لعل حصولي على منحة دراسية للانضمام إلى برنامج الدراسات الثقافية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) لم يكن في توقيت مثالي. وصلت إلى لندن، في أيلول (سبتمبر) 2025، لكن رأسي وجهازي العصبي، وعيي ولاوعيي، وصحتي النفسية والعقلية بأكملها كانت مرهونة لسوريا وأخبارها غير المطمئنة.

من الصعب التحدث بالإنجليزية وأنت تفكر وتقلق بالعربية، ومن الصعب أيضاً مقارنة واقعك كل لحظة بواقع الآخرين. لكنني الآن هنا، وفي كل مرة أذهب إلى الجامعة أعود مُحملةً بأسئلة وأفكار أشعر بحاجة ملحة لمشاركتها مع آخرين يبحثون مثلي عن إجابات عن معنى الهوية الثقافية، والعلاقة مع الوطن الأم والمهجر، ومع الاحتلال السابق والحالي والمستمر. في كل مادة أدرُسها، سواء كانت ضمن اختصاص الأدب المقارن، الغذاء والبيئة والمجتمع، أو الصناعات الإبداعية، أستشعر هوة عميقة القرار تفصل بين حياة السوريين والشعوب الأخرى. وكلما شعرت باتساع المسافة بيننا ازداد شعوري بالغضب.

من مصنع «جواسيس» إلى مروّج لـ «تفكيك الاستعمار»

تعتز جامعة (SOAS) على موقعها الإلكتروني بتاريخها، وترى في انقلاباتها الفكرية منذ تأسيسها وإلى اليوم، دليلاً للتطور ونقد الذات. تأسست الجامعة عام 1916 ككلية للدراسات الشرقية، وافتتحها في العام التالي الملك جورج الخامس، ملك المستعمرات البريطانية وإمبراطور الهند، في حفلٍ مهيب كان أحد الاحتفالات القليلة التي حضرها خلال الحرب العالمية الأولى، في دلالة على أهمية المؤسسة الاستراتيجية لبريطانيا رغم صغرها.

سرعان ما اكتسبت مدرسة الدراسات الشرقية سمعةً كمركزٍ للمخبرين والمغامرين بعد أن ضم كادرها ويليام ماكغفرن، محاضر اللغة اليابانية، الذي تسلل إلى التبت، إثر منعه من الدخول من قبل سلطاتها، وألهم فيما بعد كُتاب شخصية إنديانا جونز. ضمت الكلية أيضاً، إدوارد دينيسون روس، الذي عُرف بإتقانه 12 لغة وقيادته هيئة تدريسية صغيرة ضمت الكاتب والمستشرق آرثر والي.

ترى الجامعة في موقعها الإلكتروني أن انقلاباً قد حصل في توجهاتها خلال العام الدراسي 1920-1921، إذ خرّجت 54 طالباً وطالبة هندية من أصل 402 عدد المتخرجين ذلك العام، فيما اعتبرته فاتحة للتنوع العرقي الذي سيقلب مع مرور الزمن توجهاتها و«رسالتها». بالوصول إلى حقبة الثلاثينات، كانت المؤسسة قد أولت أهمية خاصة لتعليم وجمع الأرشيفات باللغات الأصلية، الصينية واليابانية والفارسية وغيرها. لكن الحرب العالمية الثانية عادت لتُعزز مهمتها السياسية، إذ تحول عدد كبير من طلابها بسرعة إلى ضباط عسكريين، كما انضمت وزارة الحرب إلى الكلية لمعالجة النقص في اللغويين المتخصصين في اللغة اليابانية. يعترف الأكاديميون في الجامعة بأن هذه التوجهات عزّزت من سمعتها كـ«مرتع للجواسيس»، لكنهم يرون أيضاً أن الحاجات التي خلقتها الحرب العالمية أظهرت أهمية التخصصات الدراسية التي تقدمها (SOAS) وساهمت في تطوير مناهجها الدراسية لتسريع مسار تعليم لغات مُعقدة كاليابانية.

في ختام سرد قصتها لا توضح الجامعة كيف تحولت من مؤسسة استعمارية، إلى مؤسسة «ما بعد استعمارية» لكنها تُصرّ على أنها لا تخجل من تاريخها وترى نفسها اليوم في صدارة المؤسسات الأكاديمية التي تُساهم في بلورة فكرة «تفكيك الاستعمار» في المؤسسات والمناهج الدراسية بعد أن كانت مؤسسة أنشأتها الإمبراطورية البريطانية لتدريب المسؤولين الاستعماريين قبل قرنٍ من الزمن.

