بعد أكثر من سبعة عشر عامًا من المنع، عرض “صالون دمشق السينمائي” لأول مرة في سورية الفيلم الروائي “الليل الطويل” الذي أُنتج عام 2009، حين كان الحديث عن المعتقلات والسجون في ظل نظام الأسدين الأب والابن من المحرمات والمحظورات التي تودي بصاحبها إلى زنازين العتمة والعذابات التي لا تنتهي. وهو من تأليف هيثم حقي، وإخراج الراحل حاتم علي، وذلك بمناسبة ميلاد علي وتكريمًا له، واستذكارًا وتحية لأحد أبطاله، الفنان الراحل خالد تاجا، أحد أباطرة الدراما والسينما السورية، الذي تعرّض لانتهاكات جسيمة أثناء اعتقاله في بدايات الثورة السورية لتأييده المعلن لها ومشاركته في المظاهرات.
قدّم الفيلم صورة حقيقية قاتمة وموضوعية لسورية في أثناء حكم البعث، وصولًا إلى ما بعد وعود “الإصلاح والتطوير والتحديث” التي ادّعاها نظام الأسد الابن، وبعد “ربيع دمشق” الذي انتهى خلال أشهر بشن حملة قمع واسعة، أُغلقت إثرها المنتديات الفكرية والسياسية، وتمّ اعتقال مجموعة كبيرة من أبرز قادته ومثقفي هذا الحراك، الذي وصفه البعض بـ”العقد الضائع”.
ناقش الفيلم ملف الاعتقال السياسي، أكثر الملفات إيلامًا وتراجيدية في المذبحة السورية، ومأساة السجناء السياسيين، والأثر النفسي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي المدمِّر الذي تتركه سنوات مصادرة الحريات والتعذيب والإذلال والإهانة عليهم وعلى عائلاتهم، التي تتعرّض للتنكيل والتضييق الأمني، وتدفع أثمانًا باهظة لقاء معارضة ربّ الأسرة للاستبداد.
منذ دخولك إلى مكان العرض- “صالة غاليري زوايا” في القصاع في دمشق- تطالعك صورة كبيرة على الشاشة لمخرجه الراحل، يبدو فيها وكأنه يرحّب بالحاضرين وبمؤلفه هيثم حقي، ويدعوهم إلى التأمل في هذا المُنتج السينمائي الذي يحاول قول ما يجب أن يُقال، والذي أيقظ عند الجميع الكثير من الشجون والأحزان والذكريات المؤلمة.
تدور أحداث هذا الليل السوري الطويل بالكامل في ليلة واحدة، تتسلل الكاميرا فيها خلف أسوار السجن، تلتقط أحاديث ومشاعر وحياة أربعة سجناء قضوا عشرين عامًا من عمرهم فيه، وتغوص في حالاتهم النفسية وارتباكهم عندما يأتيهم خبر الإفراج عن ثلاثة منهم (خالد تاجا – حسن عويتي – سليم صبري)، وبقاء رابعهم (نجاح سفكوني) داخل هذا المكان الموحش من دون أي تفسير أو مبررات. يُفرج عنهم تباعًا بعد مساومات باءت بالفشل تسعى لتشغيلهم كمخبرين، وهذا ما كان يمارسه النظام الأسدي دائمًا عند الإفراج عن معتقلين سياسيين. وتبدأ رحلة شاقة لـ”أبي نضال” (خالد تاجا)، الذي يدور معظم الفيلم حول تداعيات خبر خروجه من المعتقل على أولاده الذين انخرط بعضهم في لعبة مساومات رخيصة لتأمين مصالحهم الشخصية، وارتكبوا أخطاء كبيرة لا يمكن أن يغفرها الأب، بينما بقي الابن الأصغر “كفاح” (باسل خياط) محافظًا على مبادئه وأخلاقه وثوابته في الحياة التي ترفض الانتهازية والوقوف إلى جانب الجلاد، ومُتهمًا إخوته بالخيانة في مقابل مصالح ضيقة. نتعرّف على ردود أفعالهم وهم ينتظرون وصول والدهم إلى المنزل، حيث يعيشون حالة من الخوف والارتباك والتناقضات، وتدور محاكمة لسلوكياتهم على مدى عقدين من الزمن، تزوّجت خلالهما الابنة “عروبة” (أمل عرفة) من ابن مسؤول نافذ في السلطة رغم معارضة والدها لهذا الزواج، ومباركة أخيها الأكبر “نضال” (زهير عبد الكريم)، المحامي الذي استطاع أن يفتح مكتبًا وينجح في كل مرافعاته بواسطة هذا المسؤول (رفيق السبيعي)، والذي لم يهتم أبدًا بقضية والده، بل حمّله المسؤولية عن اعتقاله، واتهمه بالأنانية وعدم الاهتمام بأسرته عندما عارض النظام الذي يؤيده هو ويدافع عنه. بينما يعيش “ثائر” (حاتم علي)، أحد الأبناء، منذ زمن بعيد في فرنسا بعد أن تزوّج من ابنة رفيق والده في المعتقل “كمال” (سليم صبري)، ويفرح فرحًا غامرًا بخبر الإفراج عن أبيه وعن والد زوجته.
