ملخص
الواقع أن اللعبة معقدة جداً بين أميركا والصين: شيء من التنافس وشيء من التصارع وشيء مما سماه ستانلي غودار “التواطؤ بين القوى الكبرى” في عقيدة ترمب.
زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ كسفت أضواء الكاميرات المسلطة على الدورة الـ81 للجمعية العمومية للأمم المتحدة. وفي الأساس، فإن موسم الخريف الدولي في نيويورك هو عادة موسمان: واحد للخطابة من أعلى منبر عالمي بأقل قدر من التأثير في مشكلات العالم، وآخر للاتصالات بين المسؤولين في الكواليس، حيث الرهانات العملية. وما يختصر معظم الدورات هو قول داغ همرشولد أهم أمين عام للمنظمة الدولية “إن مهمة الأمم المتحدة ليست إيصال العالم إلى الجنة بل إنقاذه من الجحيم”.
لكن هذه المهمة هي أبرز ما فشلت فيه الأمم المتحدة، فالعالم يغرق في جحيم الحروب والأزمات والصراعات، ومجلس الأمن عاجز عن إنقاذه، لماذا؟ لأن المشكلة في اختلاف الكبار أصحاب حق الفيتو، ثم في اتفاقهم. إذا اختلفوا فلا مجال لصدور قرار يحل مشكلة، وإذا اتفقوا فلا فرصة للإصلاحات المطلوبة في بنية مجلس الأمن وبقية أجهزة الأمم المتحدة التي أقامها الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الثانية لخدمة سيطرتهم. وما أكثر ما تبدل العالم منذ عام 1945 من دون أن يتغير حرف في سيطرة الكبار على إدارة المنظمة الدولية.
ذلك أن في العالم اليوم “ثلاثة أنظمة” كما يقول إيان بريمر في “فورين بوليسي”، الأول هو “النظام الأمني العالمي” الذي لا يزال تحت “هيمنة أميركا”، والثاني هو “النظام الاقتصادي العالمي” الذي صار “متعدد الأقطاب” تشارك فيه أميركا كل من الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي واليابان والهند، والثالث هو “النظام الرقمي العالمي” الذي أصبح “القوة الجديدة” المسيطرة على معظم جوانب حياتنا اليومية، إذ صارت “شركات التكنولوجيا أكثر تأثيراً من الحكومات في تحديد السياسات الاقتصادية والأمنية والثقافية، ونجومها أكثر شعبية من الحكام”، لكن قواعد اللعبة في الأمم المتحدة على حالها.
أي قواعد؟ لا المنصوص عليها في الميثاق الدولي، بل ما هو خارجه مع توظيف الميثاق في خدمة الخروج عليه. فلا دور عملياً لمجلس الأمن الدولي في كل ما يتعلق بالحرب الروسية – الأوكرانية، والحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وحرب الحوثيين مع الشرعية في اليمن وقصفهم السعودية، ومعالجة حرب “حزب الله” مع إسرائيل لإسناد غزة وإيران، وما قادت إليه من احتلال إسرائيلي وسعي رسمي لبناني للتفاوض مع الدولة العبرية، وترتيب الوضع في غزة بعدما دمرتها إسرائيل، وحروب وصراعات أخرى.
أميركا تقوم بالتفاوض مع روسيا لتسوية في أوكرانيا، باكستان وقطر تؤديان دور الوسيط بين أميركا وإیران لمفاوضات الخروج من الحرب، أميركا تجبر مجلس الأمن على إنهاء مهمة “اليونيفيل” في الجنوب اللبناني وتعطي لنفسها دور الراعي في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، و”مجلس السلام” الذي اخترعه الرئيس دونالد ترمب هو، لا مجلس الأمن، من يتولى شؤون الحل في غزة، وأكثر من وسيط يسعى إلى اتفاق ينهي الحرب في اليمن.
وليس أمراً قليل الدلالات أن تصف صحيفة “ليبراسيون” خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام الجمعية العمومية بأنه “مرافعة عن وجود الأمم المتحدة في مواجهة قانون الغاب”، ولا أن يخرق ترمب كل البروتوكول الأميركي في استقبال رؤساء الدول، فيذهب إلى استقبال شي في المطار قبل الاستقبال الثاني الضخم في البيت الأبيض، فاللعبة الكبيرة في العالم اليوم هي بين أقوى قوتين وأكبر اقتصادين: أميركا والصين.
والمؤرخ البريطاني نيال فيرغسون يستشهد بقصيدة للشاعر الإغريقي أسخيلوس جاء فيها: “الثعلب يعرف أشياء كثيرة، لكن القنفذ يعرف شيئاً واحداً فعالاً”، ويقول: “في عالم اليوم قوتان عظميان هما أميركا والصين، أميركا هي الثعلب والصين هي القنفذ”. وإذا كانت “سياسة أميركا مبعثرة وتتحرك على مستويات عدة، فإن سياسة الصين هي ربط كل شيء برؤية داخلية موحدة شاملة لا تتغير”.
والواقع أن اللعبة معقدة جداً بين أميركا والصين: شيء من التنافس وشيء من التصارع وشيء مما سماه ستانلي غودار “التواطؤ بين القوى الكبرى” في عقيدة ترمب. شي جينبينغ يستبعد نشوب حرب بين القوتين العظميين، ويتحدث عن تجاوز “فخ ثوسيديديس”، أي حرب القوة المكرسة على القوة الصاعدة كما فعلت أثينا ضد إسبرطة. وترمب الذي يتصرف كأنه في صراع كوني تحذره جسيكا تشن ويس من “الفخ الصيني” الذي تقع فيه أميركا عبر “معاكسة جهود الصين في العالم من دون إجماع داخلي وتقدير ما تريده الحكومات المحلية والمجتمعات”.
رئيس صيني مكيافيللي هادئ يعرف إلى أين يقود بلاده ويطبق وصية معلمه دينغ شياو بينغ “عبور النهر مع تلمس الصخور”، ويرى أنه لم يعد مضطراً إلى ممارسة الوصية الثانية وهي “خبئ قوتك وانتظر وقتك”، فالوقت جاء، ورئيس أميركي صاخب كثير الكلام ونرجسي يمزج بين الحروب والسلام، ولا مثيل له بين كل الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض، وبينهما يقف رئيس متحالف مع شي ومنفتح على ترمب يخوض حرباً طويلة في أوكرانيا، ويهدد بحرب على “الناتو” في أوروبا، هو الروسي الماكر فلاديمير بوتين، والعالم ومشكلات الأمم المتحدة وعجزها بين أيدي الثلاثة.
