في الوقت الذي تتعرض فيه إيران لضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية غير مسبوقة، وتتراجع قدرة حلفائها في المنطقة على توفير الحماية والردع لها، تبدو إسرائيل مع ذلك قلقة من احتمال أن تبادر طهران إلى شن هجوم جديد عليها. وهذه المفارقة تطرح السؤال الأساسي: لماذا قد تختار إيران، وهي في موقع أضعف، الدخول في مواجهة تعرف مسبقاً أن إسرائيل سترد عليها بقوة؟
الإجابة الإسرائيلية لا تقوم على تقدير بأن إيران استعادت تفوقها العسكري، بل على احتمال معاكس تماماً: أن يؤدي تراجع القوة الإيرانية إلى جعل القيادة في طهران أكثر ميلاً إلى المخاطرة. فعندما تبدأ الضربات الإسرائيلية إصابة أدوات النفوذ الإيراني واحدة تلو الأخرى، يصبح الامتناع عن الرد مشكلة بحد ذاته، لأن استمرار عدم الرد قد يعني، بالنسبة إلى طهران، انهيار صورة الردع التي بنت عليها نفوذها الإقليمي.
وهنا تحديداً تكمن الإشكالية. هل يؤدي إضعاف إيران إلى ردعها، أم إلى دفعها نحو التصعيد؟ وهل يمكن أن يتحول الضغط الذي تمارسه إسرائيل على إيران إلى عامل يدفع النظام الإيراني لـ”الهروب إلى الأمام” عبر هجوم مباشر، بدلاً من دفعه إلى التراجع؟
هذا السؤال لم يعد افتراضاً نظرياً بالكامل. ففي جنوب لبنان، أقدمت إسرائيل على السيطرة على منطقة علي الطاهر وتدمير بنية تحتية تحت الأرض تابعة لـ”حزب الله“، رغم أن إيران كانت قد حذرت، وفق ما نقلته “رويترز”، من أن مهاجمة الموقع ستستدعي رداً إيرانياً. لكن الرد لم يأتِ بالمستوى الذي كانت طهران قد لوحت به.
تكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تختبر عملياً حدود الردع الإيراني. فإذا كانت إيران غير قادرة أو غير راغبة في تنفيذ تهديداتها عندما تضرب إسرائيل أحد مواقع حليفها الأساسي، فإن الرسالة لا تصل إلى “حزب الله” وحده، بل إلى بقية حلفاء إيران وخصومها أيضاً: هل ما زالت طهران قادرة على حماية الخطوط التي ترسمها؟
عندما تبدأ الضربات الإسرائيلية إصابة أدوات النفوذ الإيراني واحدة تلو الأخرى، يصبح الامتناع عن الرد مشكلة بحد ذاته، لأن استمرار عدم الرد قد يعني، بالنسبة إلى طهران، انهيار صورة الردع التي بنت عليها نفوذها الإقليمي.