| حاتم علي خلال تصوير فيلم “الليل الطويل” |
يتجوّل “أبو نضال” طويلًا في شوارع دمشق، يتأمّل زحام الشوارع والتغيرات التي طرأت على المدينة وأناقة المحال التجارية والسيارات الحديثة والمفروشات الفاخرة. بينما تعود الكاميرا إلى “حسن” (نجاح سفكوني)، الذي يعيش حالة هذيان محزنة وحيدًا في سجنه، ويردّد في مشهد مسرحي بديع جملًا من مسرحية “العاصفة” لوليام شكسبير: “ما بالكم تشتهون أن تكونوا كالفطائر في منتصف الليل، وتترقبون بابتهاج انبلاج الصباح. فلقاء تخاذلكم يا سادتي الصغار أخذت شمس الضحى تتباطأ. أما أنا فرجل مظلوم أكثر من كونه ظالمًا. عقلي بدأ يصيبه الخبل”. وقبل هذا المشهد الأخير في الفيلم، يتوجّه “أبو نضال” إلى بيته القديم، لكنه يغادر الحياة ممدّدًا تحت شجرة معمّرة بين أوراق الخريف قبل الوصول إليه، في موت مجاني ونهاية تراجيدية تحمل دلالات رمزية عميقة، وتشير إلى موت الماضي والمبادئ بعد تشويهها واستبدالها بالانتهازية والتصفيق للقاتل، وإلى حالة الاغتراب العميقة التي يعيشها المعتقل خارج القضبان، وربما تشير أيضًا إلى انتهاء دور هذا الجيل في ظل واقع سياسي واجتماعي محبط وقاسٍ.
كان الزمن أحد الأبطال الحقيقيين في هذا العمل السينمائي، فالسجن لا ينتهي عند بوابته الأخيرة، بل يستمر خارجها في كل مكان، وفي العلاقات والذاكرة والقدرة على التأقلم مع المجتمع واستعادة الحياة، والحرية لا تتحقق بمجرد الخروج منه، بل بالاندماج بالمحيط والأسرة وتحدّي الصعوبات والندوب العميقة. وقد استطاع تقديم شخصيات إنسانية متنوعة، لكل منها موقفه الخاص من الخوف والحرية والمصير والمستقبل، وصوّر ببراعة قسوة التجربة الإنسانية داخل معتقلات الأنظمة الاستبدادية، لكنه في الوقت نفسه دعا إلى التمسك بالأمل بالرغم من الخذلان والخيبات. وأشار إلى آلية المساومة التي يتعرّض لها المُفرج عنهم ورفضهم للعمل كمخبرين لدى النظام، وإلى المسافة بين عالمين متناقضين، وذلك في مشهد بصري بسيط حمل دلالات كبيرة، هو مشهد لقطة النافذة التي وقف خلفها السجناء بانتظار إجراءات إطلاق سراحهم، بينما يواصل الناس حياتهم في الخارج مسرعين مقبلين على أعمالهم، وعندما تُفتح الأبواب الحديدية يخرج كل منهم بطريقته: أحدهم يركض نحو الحرية، وآخر يمشي بتردد، والثالث يقف للحظات وكأنه لا يصدّق ما جرى.
ركّز “الليل الطويل” أيضًا على آثار الزمن والقهر والاضطهاد وغياب الكثير من المبادئ التي ناضل أبطاله من أجلها، ونسيان قضيتهم من قبل أسرهم والمجتمع، فالحياة لم تنتظرهم، والأيام مضت مسرعة بلا استئذان، وكل شيء قد تغيّر. كما تعقّب مصائر المُفرج عنهم ومصير السجين الذي بقي حبيس جدران سجنه، وكأنه يقول إن الاعتقال السياسي ما زال مستمرًا، والألم ما زال يزداد ويتصاعد.
