رفيعاً في هرم السلطة، إذ تعد المهندسة الفعلية لصورة الزعيم في الإعلام الرسمي، وموجهة كثير من السياسات الداخلية. في عام 2018 شكل ظهورها في الألعاب الأولمبية الشتوية في كوريا الجنوبية انطباعاً إيجاباً مفاجئاً، إذ أبدت أسلوباً متزناً ودبلوماسياً أذهل المراقبين الغربيين، لكن خطاباتها الرسمية الأخيرة ضد كوريا الجنوبية ودول الغرب جاءت بلهجة أكثر تصعيداً وعدائية مما يقدمه أخوها نفسه في بعض الأحيان.
مملكة الصمت المطبق
الصورة من الداخل أشد قتامة بكثير مما توحي به أخبار المفاعلات النووية والقمم الدبلوماسية، فكوريا الشمالية في عهد كيم مجتمع يُدار بواسطة خوف منظم لا يترك هامشاً للتنفس.
أثبتت لجنة تحقيق أممية في تقرير تاريخي صدر عام 2014 أن الحكومة الكورية الشمالية ترتكب انتهاكات ممنهجة وواسعة وجسيمة لحقوق الإنسان ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية. والنظام يبقي الطاعة المتذللة عبر التهديد بالتعذيب والإعدام والسجن والإخفاء القسري والعمل الجبري.
يلزم النظام المواطنين بحضور الإعدامات العلنية، وأفادت تقارير بأن الأطفال يساقون إلى هذه الإعدامات ضمن رحلات مدرسية. ووثق تقرير المعهد الكوري للتوحيد الوطني عام 2023 شهادات منشقين تفيد بأن السلطات نفذت إعدامات علنية لمن انتهكوا قواعد الحجر الصحي خلال الجائحة.
وثقت منظمة كوريا فيوتشر لحقوق الإنسان (Korea Future) 206 مرافق احتجازية موزعة على كل محافظات كوريا الشمالية، مستندة إلى صور الأقمار الاصطناعية وشهادات الناجين. وخلصت إلى أن الغاية من هذا الجهاز العقابي هي “عزل من يهدد سلطة الزعيم الأعلى كيم جونغ أون”.
يجعل قانون حظر “الأفكار الرجعية والثقافة الرجعية” الصادر عام 2020 مشاهدة محتوى كوري جنوبي عقوبتها السجن. وأعدم أشخاص بسبب توزيع موسيقى أو أفلام أجنبية. يتضمن التقرير السنوي لحقوق الإنسان الأميركي لعام 2024 حالات إعدام لأشخاص دينوا بالاستماع إلى بث إذاعي أجنبي بين مارس وأبريل 2023.
يشكل الأمن الغذائي أزمة مستمرة، ففي يونيو 2021 أعلن كيم علناً أن بلاده تواجه شحاً في الغذاء، وحث الشعب على شن “مسيرة شاقة” جديدة، وهي لغة تستحضر بصورة مقصودة مجاعة التسعينيات.
وفي عام 2024، بلغت حدة انعدام الأمن الغذائي مستويات دفعت منظمات أممية لإصدار تحذيرات من خطر المجاعة في مناطق ريفية متعددة.
تضم معسكرات الاعتقال السياسية، وفق تقديرات منظمة العفو الدولية، ما لا يقل عن 100 ألف شخص محتجز في ظروف موصوفة بالجحيم. نظام مدمر خصوصاً يمتد العقاب فيه ليشمل ثلاثة أجيال من عائلة المدان، وهو ما لا نظير له في أي نظام عقابي معاصر.
صحته وخلافته
في أبريل 2020، اختفى كيم عن المشهد العام لـ20 يوماً متواصلة، مما أشعل إشاعات عالمية بأنه إما في حال خطرة أو توفي، ثم عاد ليظهر من جديد دون أي تفسير. وعام 2021، لاحظ المراقبون الدوليون فقداناً ملحوظاً في وزنه يقدر بين 10 و20 كيلوغراماً.
