تبقى مُساءَلة ما حدثَ في سوريا خلال سنوات الثورة والحرب سؤالاً حاضراً لا يمكن تجاوزه، في ظل ما تَعرَّضَ له الشعب السوري من مختلف أشكال الظلم والعنف والتجارب القاسية التي تركت أثراً عميقاً في حياة السوريين وذاكرتهم، وهو أثرٌ لا يمكن أن يزول بسهولة.

لا تقتصر هذه المُساءَلة على بُعدها العلاجي أو النفسي، بل تحمل أيضاً سؤالاً سياسياً: كيف نستعيد ذاكرتنا بعد رحيل الظالم؟ وكيف نواجه الماضي بعد سقوط النظام؟ وهل يمكن استعادة هذه الذاكرة بما يحقق العدالة ويمنع تكرار المأساة؟

ضمن هذا الأفق يطرح فيلم «استحبس -If Only the Year Had 364 Days» هذه الأسئلة، من خلال حكاية ذاتية يرويها المخرج المراد الديب، مُستنِداً إلى تجربة عاشها بنفسه مع مجموعة من أصدقائه، ليجعل من تجربته الشخصية مَدخلاً لمُساءَلة الاعتقال والاختفاء القسري في سوريا.

تبدأ الحكاية عام 2013، عندما يظهر شخص غريب ليعتقل المراد وأحد أصدقائه ويقتادهما إلى فرع الأمن العسكري (215) في كفرسوسة. وهناك يكتشف أن جميع أصدقائه الذين شاركوا في تنظيم المظاهرات قد اعتُقلوا أيضاً.

يسرد الفيلم تفاصيل الحياة داخل المعتقل، من الإذلال اليومي والطعام والتحقيق والتعذيب والإهمال الطبي، وصولاً إلى موت عدد كبير من المعتقلين داخل السجن. تنتهي تجربة الاعتقال هذه بنجاته هو وأحد أصدقائه، ثم خروجهما من سوريا وسفرهما إلى أوروبا، بينما لم يَنجُ الجميع؛ إذ استشهد بعضهم، وما يزال مصير آخرين مجهولاً حتى اليوم.

أما القسم الثاني من الفيلم، فيبدأ بعد سقوط النظام، وهو التحوُّلُ الذي يُمهِّدُ له الفيلم عبر مشاهد وثائقية لسقوطه وتحرير السجون. يعود المراد الديب إلى دمشق، ويسير في الشوارع التي اعتُقِلَ منها، ثم يدخل إلى فرع الأمن العسكري الذي احتُجِزَ فيه ليصور الزنازين وقد أصبحت فارغة. كما يزور منازل أصدقائه الذين اعتُقِلوا معه، مستحضراً ذكراهم، ومتسائلاً عن معنى مواجهة هذا الماضي في غياب العدالة الحقيقية، وفي ظل استمرار غياب الحقيقة حول مصير كثيرين.

تُروَى الحكاية بلسان المخرج نفسه، وبأسلوب ذاتي شديد البساطة، يبتعد عن الشعارات والخطابة والجمل الكبرى، ويكتفي بوصف تفاصيل التجربة كما عايشها. هذه البساطة تمنح الفيلم قوته، إذ تترك للذاكرة أن تتكلم بنفسها، وللتفاصيل الصغيرة أن تكشف حجم المأساة.

يصبح الفيلم، بعد سقوط النظام، محاولة لاستعادة الذاكرة من داخل الأمكنة نفسها: من السجون التي أُفرِغَت، ومن الشوارع التي شهدت الاعتقال، ومن بيوت الأصدقاء الذين غابوا. وهو أيضاً إعلان للحزن، ذلك الحزن الذي كان التعبير عنه، شأنه شأن الحديث عن الضحايا، فعلاً ممنوعاً طوال سنوات.

البنية السينمائية والذاكرة

تقوم البنية السينمائية للفيلم على خطين سرديين متوازيين يتكاملان في إنتاج المعنى: السرد الصوتي، والسرد البصري.

يعتمد السرد الصوتي على صوت المخرج، الذي يروي حكايته بنبرة هادئة وخافتة، بعيدة عن الانفعال أو الخطابة. إلا أن هذا الهدوء لا يعني الحياد؛ فالصوت يبدو مُثقَلاً بصعوبة استعادة الذكريات، سواء تلك المتعلقة بتجربة الاعتقال نفسها أو باستحضار الأصدقاء الذين استشهدوا أو ما يزال مصيرهم مجهولاً. ومن خلال هذا السرد تَتولَّدُ مجموعة من الأسئلة التي لا يُصرِّح بها الفيلم مباشرة، وفي مقدمتها سؤال ذنب النجاة؛ ذلك الشعور الذي يُرافق الناجين من الكارثة، ويجعل فعل التذكُّر نفسه عبئاً أخلاقياً.

ويترافق هذا السرد الصوتي مع بناء بصري يقوم على لقطات طويلة وثابتة، تتحرك فيها الكاميرا ببطء شديد. يبدأ الفيلم بصورة لإحدى محطات المترو في أوروبا، في إشارة إلى المكان الذي يعيش فيه المخرج اليوم، وإلى المسافة الزمنية والجغرافية التي تفصل الراوي عن حكايته. ثم ينتقل تدريجياً إلى دمشق، حيث تُصوَّر الشوارع والأماكن التي يرويها السرد الصوتي.

