سقطت أطنان الصواريخ الإسرائيليّة على موقع “الكُبر” في عمق صحراء دير الزور ليلة الخامس من أيلول 2007، بهدف قطع الخطر من جذوره، وتدمير أيّ محاولة لبناء مشروع نوويّ. وتطوي الصفحة إلى الأبد. لكنّ تلك الغارات العنيفة لم تكن سوى إشارة الابتداء لواحد من أكثر الملفّات الأمنيّة والدبلوماسيّة غموضاً وتعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
مرّ عقدان كاملان من الزمن والملفّ يدور في حلقة مفرغة: إنكارٌ حادّ من النظام السوريّ المخلوع وتكتّم إسرائيليّ حذر، وتحقيقاتٌ مضنية تجريها الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة وسط ضبابيّة كثيفة. انقشع اليوم ذلك الضباب فجأة، لكن ليس عبر وثائق الاستخبارات المسرّبة، بل من خلال التنقيب الميدانيّ والإفصاحات الرسميّة على أرض دمشق.
قصّة “مفاعل الكُبر”: الظّلّ الكوريّ الشّماليّ
بدأت الحكاية أواخر تسعينيّات القرن الماضي، حين دخل نظام البعث في تعاون عسكريّ وأمنيّ وثيق وسرّيّ مع كوريا الشماليّة. أثمر هذا التعاون عن التخطيط لبناء مفاعل نوويّ سرّيّ يعمل بالماء الثقيل والغرافيت في موقع ناءٍ يُعرف بـ”الكُبر” بالقرب من الكبرة شمال شرقيّ دير الزور.
كان المفاعل، وفق التقارير الاستخباريّة التقاطعيّة التي قُدّمت لاحقاً للكونغرس الأميركيّ وللنوادي النوويّة الدوليّة، استنساخاً شبه كلّيّ لمفاعل “يونغبون” الكوريّ الشماليّ. صُمّم لغاية صريحة: إنتاج البلوتونيوم الصالح للاستخدام العسكريّ بدلاً من توليد الطاقة المدنيّة.
بعدما دمّرت المقاتلات الإسرائيليّة المجمّع في عمليّة “البستان” (Operation Orchard)عام 2007 ، سارع نظام الأسد إلى جرف الموقع بالكامل، رفع الأنقاض، ردم حفر المفاعل، بل وبناء هيكل مدنيّ فوقه لإخفاء المعالم قبل وصول أوّل بعثة مفتّشين دوليّين في حزيران 2008. على الرغم من تلك المحاولات، تمكّن مفتّشو الوكالة من رفع عينات بيئيّة أظهرت وجود جزيئات يورانيوم طبيعيّ مُعالَج كيميائيّاً وآثار غرافيت من صنع بشريّ.
ردّاً على ذلك، ادّعت دمشق حينها أنّ هذه الجزيئات ناتجة عن الذخائر المنصهرة الباقية من الصواريخ الإسرائيليّة، وهو ما نفته الوكالة الدوليّة لاحقاً بالدليل العلميّ القاطع. وفي حزيران 2011، أصدر مجلس محافظي الوكالة قراراً رسميّاً أعلن فيه أنّ سوريا في حالة “عدم امتثال” لالتزاماتها بموجب اتّفاق الضمانات الشاملة الملحق بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النوويّة NPT.
لغز “ضابط الظّلّ”: اغتيال محمّد سليمان
لم تكن تصفية المنشأة في صحراء دير الزور الخاتمة في الحساب الاستخباريّ. إذ سرعان ما انتقلت المواجهة إلى تصفية العقول والمشرفين على المشروع. ففي الأوّل من آب 2008، أي بعد أقلّ من عام على ضرب المفاعل، شهد منتجع “الرمال الذهبيّة” قرب طرطوس اغتيالاً هوليووديّاً للّواء محمّد سليمان.
كان سليمان يُعرف في الأروقة الغربيّة والإسرائيليّة بـ”رجل الظّلّ” والمستشار الأمنيّ الخاصّ لبشّار الأسد، وبحسب مصدر إقليميّ لـ”أساس” كان المسؤول المباشر عن إدارة ملفّ التسلّح السرّيّ والمشرف اللوجستيّ والأمنيّ الأوّل على بناء مفاعل الكُبر بالتنسيق مع الكوريّين الشماليّين، وتحديداً في دير الزور، ومنشأة مصياف الصاروخيّة التي دخلتها قوّات خاصّة إسرائيليّة في أيلول 2024.
تلقّى سليمان رصاصات قنّاصة قاتلة في الرأس والرقبة استهدفته من البحر بينما كان يجلس على شرفة الشاليه الخاصّ به في طرطوس، في عمليّة كوماندوز وجّهت التقارير الاستخباريّة المسرّبة، ومنها وثائق وكالة الأمن القوميّ الأميركيّة NSA، أصابع الاتّهام فيها مباشرة إلى وحدة الكوماندوز البحريّ الإسرائيليّ (شايطيت 13).