المهاجرون بلباس البيض، والبيض بلباس المهاجرين

تتوضع جامعة (SOAS) اليوم في حي بلومزبيري  (Bloomsbury) في غرب لندن، وهو منطقة ثقافية وأكاديمية تشتهر بهندستها الجورجية الأنيقة التي سادت في بريطانيا خلال عامي 1714 و1830، أثناء تعاقب أربعة ملوك حمل جميعهم اسم «جورج». وإذا ما أغفل المرء قراءة الصفحة التعريفية الخاصة بالجامعة، سيفشل تقريباً بتصديق أنها كانت يوماً أداة استعمارية، لأنها تُغالي اليوم بكونها النقيض من ذلك تماماً. بمجرد الاقتراب من حرمها سيرى المرء طلاباً ملونين من مختلف الجنسيات يرتدون ثياباً فضفاضة وبسيطة، يضع كثير منهم الكوفية أو يُعلق بعضهم على حقائبه العلم الفلسطيني. للجامعة وقت استراحة الغداء رائحة الكاري، فالمطبخ الذي يبيع وجبات طعام اقتصادية يقوم بطهي أطباق من مختلف دول العالم.

تقول إحدى البروفسورات البريطانيات أنها اختارت قبل سنوات دراسة الثقافة التايلندية لأن عائلتها بدت لها بريطانية بشكل مفرط، تُضيف ضاحكة بأن أحدهم سألها ذات مرة: «لماذا في ‘SOAS’ جميع الطلاب من ذوي البشرة البيضاء يرتدون ثياباً آسيوية وأفريقية في حين أن الطلاب المهاجرين يصرّون على الظهور بمظهر البيض؟».

أفكر بهذا السؤال بينما أتحرك في الجامعة المؤلفة من عدة مبانٍ، أعبر الأبواب، الخشبية منها والمعدنية، الكهربائية أو من تلك ذات النابض. الثقافة غير المنطوقة تقول بأنك وحينما تعبر باباً لا بد من أن تُمسكه للقادم خلفك، كي لا يصطدم بأنفه مثلاً إذا ما كان يمشي مسرعاً دون انتباه. تتحول ثقافة إغلاق الأبواب أو فتحها إلى ما يشبه العرض الأدائي؛ حفلة من اللطف المُهندَس الذي تتحرك فيه الأيادي بإيقاعات متكررة لتضغط على كلمة (Push) المحفورة على لوحات معدنية، اليد تمسك الباب ولا تفلته إلا حينما تتأكد بأن يداً جديدة أمسكت دفته. «ثانك يو»، ابتسامة، «ثاانك يو»، ابتسامة. في مسرحية اللطف الأبيض هذه، أُبالغ كعادتي في الأداء. أقف ممسكة الباب – مثل بوّاب – للقادمين خلفي رغم أن مسافة كبيرة تفصل بيني وبينهم، وإذا ما نسيت شاردة أن أقول «ثانك يو» أبدأ بتقريع نفسي باعتباري كائنة بربرية، جلفة، ينقصها الكثير من التهذيب.

 اللف والدوران حول المعنى 

في أولى المحاضرات التي حضرتها في (SOAS)، استطعت بالكاد فهم الكلمات الظاهرة في العروض التقديمية التي أعدها المدرسون. في المكتبة وبينما أحاول فك طلاسم النصوص أمامي، بدأت دون انتباه مني بتخيل مناظرات كلامية بيني وبين ممثلي الأكاديميا في الجامعة. في سري كنت أقول لهم حانقة: «عندما تستخدمون خمسة مصطلحات مختلفة تترجم جميعها بصورة أو أخرى إلى ‘التعددية الثقافية’، وعندما تتحدثون عن الثقافة الهجينة، و‘التعددية المتعددة للثقافات’ وتصوغون فقرات طويلة ومُملة لا أكاد أفهم منها سوى حروف الجر أشعر بغضب جارف لا يمكنني صياغته أو فهم مصدره».

يُغضبني هذا النزوع إلى التعقيد، وأرى فيه نوعاً من الترف. حينما تكتب باحثة صفحات طويلة لتُثبت فيها أن قائمة طويلة من المصطلحات المُعقدة وغير المفهومة غير كافية، وأننا مضطرون، حتماً، لنحت مصطلحات جديدة لحل معضلة تراها هي ولا نراها نحن. أقتنع بأنها حتماً لا تعيش في الكوكب الذي نعيش فيه، فنحن لا نحتاج إلى مزيد من الكلمات، لأننا – أساساً – قد لا نمتلك الوقت الكافي كي نتعلم نطقها.

