بعد غياب طويل اقتحم عزلتي في قرية البودي. لم أكن بحاجة إلى علامات أكبر أو أكثر كيما أتيقن من أنه في مخاض، مثلما رأيته وهو يتهيأ لكتابة رواية “دفاتر القرباط”، فما تلاها.
غير أني انتظرت طويلًا، ربما حتى انتصفت تلك الليلة الشتوية التي تفجر مطرها: وَدَقًا وغَدَقًا ووابلًا وشؤبوبًا. وحين أخذت حبات المطر تنفرط، سمعت خالد كأنما يحدّث نفسه: ستكون لاذقيتي غير لاذقيتكم جميعًا. وهو إذًا في مخاض رواية عن اللاذقية. ولما سألته: ما هذه اللاذقيتكم جميعًا؟ اندفع: لاذقية حنا مينه، لاذقية هاني الراهب وعبد الله عبد، فاندفعت أعدد: لاذقية منذر بدر حلوم وسومر شحادة وعادل محمود. لاذقية الفلسطيني سليم النفار. قاطعني: لاذقيتك أنت منذ رواية “هزائم مبكرة” إلى رواية “جداريات الشام”. قلت: لغير الروائيين لاذقيتهم، ومنها ما هو ضروري للاذقية الروائيين. قاطعني معددًا: لاذقية بوعلي ياسين وإلياس مرقص وجبرائيل سعادة. وفي سهرة أخرى سيضيف: لاذقية غادة السمان ومسعود بوبو وهاشم عثمان، وكان قد بدأ يكتب روايته التي لم تكتمل.
قبل اللاذقية كانت لخالد خليفة “حلبه”: حلب التي تحمل توقيعه. وأذكر أنه حدثني بحماسة عندما كان يكتب “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة” عن حلب وليد إخلاصي ومحمد أبو معتوق وفاضل السباعي. سألته عن حلب فيصل خرتش ونيروز مالك وصباح محي الدين وجان دوست ومها حسن وجورجيت حنوش وخليل الرز وعمر قدور، فقاطعني محتدًا: ونبيل سليمان، لماذا لا تسألني عن حلب فرنسيس المراش؟ لماذا لا تسألني عن حلب فاتح المدرس وسعد يكن ولؤي كيالي؟ حلب القدود والموشحات و… ورأيته يتمتم فجأة كأنما يحدّث نفسه: ستكون حلبي غير حَلَبكم. جميعًا. وقد كانت لخالد (حلبه) حقًا. ليس فقط في رواية “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”، بل أيضًا في “مديح الكراهية” وفي “لم يصلّ عليهم أحد”. غير أن الزمن الحلبي في روايات خالد خليفة هو زمن منقض منذ عقود، يقلّ أو يكثر من رواية إلى رواية، وهذا ما كان أيضًا في رواية “سمك ميت يتنفس قشور الليمون” التي جعلت من سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي في اللاذقية، زمنًا لها.
لم يمهل الموت خالد خليفة ريثما ينهي كتابة هذه الرواية. ومن أسفي أن الرحيل الفاجع للكاتب يلقي بظلاله على قراءة هذه الرواية منذ صدورها، فيعقّد النظر النقدي إليها، بل يحرمها منه، ويحلّ محله الاحتفاء.
من الصور الفادحة للاذقية في هذه الرواية ما رسمت ماريانا: مدينة تتوضأ بالدم كما رآها موسى من مقهى شناتا. ومثل ذلك فيما كتبت منال لموسى: مدينتنا تذهب كل يوم مع القتلة إلى مخادعهم. واللاذقية بعيني منال مقبرة هائلة، ومكان لمرور النعوش. واللاذقية في الأغنية التي كتبتها منال للفرقة هي ابنة الخراب الذي حفرتم – أنتم، أي نحن – أعمدته في زوايا المدينة الأربع.
لمن يريد أن يعرف لاذقية خالد خليفة، تقدم الرواية الفرقة الموسيقية التي تستلهم بوب مارلي وموسيقى الجاز، وهم “شلّة المسوخ” الذين يحاولون أن يبعثوا مدينتهم من الموت. فاللاذقية في هذه الرواية مدينة ميتة، والمدينة الميتة تصخب زورًا وبهتانًا بدعوى غناء منال في الكنيسة شبه عارية، كما تصخب بدعوى أن شباب الفرقة الموسيقية هم شهود يهوه، وهم عبدة الشيطان.
