إذا دخل الجيش السوري إلى لبنان، ستعبر فصائل من “الحشد الشعبي” العراقي الحدود السورية. وإذا تحولت الضربات الأميركية ضد إيران إلى عملية برية، فسيفتح “الحرس الثوري” وميليشياته جبهات جديدة ضد دول الخليج براً أو بحراً. وإذا وسعت إسرائيل حربها، فسيوظف “حزب الله” ما تبقى لديه من صواريخ وطائرات مسيرة.
ليست هذه سيناريوهات افتراضية، بل رسائل تهديد بعثت بها طهران سراً، بالتوازي مع توسيع اعتداءاتها واعتداءات وكلائها. وهي تكشف مجدداً حقيقة المشروع الإيراني في المنطقة. الميليشيات ليست حلفاء مستقلين، بل أجزاء من منظومة عسكرية واحدة، تُدار بقرار سياسي وأمني واحد، وتتحرك على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
بعد سقوط نظام الأسد، خسر مشروع طهران أهم ممر بري يربط أذرعه الأربعة. لكن المشروع لم يسقط، بل أعاد تنظيم نفسه في صورة “المثلث الإيراني”: “حزب الله” في لبنان، و”الحشد الشعبي” في العراق، و”الحوثيون” في اليمن. ثلاثة أضلاع يُتخذ قرارها في طهران، لا في بيروت ولا بغداد ولا صنعاء، وتكفي لإبقاء المنطقة على حافة مواجهة دائمة.
لم يُبن هذا المثلث للدفاع عن حدود إيران، بل لإبعاد الحرب عن أراضيها ونقلها إلى جوارها العربي، بحيث تقاتل الميليشيات معها ونيابة عنها في آن واحد. وبدلاً من أن تخوض طهران أي مواجهة منفردة، توزعها على ساحات متعددة، وترفع كلفة أي قرار يستهدفها. وهكذا تتحول حرب في إيران إلى تصعيد في الخليج ومضيق هرمز، وتهديد في البحر الأحمر وباب المندب، وتحديات تطال قناة السويس. وتصبح أي عملية عسكرية ضد أحد الوكلاء أزمة إقليمية مفتوحة، تمتد آثارها إلى التجارة العالمية وخطوط الإمداد وأسواق الطاقة.
لكن توسع دور هذه الشبكات يكشف في الوقت نفسه مفارقة المشروع الإيراني. فكلما ازداد اعتماد طهران على الميليشيات، ازداد انكشاف حقيقة أنها لم تعد مجرد أدوات لتوسيع النفوذ، بل أصبحت أيضاً وسيلة لتعويض تراجع قدرة الدولة الإيرانية على فرض نفوذها بوسائل السياسة والاقتصاد والتحالفات والشراكات.
لذلك، فإن مواجهة هذا المثلث لا تبدأ بتفكيك أضلاعه العسكرية فقط، بل بطرح الخيار البديل: تقوية الدولة الوطنية ومؤسساتها، وصيانة النسيج الاجتماعي، واحتكار السلاح، وضبط الحدود، وتعزيز العلاقات بين الدول. فالمعادلة ليست مع “حزب الله” وحده، ولا مع “الحوثيين” وحدهم، ولا مع الميليشيات العراقية وحدها، بل مع المشروع الذي جمع هذه القوى في منظومة واحدة، وحوّل الفوضى إلى أداة نفوذ، والحرب إلى وسيلة لإدارة السياسة.
كما أن التعامل مع كل ضلع من أضلاع “المثلث” بمعزل عن الآخر لن يغير المعادلة كثيرا وطويلا. فإضعاف “حزب الله” لن ينهي التهديد إذا بقيت الميليشيات العراقية- سواء باسمها أو عبر “فصائل الظل”- قادرة على فتح جبهة جديدة. وتحييد “الحوثيين” لا يؤمّن الملاحة إذا ظلت بقية خيوط الشبكة تعمل. فمصدر التهديد ليس كل تنظيم على حدة، بل الغرفة الموحدة التي تديرها جميعاً من طهران، وتتعامل معها باعتبارها جبهة واحدة متعددة الساحات.
واضح أن إيران ما زالت قادرة على إشعال أكثر من جبهة في وقت واحد عبر ما تبقى من ساحات نفوذها. لكن الواضح أيضاً أن هذا “المثلث” يزداد ضعفاً بعد النكسات التي تعرض لها المحور الإيراني، والتحولات العميقة التي تشهدها المنطقة. كما أن قرار طهران توسيع دائرة الاعتداءات والتهديدات والتحذيرات يكشف حدود قوتها أكثر مما يعكس ازديادها.
الدول الواثقة من نفوذها توسع حضورها وتعمقه عبر الاقتصاد، والتكنولوجيا، والاستثمار، والتحالفات، والمؤسسات، والشراكات. أما إيران، فما زالت تعتمد على شبكات الميليشيات لفرض نفوذها الإقليمي. والدول الواثقة تكسب الأصدقاء وتختار خصومها بعناية، بينما تبدو إيران، مع كل اعتداء جديد، وكأنها تضيف دولة جديدة إلى قائمة خصومها، وتسهم بنفسها في توسيع التحالفات المناهضة لها.
ربما ترى طهران في أضلاع مثلثها في العراق واليمن ولبنان آخر خطوط دفاعها الإقليمية، بعدما كانت أدوات للردع وتوسيع النفوذ. لكن ما تراه إيران شبكة حماية، تراه معظم دول المنطقة شبكة تهديد.
لم يعد السؤال في كثير من العواصم كيف يمكن احتواء كل ميليشيا على حدة، بل كيف يمكن تفكيك هذه المنظومة ومواجهة مشروع يقوم على إضعاف الدولة الوطنية. لذلك، فمعركة الشرق الأوسط اليوم ليست فقط ضد “مثلث إيران”، بل هي أيضاً معركة من أجل الدولة.
