الدكتور محمد نور الدين .. كاتب لبناني
تجهد تركيا كي لا تتورّط في الحرب الدائرة منذ أشهر بين الولايات المتحدة وإيران، مدرِكةً أن أيّ «دعسة ناقصة» قد تكلّفها الكثير. غير أن قرار الولايات المتحدة تشديد عقوباتها على الجهات المتعاونة اقتصادياً مع طهران، قد لا يبقي لأنقرة هامشاً واسعاً للمناورة. وبالفعل، كان من بين أولى الجهات التي طاولتها العقوبات الأميركية الجديدة، بنك تركي يُزعم ارتباطه بـ«الحرس الثوري الإيراني»، هو «غولدن غلوبال للاستثمار»، الذي يتّخذ من إسطنبول مقرّاً له. كما فُرضت عقوبات على شركتَين متفرّعتَين من البنك المذكور، هما «غولدن غلوبال لإدارة المحافظ» و«غولدن غلوبال لتأجير الأصول»، ادّعت وزارة الخزانة الأميركية أنهما وفّرتا لطهران «وصولاً مصرفياً بالغ الأهمية يسمح لها بتحويل أموالها دولياً». وبحسب الوزارة، فإن «البنك التركي تأسّس لتحويل عائدات النفط الإيرانية المَبيع للصين إلى تركيا، ومن ثمّ تحويلها إلى نقد أو ذهب من قِبل مكاتب صرافة لصالح مؤسّسات مالية إيرانية تابعة لفيلق القدس التابع للحرس الثوري. كما قدّم خدمات مصرفية مراسلة لمؤسّسات مالية إيرانية».
من جهته، نفى «غولدن غلوبال»، الذي تأسّس عام 2019 في إسطنبول، المزاعم الأميركية، مؤكداً أنه «يحترم جميع اللوائح والأصول ومتطلّبات الامتثال المصرفية المحلّية والدولية المعمول بها». كما أوضح البنك، الذي يُعدّ أوّل مصرف استثماري في تركيا يمارس جميع أنشطته وفقاً لمبادئ التمويل غير الربوي. وتبلغ أصوله نحو 13 مليار دولار، أن «كلّ الأسماء الواردة في قرار العقوبات لا علاقة لها بالبنك، وليست من عملائه». وعلى خلفية هذا الأخذ وهذا الردّ، دخل السفير الأميركي في تركيا، توم برّاك، على خطّ طمأنة تركيا، مبيّناً أن «هذه العقوبات تستهدف أنشطة مؤسّسة واحدة، وليس دولة أو نظاماً مصرفياً أو حليفاً». وأشار إلى أن «وزارة الخزانة الأميركية كانت على اتصال مباشر ومستمرّ مع نظيرتها التركية طوال هذه العملية، معتبراً أنه «سيكون من الخطأ الفادح تفسير هذا الإجراء على أنه حكم ضدّ تركيا، سواء في واشنطن أو أنقرة». لكنه لمّح إلى شبهات في النظام المصرفي التركي، قائلاً إنه «من مصلحة تركيا أن يكون نظامها المصرفي نظيفاً وموثوقاً به ومُحصّناً ضدّ الاستغلال»، مضيفاً أنه «لا توجد دولة أخرى لديها مصلحة أكبر من تركيا، في منع استخدام مؤسّساتها لأغراض لا توافق عليها الحكومة مطلقاً».