في تأثيث صورة المدينة الميتة تأتي الشخصيات، المحوري منها والثانوي. أما الشخصيات المحورية، فهي أربع، ولكل منها فصلها الذي ترويه بضمير المتكلم. وهكذا يأتي موسى متسربلًا بنسبه الإقطاعي، وبخزي وخذلان حاضره، فعليّة القوم لم يعد لنسبه فيها مطرح بعدما غدت للعسكر. وموسى يتزوج من منال التي يعمل أبوها قوادًا، ومنيةُ شقيقها الذي يحبسها في البيت هي أن يتطوع في المخابرات العسكرية. ولكي تكتمل الصورة المجتمعية الطبقية تأتي شخصية محمود، شقيق موسى والمثقف المتمرد.
يفتتح الرواية سام الذي يفيد من نفوذ عمه اللواء فوزي، وهو معجب بهذا الضابط/ الأخطبوط. وتنتهي علاقته بماريانا التي يئست منه فهاجرت فرارًا مما آل إليه، ومما آلت إليه اللاذقية أيضًا. ومن دائرة سام غسان الماركسي الذي اعتقل مع رفاقه، بينما يخشى هو أي تغيير، فيشعر أنه يخون نفسه حين يجاري في الحديث عن ضرورة الثورة. ويحضر عنوان رواية خالد الكبرى “مديح الكراهية” في خوف سام إذ يتخيل عمه وأعمامه وأباه وأقاربه “مطرودين من جنة الامتيازات بكافة درجاتها”. وإذا كان الكاتب لم يسمّ طائفة سام، فبين من كتبوا مراجعات لهذه الرواية من تحدث عن سام العلوي.
لا تكتمل الصورة الروائية من دون الجدة التي تخصص غرفة لبصاقها على صور القائد، أو الثري الفاسد البخيل الذي تتزوجه ماريانا، أو من دون نعيم وغدير والسادية والبول على السجين الذي مات تحت التعذيب “لأنه يخذلنا بموته، موت الضحية أكبر خازوق للجلاد” و”حين يموت تحت التعذيب نكمل التعذيب حتى يموت ثانية، ونكمل التعذيب والضرب حتى يموت ثالثة، يخذلنا بموته”. وتغتني الرواية أيضًا بهذه التي أدار لها الحبيب ظهرًا بعد عشر سنوات وتزوج صديقتها، فوصمت الرجال جميعًا: كلاب وغنم وأحذية يجب رميها في المزبلة بعد استعمالها. ومثلها هذه التي ستعاقب أهلها بعنوستها، ما داموا يرفضون زواجها ممن تحب. ولا ننسَ المتدينة، أو لميس الطالبة الجامعية التي سلمت للمخابرات عشرات من المعارضين اليساريين، وسُجنت للتمويه. وقد حضرت هذه المخبرة في إهابٍ أو آخر في رواية لمنذر بدر حلوم ورواية لعادل محمود، وفي روايتي “سمر الليالي” (2000). ولميس التي تعبر سريعًا في رواية “سمك ميت يتنفس قشور الليمون” هي “نُثارة” مما غاب عنها من الحراك الشبابي المعارض الذي شهدته مدينة اللاذقية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والمتمثل في اعتقالات الشباب والشابات من الجامعة أو الوظيفة أو الطبابة، وكان أغلبهم وأغلبهن من منتسبي رابطة العمل الشيوعي التي ستتحول إلى حزب العمل الشيوعي، كما كان بينهم من منتسبي الحزب الشيوعي المكتب السياسي وحزب البعث الديمقراطي. فشباب أو شابات اللاذقية لم يكونوا فقط مثل موسى أو سام أو منال أو منعم أو يارا. ولعل خالد خليفة لو أكمل الرواية لما اكتفى بالعبور السريع باعتقال غسان ورفاقه، بينما كانت اللاذقية تكتوي متحديةً الديكتاتورية والأسدية، وأغلب من قاموا ومن قمن بذلك ما زالوا أحياء، ومن هؤلاء وممن رحلوا حسبي أن أذكر في هذا المقام من الحديث عن رواية خالد: عبد العزيز الخير وراتب شعبو وفاتح جاموس ومازن شمين ورنا محفوض وانتصار ميا وفدوى محمود وخديجة ديب وآمال مجارسة وآمال خضور ومقداد عبود وجهاد نعيسة ومنذر خدام وهيثم سليمان وبشير دواي…
ربما يكون من السحرية التي “تُسلفن” بها بعض القراءات روايةً ما أو روايات كاتب(ة) بالجملة، ذلك القول بنبوءة خالد خليفة في روايته الأخيرة، بموته، تعويلًا على حضور الموت فيها، حتى في الأغنية: “الزهور تنمو ذابلة، تقتات من موتنا”.