في «الزاوية الصامتة» من المكتبة، وحيث يُمنع الكلام، أتخيل نفسي أقف على كرسي مع مكبر صوت في اليد كي أخطب بالطلاب المتعبين من ساعات الدرس الطويلة: «أنتم لا تدركون خطورة الوضع ومدى إلحاحه، كفّوا عن إضاعة الوقت. الحديث عن الهوية، أو الهوية الثقافية، في تعددها وتجانسها وتداخلها وطبيعتها الهجينة والمركبة أكثر إلحاحاً مما تظنون. حياة الآلاف، بل الملايين ربما تتوقف على الإجابات عن هذه الأسئلة».

هذا التعقيد الذي يجعلني أدور في حلقات وحلقات، بحثاً عن معنى، أي معنى. يُفاقم شعوري بالغضب ويُعزز إحساسي بأن مجيئي إلى هنا إضاعة للوقت بدل كسبه. أسئلة الهوية قد تكون بالنسبة لبعض الأكاديميين أُحجية أكثر امتاعاً من لعبة الكلمات المتقاطعة في الجريدة، لكنها بالنسبة لنا – في هذا الجزء من العالم – قضية حياة وموت. أحتاج أن أفهم معنى هذا المصطلح المُعقد الذي نسميه «هوية» قبل أن أُقتل بسببه، إن متُّ بطلقة في الرأس، أو كنتيجة إصابة بالغة في تفجير، إن متُّ بعد اختطافي أو في معتقلٍ ما، سأكون على الأقل قادرة على فهم سبب موتي وصياغته بعبارة قصيرة وواضحة.

«ما بعد الاستعمار». حقاً؟

لا يبدو أنني الوحيدة التي تشعر بالاختناق من الطريقة التي تُلقن فيها الجامعة مقرراتها. فأنا التقيت مؤخراً بشابة فلسطينية في العشرينات من عمرها تُشاركني ضيقي.

تقول الشابة أن أكثر مصطلح يغضبها هو (Post-colonialism) أي ما بعد الاستعمار. فهي لا تكاد تصدق بأن الوسط الأكاديمي يظن حقاً أن الاحتلال انتهى، والمحتلون انقرضوا، ونحن اليوم نجلس متربعين في حقبة ما بعد الاستعمار، قادرين على استعادة التجربة، فصفصتها، نقدها، والتعلم منها. غضبها يمنعها من الكلام، فهي تجلس في معظم المحاضرات صامتة، لكن عيونها المظللة بكحلٍ أسود فاحم تفضح غضبها فتُصر البروفسورة على سماع وجهة نظرها بعد ما قرأت إيماءاتها. تبدو الفتاة مثل طوفان صغير، تخاف من أن تفتح فمها فتفقد القدرة على لجم غضبها بحيث يملأ صراخها فضاء الجامعة. تخبرني بأنها لا تحتمل الطريقة التي يتحدث فيها الطلاب متأثرين عن تاريخ العبودية في غانا، أو البعثات التبشيرية في زيمبابوي، كما لو أن الاحتلال المباشر حدث وانتهى ونحن فقط نحاول اليوم التعامل مع نتائجه، والتعافي من آثارهِ البعيدة والتراكمية والتي تغلغلت، ولا شك، في لاوعينا الجمعي.

تشغل فلسطين، أو «البلاد» كما تسميها جزءاً كبيراً من حديثها، أسألها إن كانت تشعر بالأمل لأن المجتمعات الغربية بدأت تعترف أخيراً بإجرام إسرائيل وتدعم القضية الفلسطينية. تجيبني غاضبة بأن رأيهم أو دعمهم المتأخر لا يهمها لأن الأمر تطلب «إبادة» بهذا الحجم كي يعترفوا أخيراً بأكثر من مئة عام من الاحتلال.

أُحاول عبر الحديث معها تخيّل عكا وحيفا كما تصفهما؛ الأزقة المغطاة بالأعلام الإسرائيلية، عبارات مثل «هذه الأرض لنا وهي أرض إسرائيل» المكتوبة بالعبرية وبصياغات مختلفة في كل مكان. المستوطنون رجالاً ونساء الذين يرتدون البيكيني أو ثياب اليوغا ويحملون إلى جانب سجادة الرياضة بنادق ورشاشات.