وفي يوليو 2024، أفاد جهاز الاستخبارات الكورية الجنوبية بأن كيم استعاد وزنه وبات يعاني مشكلات صحية مرتبطة بالسمنة، من بينها ارتفاع ضغط الدم والسكري، وأن مسؤولين كوريين شماليين كانوا يسعون إلى الحصول على أدوية جديدة من الخارج. كما لاحظ المراقبون نمو تكتل صغير على خده كان يبدو آخذاً في الكبر.
هذه التقلبات الصحية تجعل مسألة الخلافة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. ففي فبراير الماضي، قدرت الاستخبارات الكورية الجنوبية أن كيم قد يعد ابنته كيم جو أي خليفة محتملة، استناداً إلى ظهورها المتكرر والمتصاعد في الفعاليات الرسمية وزيارة الصين عام 2025.
إذا صح هذا التوجه، فإن ذلك يعني أن دولة تحكمها أسرة واحدة منذ عام 1948 قد تشهد أول حكم أنثوي في تاريخ سلالة كيم، وهو توجه يضيف طبقة جديدة من الغرابة على نظام يعد بحد ذاته من أكثر ظواهر القرن الـ21 غرابة.
عندما يصبح الزعيم إلهاً
من المستحيل أن نفهم كيم جونغ أون دون أن نتناول الطبقة الأيديولوجية العميقة التي يقوم عليها نظامه. “الجوتشيه” أو الاعتماد على الذات، هو الأيديولوجية الرسمية التي أسسها جده كيم إيل سونغ، ومزجت بين القومية الكورية المتطرفة والماركسية اللينينية والاستبداد المقدس في أيديولوجية هجينة فريدة تشبه دين الدولة أكثر مما تشبه الفلسفة السياسية.
عبادة الشخصية في كوريا الشمالية ليست مجازاً أدبياً، بل ممارسة يومية حرفية. ما إن تولى كيم الحكم حتى بدأت صوره تطبع على طوابع البريد، ووزعت ملايين الشارات بصورته. وفي ديسمبر 2023، أعلن كيم رسمياً تخلي كوريا الشمالية عن مساعي إعادة توحيد الكوريتين، وهدم رمزياً قوس التوحيد في بيونغ يانغ، محرقاً بذلك جسراً بنت عليه كوريا الشمالية جزءاً من خطابها التأسيسي لعقود.
أتباع النظام يعلمون منذ الطفولة أن آل كيم يمتلكون صفات شبه إلهية، وأن الولاء لهم واجب ديني قبل أن يكون سياسياً. وأن من يخاطر بحياته لإنقاذ صور الزعيم من الحريق أو الفيضان قد ينال قداسة ما بعد الموت.
ثلاثة عقود بالكاد تفصل بين صبي ريفي كان يركل زملاءه في سويسرا وبين زعيم يرعب المحللين الاستراتيجيين في خمس قارات. ما بين هذين الطرفين قصة صعود بالغة التعقيد، تشتبك فيها القسوة بالذكاء، وتلتقي فيها الوحشية بالبراغماتية الباردة.
كيم جونغ أون ليس شخصية مسرحية أحادية البعد، ولا هو مجرد شرير في رواية أميركية من إنتاج هوليوود. إنه رجل ولد في سياق أفرز هذه الشخصية تحديداً بكل تناقضاتها، ونجح في تحويل ما بدا ورثاً ثقيلاً وبلداً منهكاً ومعزولاً إلى قوة إقليمية حقيقية لا يمكن تجاهلها.
لكن كل هذا البريق الاستراتيجي لا يمكن أن يحجب الحقيقة الأكثر بساطة وأشدها فجاجة، إذ خلف كل ذكاء سياسي يُحتفى به في الصحافة الغربية، يقبع 26 مليون إنسان يدفعون يومياً ثمن بقاء هذا الرجل في عرشه.
يؤكد تقرير “هيومن رايتس ووتش” أن كوريا الشمالية تبقى واحدة من أشد دول العالم قمعاً، إذ يبقي النظام على الطاعة عبر التهديد المنهجي بالتعذيب والإعدام والسجن الجماعي والإخفاء القسري والعمل الجبري.
التاريخ يحكم في نهاية المطاف على القادة بما تركوه لشعوبهم لا بما أخافوا به خصومهم. وإذا كان ميزان التاريخ هو الفيصل، فإن كيم جونغ أون يراكم ديناً باهظ الثمن لا يبدو أنه يكترث بسداده.