الفيلم عمومًا ليس عن المعتقلين فقط، بل عن سورية بالكامل، وعن الإجرام الذي سادها أيام النظام البائد منذ السبعينيات وما بعدها، وعن الظلم واستباحة كرامات الناس والنهب والفساد. وقد اختار النص فيه مسارًا سرديًا بسيطًا، هو أقرب إلى بنية الكتابة التلفزيونية التي تستفيض في الشرح والتوضيح للمواضيع والأحداث، ولا تترك مساحة كافية للتأويل والتأمل والتساؤلات. وكانت أسماء أبناء أحد المعتقلين فيه (نضال، عروبة، كفاح، ثائر) ليست مصادفة أبدًا، بل أداة مقاربة درامية تحمل دلالات تعكس مبادئ الأب التي آمن بها طوال حياته، ودفع أثمانًا باهظة من عمره وعمر عائلته من أجلها، وجاءت رمزًا للكفاح المستمر ضد الظلم والاستبداد، وترسيخًا للهوية القومية والانتماء.
كانت اللغة السينمائية متوافقة مع المضمون طوال فترة عرض الفيلم، فالكاميرا لا تستعجل الأحداث، واللقطات الطويلة، والإيقاع الهادئ البطيء عمومًا، والإضاءة الخافتة المائلة للسواد، واللون الأزرق القاتم، ساهمت في صناعة حالة شعورية عميقة أكثر من سعيها لبناء حبكة تقليدية.
حافظ المخرج حاتم علي في هذا الفيلم على الحساسية الشاعرية التي عُرف بها في أعماله الدرامية الهامة، رغم اختفاء الألوان الدافئة والإضاءة الحميمة، وهذا يتناسب مع مضمون العمل ولون سورية في تلك المرحلة المظلمة المتشحة بالسواد. واستخدم لغة بصرية هادئة عبّرت بوضوح عن مشاعر عميقة استطاع الممثلون تجسيدها في مشاهد مبهرة، وهذا ما أضاف إلى العمل صدقًا وجدانيًا عميقًا وعمقًا دراميًا كبيرًا.
لكن ينبغي أن يُقال أن الفيلم واجه العديد من الانتقادات بعد عرضه سابقًا في أماكن مختلفة من العالم، فقد غلبت عليه بنية وتقنية الدراما التلفزيونية التي برع فيها المخرج الراحل من حيث الشكل والصورة، ولم يرتقِ تمامًا إلى لغة السينما البصرية المحترفة التي تتطلب أدوات مختلفة عن المسلسلات التلفزيونية؛ إضافة إلى البطء في الأحداث والمشاهد الطويلة غير المبررة دراميًا أحيانًا، والتي جعلت المشاهد يشعر بالرتابة، لكنه في الوقت نفسه يشعر وكأنه يعيش مع السجناء في معتقل مغلق وموحش.
كان هناك بعض النمطية في تناول الشخصيات الأربعة الأساسية في العمل، ولم يتم تقديم خلفياتهم السياسية بالعمق الكافي، وربما يعود ذلك إلى الاهتمام فقط بالآثار النفسية والزمن المهدور بدلًا من توضيح سياق الصراع السياسي.
اتسم العمل في الكثير من مشاهده بالسوداوية والكآبة، ومزج بين الواقعية والرمزية في أسلوب التصوير. وقد قال بعض النقاد إن خبرة حاتم علي التلفزيونية طغت على جماليات الفيلم، الذي ذكرنا به كتلفزيوني وليس كسينمائي.
لكن، وبالعموم، فإن العمل مشغول بجدية وحب وإتقان، ومكتوب بصدق والتزام إنساني عميق، وقد حصد أكثر من 15 جائزة في مهرجانات سينمائية دولية وعربية، أبرزها: الجائزة الكبرى (الثور الذهبي) في مهرجان تاورمينا السينمائي في إيطاليا، وجائزة أفضل فيلم وأفضل إخراج في مهرجان أوسيان سيني فان للسينما الآسيوية والعربية في الهند، وشهادة تقدير من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في مصر، ونال تنويهًا خاصًا من لجنة تحكيم الفيلم العربي في روتردام في هولندا.
وقد صرّح مؤلفه هيثم حقي في نهاية عرضه قائلًا: “شعرتُ بارتباك كبير. لم أعد أعرف إن كان عليّ أن أفرح لأن الفيلم يُعرض اليوم بدمشق، أم أحزن لأن حاتم علي ليس بيننا. هو ابني الفني. عملنا معًا في أكثر من محطة، لكن غيابه يبقى مؤلمًا جدًا”.
كان الليل طويلًا وثقيلًا جدًا في سورية خلال أكثر من خمسة عقود، لكن الصباحات هي الأقوى والأبقى، وإن تأخرت وضلّت طريقها إلى حين… ولا بدّ لليل أن ينجلي.