ومن هذا الحضور الفادح شخصية والد منال، فهذا القواد مغسّل للموتى أيضًا. وعن منال، نقرأ: “كانت تحدّث الموت، تمسك به وتسحبه من يده كطفل صغير مصاب بالرمد”. ويمكن للمرء أن يرى من هذا القبيل حضور الموت في عنوان الرواية، وفيما جاء عن العنوان في الرواية، حيث السمك الميت هو “الشلّة”، وقشور الليمون هي” نحن حين نقاوم الاندثار”.
وكما هي صلة النسب بين موت الإنسان واندثاره، ثمة صلة قد تكون أقوى بين الموت والفقد في هذه الرواية. ولكن للفقد درجات منها ما لا يحتمل، وفي الرواية نقرأ:” لا يمكن احتمال الفقدان”. ومن تلك الدرجات ما يتعلق بالصداقة: غيابًا أو هجرانًا، وليس موتًا بالضرورة. والصداقة أقنوم أكبر وأول من أقانيم شخصية خالد خليفة.
من رواية “حارس الخديعة” التي أربكتها ظلال الشعر، وتمفصل بها انتقالُ خالد خليفة من الشعر إلى الرواية، إلى حفرياته الروائية في التاريخ القريب والبعيد، ومن الريف إلى المدينة، ومن الشهادة الروائية على الزلزلة السورية بعد 2011، من كل ذلك اتقدت تجربة خالد خليفة، وحُقّ لها أن تكون في صدارة المشهد الروائي العربي. أما هذه الرواية التي لم تكتمل “سمك ميت يتنفس قشور الليمون” فتذكرني برواية صدقي إسماعيل الذي رحل قبل أن يتمَّ كتابتها. وهي رواية “الحادثة” التي كان يطمح إلى أن تكون ثلاثية يترامى زمنها بين أربعينيات القرن العشرين والوحدة السورية المصرية في “الجمهورية العربية المتحدة” التي قامت عام 1958. وقد زودتني عواطف الحفار إسماعيل، زوجة صدقي، بمخطوطة “الحادثة” لأعمل عليها وأكتب مقدمة لها، وهذا ما كان، وقد نُشرت الرواية بعدما قامت عواطف بتحريرها. ورواية خالد خليفة التي لم تكتمل، ووجدت من يسميها بالرواية الناقصة، وبالمسوّدة الروائية، تذكرني أيضًا برواية غارسيا غابرييل ماركيز “إلى اللقاء في أغسطس”، وهي التي نشرت في شهر آذار/ مارس 2024، أي قبل رواية خالد بخمسة أشهر. أما التذكّر والتذكير فهو أن رواية ماركيز هذه نُشرت بعد وفاته بعشر سنوات. وقد نشرها ولداه مخالفين وصيته بإتلافها، لأنه لم يكن راضيًا عنها. واحتج الولدان بأن ماركيز لم يكن في وضع يسمح له بالحكم على صلاحية روايته. وقد أعلن الولدان بأنهما لم يقوما بالكثير من التحرير، وأنهما ينشران الرواية وإن يكن ذلك خيانة. أما كريستوبال بترا، وهو محرر روايات ماركيز منذ 2001، فقد قال إن التحدي الأكبر في تحرير الرواية غير المكتملة هو إبداء الاحترام المطلق لعمل ماركيز. وقال الرجل إنه لم يضف كلمة واحدة. ولعل للمرء إذًا أن يتساءل عما فعله؟ هل حذف كلمة واحدة؟ هل قام الولدان بمهمته؟
وبالعودة إلى رواية “سمك ميت يتنفس قشور الليمون” يظل سؤال نشرها شاخبًا، وقد كان خالد خليفة في حياته كما في رواياته يضع الأسئلة في أعلى عليّين، بشجاعة المبدع التي قلّ نظير لها.