بصورة أو أخرى، وبشكل واعٍ أو غير واعٍ، تُثمن الجامعة الصياغات الفلسفية والنظرية المعقدة عن الاحتلال، يتعاملون معهُ كديناصور منقرض، ومُحنّط في متحف بدلاً من أخطبوط حيٍّ يمد أذرعه في الماضي والحاضر والمستقبل. في حين تبدو بريطانيا نفسها متفاجئة بإرثها الاستعماري أو دورها التاريخي في القضية الفلسطينية.

من جانب آخر، كثيراً ما تجد الفتاة نفسها محاصرة من قِبل الطلاب الذين يطلبون منها تطهير ألفاظها وأفكارها وقناعاتها من الإرث الاستعماري كي تتحدث مثلهم. تبدو عملية الـ (Decolonizing) أشبه بطقس تطهير جماعي تفرضه الأكاديميا، على طلابها وتحديداً القادمين من دول الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا. الـ (Decolonizing)، أو تفكيك الاستعمار وتجاوز إرثه الرمزي والثقافي، يُشبه طقوس أكل القمح المُبرعم أو استخدام ملح الهيمالايا، أو شرب الماتشا.

في مُقرر يُدرِّس تقاطعات العرق والجنس في أدب ما بعد الاحتلال، نُظر إليّ مرةً كما لو أنني ارتكبت جريمة حينما وجهت نقداً لرواية العودة إلى البيت للروائية يا جياسي (Yaa Gyasi) التي وثّقت معاناة أجيال من بلادها غانا مع العبودية. سألتُ في المحاضرة لماذا لم يتم تصوير شخصية واحدة إيجابية للرجل الأبيض في رواية تُغطي ما يُقارب الـ 300 عام، وتتحدث عن سبعة أجيال متتالية من سكان غانا الذين عانوا من العنصرية والعبودية التي بدأت في بلادهم وامتدت إلى أميركا. أيعقل أن شخصيات الرواية الذين بلغ عددهم العشرات لم يلتقوا يوماً بأشخاص بيض عاشوا صراعاً أخلاقياً مع فكرة العبودية ورفضوا أن يكونوا جزءاً منها؟ في الصف ساد نوع من الصمت المُربك بعد أن أنهيت مداخلتي، والمدرسة المشرفة على إعطاء المُقرّر قالت مرتبكة بأنني قدمتُ للتو طرحاً جريئاً تحتاج للتفكير فيه وقتاً أطول. في ذلك اليوم شعرت بأن باقي الطلاب شعروا بالأسى عليّ أو الغضب مني، لأن الإرث الاستعماري وعقليته متغلغلة في عظامي، حتى أنني تجرأت على الدفاع عن «الرجل الأبيض» وإن كان مجرد شخصية خيالية في عمل روائي.

من غير المستبعد أن يجري إخضاعي – رمزياً – لدورة مُكثّفة يُطلب مني فيها أن أُمارس النقد الذاتي، نفي الذات، ومن ثم إعادة اكتشافها (self-critique, self-negation, and self-rediscovery) ثلاثة مرات في اليوم، حتى يتأكدوا من أنه تم طرد روح المستعمر القديم التي تتلبسني.

 «موسم الهجرة إلى الشمال» و«الاستشراق» 

في الجامعة، يبدو كتاب الاستشراق (1978) لإدوارد سعيد أشبه بدستور مقدس، فالطلاب في اختصاصات دراسات الأدب المقارن، والأنثروبولوجيا، والدراسات الثقافية، ودراسات ما بعد الاستعمار سيُضطرون في وقت من الأوقات لقراءته والاقتباس منه لأغراض بحثية. ورغم أن الأوساط الأكاديمية اليوم باتت أكثر نقدية في نظرتها للكتاب وطروحات مؤلفه، لكن تأثيره ما زال حاسماً في فهم نظرة الغرب للشرق والصورة النمطية المكرّسة عن الأخير في الخطابات الثقافية والإعلامية. يبدو لي أمراً مُستغرَباً أن 22 دولة عربية لم تستطع أن تنجب مفكراً واحداً يُنافس سعيد في المكانة التي شغلها في الأوساط البحثية الغربية منذ موته عام 2003. وفق ملاحظتي الشخصية، أشعر بأن الطلاب العرب، وأنا منهم، هم الأقل احتفاءً بسعيد مقارنة بباقي الطلبة.