ثمّة مخاوف من أن تؤدّي العقوبات إلى تكبيل الحركة المصرفية وتباطؤها
لكن رغم «تطمينات» برّاك، فإن مشروع العقوبات الأميركية على الشركات المتعاونة مع إيران، قد يتحوّل، وفقاً للباحث محمد أوغوتشو، إلى «صدمة اقتصادية واستراتيجية لتركيا. فالتصعيد المتزامن للعقوبات على إيران، كما روسيا، لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه ارتفاع في أسعار الكهرباء والنفط والغاز الطبيعي فقط، بل هو يطاول كلّ الخدمات المتّصلة بتلك الموارد». واعتبر أوغوتشو أن «فرض عقوبات على مصرف تركي، هو رسالة إلى المصارف الأخرى التي ستلجم سلوكها، وتمتنع عن أيّ معاملات قد ترى فيها مخاطر فرض عقوبات. وهذا سوف يؤدّي إلى تكبيل الحركة المصرفية وتباطئها والحدّ من نمو القطاع واستثماراته». ورأى أن «مشكلة تركيا أنها مُحاطة ببلدَين مهمَّين لها على صعيد الطاقة: روسيا من الشمال، وإيران من الجنوب. فتركيا تستورد جزءاً كبيراً من النفط الخام والغاز الطبيعي من روسيا، وأيّ عقوبات على شركات نفط تتعامل مع روسيا ومع إيران، سوف تنعكس ارتفاعاً كبيراً في تكاليف الطاقة. وحتى لو حاولت تركيا أن تستعيض عن الغاز والنفط الروسيَّيْن، فلن يكون ذلك من دون تكلفة باهظة، ولا سيما نظراً إلى خدمات النقل العالمية وغيرها. ولكن هل يمكن إيجاد بدائل للنفط الروسي في أماكن أخرى بالكمّية نفسها، والسهولة اللوجستية عينها، وبالأخصّ بالسعر ذاته؟ هنا تكمن المشكلة، حيث ستنعكس التكلفة على كلّ القطاعات».
وبالنسبة إلى العقوبات المتّصلة بالنفط، المفروضة على إيران، فهي «قد تقلّل واردات تركيا من إيران، وهذه ليست مشكلة كبيرة في ظلّ توفير أذربيجان بدائل، وبدء إنتاج البحر الأسود، وبناء محطّات الغاز الطبيعي المُسال». وعليه، ذهب أوغوتشو إلى أن «تركيا تمتلك مرونة أكبر تجاه إيران»، لكنه نبّه إلى أن ذلك لن يكون من دون ثمن؛ إذ إن «شراء الغاز والنفط من السوق الدولية، بدلاً من أنابيب موجودة منذ سنوات كثيرة، وبكلفة نقل أقلّ بكثير، سينعكس، بسبب ارتفاع الأسعار، على الدولة وعلى المواطن، وسيتوسّع عجز الحساب الجاري، وينعكس على الصناعة. ستصبح تركيا، بشراء الطاقة نفسها بسعر أعلى، أفقر. وهنا، قد نبلغ نقطة الانهيار في القطاع المصرفي، والتي تمثّل مصدر القلق الأكبر لتركيا». وبحسب الكاتب، فإنه «يمكن لبيان بسيط من وزارة الخزانة الأميركية، إلى بنك تركي مراسل، أن يشعل ردود فعل كثيرة. وستخضع المدفوعات لتدقيق أطول، وستصبح خطابات الاعتماد أكثر كلفة، وسيتقلّص تمويل التجارة، وستصبح شركات التأمين أكثر حذراً، وستطالب شركات الشحن برسوم إضافية، وستبدأ إدارة الشركات في تجنّب المعاملات غير المحظورة قانوناً. أحياناً يكون الخوف من العقوبات، وليس نصّ العقوبات نفسه هو ما يوقف التجارة». يضاف إلى ما تَقدّم، أنه «إذا أصبح تحويل الأموال وأنظمة الدفع ورحلات الطيران أكثر صعوبة، فلن يقتصر ذلك على الشركات الكبرى للطاقة، بل سيمتدّ ليشمل الفنادق والمتاجر وشركات السياحة من طرابزون إلى إسطنبول وأنطاليا».
وخلص أوغوتشو إلى القول إن «معضلة تركيا أن الجغرافيا تربطنا بالشرق، والمال بالغرب. ولا يمكننا تغيير الجغرافيا واختيار جيراننا، ولكن يمكن تحديد المخاطر والاستعداد المُسبق لحماية مصالح تركيا، واقتصادها، ومساحة المناورة المُتاحة لها». عن صفحة الكاتب