شكّل اغتيال سليمان الضربة القاضية الصامتة لإغلاق الأرشيف البشريّ للبرنامج النوويّ، وقطع خيوط الاتّصال المعقّدة التي كان يديرها سليمان بين قصر المهاجرين، المشروع النوويّ، وشبكات نقل السلاح الإقليميّة.
فكّ الشِّفرة: من الإنكار إلى التّعاون الكامل
ظلّت القضيّة مجمّدة ومستعصية على الحلّ طوال سنوات الحرب الأهليّة السوريّة، بالتوازي مع منع المفتّشين من دخول المواقع الثلاثة المكمّلة المحدّدة دوليّاً (في مصياف، مرج السلطان، والإسكندريّة). لكنّ التحوّل الجذريّ طرأ عقب التغيير السياسيّ الشامل ودخول سوريا مرحلة جديدة في أواخر عام 2024، إذ اتّخذت السلطات السوريّة قراراً استراتيجيّاً بالانتقال الكامل من سياسة “السرّيّة والتكتّم” إلى الشفافيّة المطلقة والمساءلة السياديّة.
في أواخر عام 2024 وبدايات 2025، أُعيد فتح الأبواب أمام الفرق الفنّيّة للوكالة لجمع العينات البيئيّة وتفتيش المواقع الملحقة. ولم تكد تمضي أشهر قليلة حتّى شهد حزيران وتمّوز 2026 تطوّرين أمنيَّين وفنّيَّين متسارعين. إذ أعلنت هيئة الطاقة الذرّيّة السوريّة في تمّوز 2026 العثور على حاوية مصفّحة تحتوي على موادّ مشعّة تالفة بالقرب من حيّ الوعر في حمص من دون تسجيل أيّ تسرّب إشعاعيّ. وفي الشهر نفسه، وجّهت دمشق إخطاراً رسميّاً وطوعيّاً إلى الوكالة الدوليّة تفصح فيه عن وجود كمّيّات وموادّ نوويّة غير معلنة مخزّنة في موقع سرّيّ يعود لإرث النظام البائد.
زلزال 18 آب: غروسّي في دير الزّور والكتلة المخفيّة
تُوِّج هذا المسار في 18 آب 2026 بالزيارة التاريخيّة لمدير الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية رافائيل غروسّي للعاصمة السوريّة ولعمق صحراء دير الزور. لم تقتصر الزيارة على اللقاءات الدبلوماسيّة، بل نزل غروسّي برفقة المفتّشين والمهندسين الميدانيّين إلى موقع “الكُبر” المدمّر، حيث تتواصل أعمال الحفر والتنقيب الشاملة لإعادة بناء التسلسل الهندسيّ والتاريخيّ الكامل للمفاعل المدمّر.
أطلق غروسّي في تصريحاته من دمشق قنبلة مدوّية أزاحت الستار عن أحد أكبر أسرار البرنامج السرّيّ السابق، إذ كشف عن موقع مخفيّ آخر يحتوي على “عدّة أطنان من الموادّ النوويّة (اليورانيوم الطبيعيّ) إلى جانب كمّيّات ضخمة من الغرافيت النقيّ العالي الصفاء”. وأكّد أنّ هذه الموادّ، التي تعود مباشرة إلى التشغيل المفترض لمفاعل دير الزور، كانت تشكّل مخاوف انتشاريّة خطيرة لو وقعت في الأيدي الخاطئة، وأشاد بالقرار السوريّ السياديّ بفتح المنشأة وإخضاع كلّ هذه الكمّيّات فوراً لنظام الضمانات والتفتيش الدوريّ.
شدّدت وزارة الخارجيّة وهيئة الطاقة الذرّيّة السوريّة على أنّ المبادرة طوعيّة وتستهدف تطهير إرث الماضي وطَيّ صفحة “عدم الامتثال” في مجلس المحافظين، مع التأكيد الصارم أنّ جميع الموادّ المكتشفة ستظلّ تحت السيادة والحراسة الوطنيّة السوريّة بما يمهّد لاستعادة حقّ البلاد في تطوير استخدامات سلميّة ونظيفة للطاقة النوويّة في مجالات الطبّ والزراعة والتوليد.
طيّ الصّفحة والتّوازنات الإقليميّة
يمثّل العثور على أطنان اليورانيوم والغرافيت ومضاهاة عيناتها المباشرة مع نتائج التربة في دير الزور الحلقة المفقودة التي انتظرها العالم لتسديد الحساب الختاميّ للبرنامج النوويّ السوريّ السرّيّ. تخرج دمشق اليوم من مربّع الاتّهام الدوليّ لتسلك مسار المؤسّسة الدوليّة الشفّافة، وتضع بذاك حدّاً لأحد أكثر ملفّات أسلحة الدمار الشامل غموضاً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، مؤكّدةً أنّ إرث المنظومات المغلقة لا يزول إلّا بالشفافيّة الكاملة وتثبيت دولة القانون والسيادة.