أنا شخصياً أميل إلى القول بأن سعيد قدّم الجرعة التي يُمكن للغرب احتمالها عن الشرق، وهو أيضاً قدّمها بلغة ومنظورٍ غربيين قلَّلا الدفاعات النفسية في مواجهتها وجعلاها أكثر قبولاً. ففي أحد المقررات طُلب منا قراءة فصول من حوارات بين إدوارد سعيد وصديقه الإسرائيلي الموسيقي وقائد الأوركسترا دانيال بارنبويم الذي أسس معه ما يُعرف بـ (West-Eastern Divan Orchestra)، المشروع الذي ضم مجموعة عازفين عرب فلسطينيين وإسرائيليين ضمن أوركسترا واحدة تُروج لإمكانية التناغم الثقافي والحوار عبر الموسيقى. رغم أنّ لديَّ موقفاً شخصياً متشنجاً من هذا النوع من المبادرات التطبيعية، لكنها كما يبدو نالت ولوقتٍ طويل استحساناً كبيراً من أوساط الباحثين الذين أرادوا لأعداد متزايدة من الباحثين العرب أن يحتذوا بسعيد الساحر والمتحضر والمنفتح على الآخر.

الاسم الثاني الذي فاجأني ذكره في أروقة الجامعة، كان الروائي السوداني الطيب صالح.

قرأتُ قبل سنوات رواية موسم الهجرة إلى الشمال حينما أهداني إياها أحد أصدقائي الذي كان مولعاً بها. الشاب في ذلك الوقت اعتاد أن يُردد بشاعريةٍ مفرطة عبارة، أشبه بلازمة متكررة، يقولها بطل الرواية مصطفى سعيد مراراً: «لبثت أطاردها ثلاثة أعوام… كل يوم يزداد وتر القوس توتراً. قربي مملوءة هواء، وقوافلي ظمأى، والسرابُ يلمع أمامي متاهة الشوق وقد تحدد مرمى السهم، ولا مفر من وقوع المأساة».

بالنسبة للشاب وقراء كُثر آخرين، كان مصطفى سعيد شخصية شديدة الجاذبية، تكاد تكون إيجابية وشاعرية، في حين يُنظر له ضمن أوساط الأكاديميا باعتباره شخصاً «معطوباً» نتيجة الاستعمار، استخدم الجنس وسيلة لتجاوز عقد النقص تجاه الغرب الذي تمثّل في صورة امرأة بيضاء يُمكن إخضاعها جنسياً وإغواؤها باستغلال خيالاتها عن الشرق الفطري والغرائبي والمثير.

حينما ذكرت لبعض معارفي من كتّاب ومحررين أننا ندرس رواية موسم الهجرة إلى الشمال كنموذج لأدب ما بعد الاستعمار، بدا الأمر مستغرباً في حد ذاته، مما طرح أمامي أسئلة حول قضية التصنيفات الأدبية واختلاف القيم التي تحتفي بها الشعوب. بالنسبة لبعض القراء العرب، كان مصطفى سعيد بطلاً رومانسياً يُطارد النساء بعتاد الصيد، في حين نظرت إليه الأكاديميا كشخصية نرجسية مضطربة وذكورية تُدرّّس كعَرَض جانبي لآثار الاستعمار في بلداننا.

كيف سهونا عن احتلال فرنسا لنا

لكن خلف هذا الشعور المستمر بالغضب من الجامعة ومقرراتها وأسلوب تعاطيها مع قضايا الشرق الأوسط لا بد من الاعتراف بأن المقررات والمحاضرات في تراكمها اللاواعي، تخلق أسئلة لم توجد من قبل، أو لم تتضح بهذا العمق.

فإذا ما حَيّدتُ الطقسيّة والشكلانيّة اللتين يُجرى فيهما أحياناً الحديث عن الإرث الاستعماري ورواسبه ضمن الجامعة، سأفطن إلى أن مقرراتها حفّزت، بشكلٍ أو بآخر، أسئلة عن علاقتنا كسوريين بالمستعمر الفرنسي، وأسئلة عن أشكال الاستعمار الأقل مباشرة التي توالت علينا منذ التاريخ المُعلن للاستقلال عن فرنسا. المقررات التي أدرسها ساعدتني على الانتباه إلى أن المعاناة من الديكتاتورية والصراع معها، أعاقت السوريين، بطريقة أو بأخرى، عن تأمل وفهم تأثيرات استعمار فرنسا لهم وقبلها الدولة العثمانية، أو حتى عن تتبع الرواسب التي تُركت في اللاوعي الجمعي بعد الاستقلال الذي يبدو لي اليوم منقوصاً.