لا تعرض الصورة الأحداثَ نفسها، بل تعرض الأمكنة بعد انقضاء الحدث. إنها أماكن فارغة، صامتة، خالية من البشر، بينما يملأها الصوت بذكريات الاعتقال والتعذيب والموت. ومن خلال هذا التناقض بين الصورة والصوت يفتح الفيلم مساحة واسعة لمخيلة المتلقي، الذي يصبح مدفوعاً إلى تَخيُّل ما جرى داخل هذه الأمكنة التي تبدو اليوم ساكنة وخالية.

هذا البُطء في الإيقاعين البصري والصوتي يُحاكي ثقل تجربة الاعتقال نفسها؛ الإحساس بانعدام الزمن، وضيق المكان، وغياب المستقبل، وهي التجربة التي عاشها المعتقل داخل السجن. وعلى الرغم من أن المُشاهِد يعرف منذ البداية أن الراوي قد نجا، فإن السرد يحافظ على توتره، لأن السؤال لا يتعلق بمصير المخرج وحده، بل بمصير أصدقائه الذين يرافقونه داخل الحكاية، والذين لا يزال كثير منهم مجهولي المصير.

يشكل مشهد سقوط النظام نقطة التَحوُّل الأساسية في البناء السينمائي. للمرة الأولى يغادر الفيلم إيقاعه البطيء، لينتقل إلى لقطات سريعة مهزوزة التقطتها كاميرات الهواتف المحمولة أثناء لحظة تحرير السجون. هنا تنتقل الكاميرا من ثباتها السابق إلى حركة عفوية تنتمي إلى الناس أنفسهم، فتجسد نشوة تلك اللحظة وفرحتها، وتمنح المتلقي متنفسًا بعد الاختناق الذي صنعه القسم الأول من الفيلم.

غير أن هذا المُتنفَّس لا يتحول إلى احتفال بالنصر. فالقسم الثاني، وإن حافظَ على البُطء في السردين الصوتي والبصري، ينتقل إلى مزاج مختلف؛ أكثر هدوءاً، لكنه أيضاً أكثر حزناً. يعود المخرج إلى دمشق، ويتجول في الشوارع التي اعتُقل منها، ويدخل إلى فرع الأمن العسكري، ثم يزور منازل أصدقائه التي امتلأت بصورهم وبمحاولات عائلاتهم تخليد ذكراهم، وهنا يتحول الفيلم من استعادة الماضي إلى مساءلة الحاضر؛ إذ إن سقوط النظام لم يؤدِ بالضرورة إلى كشف الحقيقة أو تحقيق العدالة.

سؤال الفيلم المركزي: لماذا تُروَى هذه الحكاية اليوم؟

يتجاوز السرد المستوى العلاجي أو الاعتراف الشخصي، نحو موقف سياسي وأخلاقي يؤكد أن العدالة شرطٌ أساسيٌ لأي مُصالحة مع الماضي. فلا يمكن الاحتفال بينما لا يزال آلاف المعتقلين والمغيبين قسراً مجهولي المصير، ولا يمكن للفرح أن يكتمل في غياب الحقيقة.

لهذا يدعو الفيلم، من خلال مزاجه الهادئ ونبرته المتأملة، إلى الاعتراف الجماعي بالحزن. إنه يقترح أن تتحول البلاد كلها إلى مساحة عزاء مشتركة بهدف استعادة إنسانية الضحايا، والاعتراف بحجم الظلم الذي تعرض له السوريون.

ومن هنا تصبح الذاكرة فعلاً سياسياً بامتياز. فهي لا تستعيد الماضي من أجل اجتراره، بل من أجل بناء مستقبل مختلف. فالعدالة التي يطالب بها الفيلم تبدأ بكشف مصير المعتقلين والمغيبين قسراً، لكنها لا تنتهي عند ذلك؛ بل تمتد إلى منع تكرار المأساة، ومنع إعادة إنتاج منظومات العنف والاستبداد.

لهذا لا يقتصر الفيلم على توثيق الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد، بل يتجاوز ذلك إلى توجيه تحذير أخلاقي للمستقبل. فالمظلومية لا تمنح أحداً حقَّ إنتاج مظلومية جديدة، والضحايا لا ينبغي أن يتحولوا إلى مبرر لظلم آخر. بهذا المعنى، يصبح استحبس فيلماً عن مسؤولية الذاكرة وسعيها نحو العدالة.

افتتح الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان فيزيون دو ريل ضمن المسابقة الرسمية Burning Lights، ثم شهد عرضه الألماني الأول في مهرجان ميونخ السينمائي الدولي ضمن المسابقة الرسمية CineRebels، حيث حصد جائزة الجمهور عن فئة الأفلام الدولية، وبدأ مؤخراً جولة من العروض في سوريا، ابتداءاً من دمشق يوم السبت الماضي تزامناً مع اليوم العالمي للمختفين قسراً.

الفيلم مُهدى إلى كلٍّ من: عماد الدين غنم ورودين عجك وعامر ظاظا وفايز الأيوبي وقصي برهان ومعاذ برهان ومحمد الطيب عجك.