وبخلاف كثير من البلدان التي احتفظت بعلاقة أوضح وأكثر مباشرة مع محتلها – كعلاقة الهند ببريطانيا مثلاً – تبدو العلاقة بين فرنسا وسوريا اليوم سطحية وغير ملموسة، حتى يكاد المرء يظن، وخصوصاً إذا ما كان ينتمي إلى الأجيال الجديدة، أن فرنسا لم تعبر يوماً الأراضي السورية. لم نرَ مثلاً في السنوات السابقة استمرارية أو غلبة لِلُّغة الفرنسية في النظام التعليمي على النحو الذي نراه في لبنان مثلاً. وحتى المؤسسات الثقافية التي نشطت قبل 2011، مثل المركز الثقافي الفرنسي والمعهد الفرنسي للشرق الأدنى، لم تبدُ بدءاً من مطلع الألفية مُهيمنة أو فاعلة بصورة أكبر من مراكز ثقافية أخرى في العاصمة دمشق كالمركز الثقافي الروسي، والياباني، والإسباني.

وحتى اليوم، يُنظر إلى المباني الحكومية المُشيّدة في الحقبة الفرنسية بوصفها مبانيَ تاريخية أو «أثرية» تستحق الإعجاب، رغم أنها من وجهة نظر سياسية أو تاريخية، كانت صروحاً للهيمنة والإدارة السياسية، كما أنها خالفت أحياناً، عن قصد، الطراز المعماري أو المواد المستخدمة في البناء ضمن المدن السورية.

يُمكن بالطبع تبرير هذه القطيعة مع الإرث الاستعماري بتتابع المصائب التي غذّاها نظام الحكم الديكتاتوري في سوريا، إضافة إلى المواجهة المستمرة، المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل، والتي عزّزت شعور السواد الأعظم من الأجيال السورية بأن البلاد وبخلاف ما تقوله كتب التاريخ، لم تنعم بالاستقلال لحظةً واحدة.

من هذا المنطلق، قد تبدو حقبة الاحتلال الفرنسي اليوم جزءاً منسياً من أحجية أو تفصيلاً جرى إغفاله عند التحقيق في جريمة قتل. فالهوية السورية بعد الاستقلال لم تتشكل وفق ما يُجادل بشأنه كثير من المفكرين، وهذا ما يُفسر سيادة النزعات الطائفية والعشائرية والعائلية التي تحكم المحافظات والمدن السورية وتبرر الاقتتالات الأهلية، منذ أن فكّر السوريون في الثورة ضد نظام ديكتاتوري.

يرى بعض المفكرين المؤسسين للدراسات الثقافية، وعلى رأسهم المنظر الهندي- البريطاني هومي بابا، بأن الاستعمار يخلق نوعاً من القطيعة بين الشعوب وهويتها الأصلية، وهو يحثهم على استعادة تلك العلاقة أو الصلة مع ماضيهم، كما لو أن الهوية الثقافية، كتلة صلبة ومتجانسة يمكن العثور عليها مدفونة أو مخبئة في مكانٍ ما، بعد مغادرة المحتل. في حين أن ستوارت هول، المنظر البريطاني من أصل جمايكي، يرى أن الهوية الثقافية ليست معطىً ثابتاً أو مجرداً، ولا يُمكن تحديدها بنقطة بداية أو نهاية، بل هي دائمة التغيرّ. كما أن تجربة العيش في المهجر من وجهة نظره، لا تُحدِث قطعاً مع الهوية «الأصلية» لأن التحوّل والتغيّر الذي يطرأ عليها نتيجة السفر والاختلاط بثقافات جديدة هو في الحقيقة جزءٌ من عملية بناء هذه الهوية.

أعترف بأن مفهوم هول عن الهوية الثقافية تركني في حالة من الصدمة، كما لو أنني استوعبت للمرة الأولى بأنه لا وجود لما يُعرف بهوية ثقافية سورية بالمعنى التاريخي، جرى المساس بها وتشويهها، فما قد يُسمى اليوم تشوهاً أو انحرافاً هو جزء من الهوية وليس خارجاً عنها. يصوغ هول أفكاره أفضل مني حينما يقول: «الهوية الثقافية لا تُختزل بما نحن عليه، بل فيما نصير إليه أيضاً؛ إنها تمتد نحو المستقبل تماماً كما تتجذّر في الماضي».