أثارت التقارير الغربية التي تحدثت عن استمرار اهتمام أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية بمتابعة وضع مجتبى خامنئي، بعد الإعلان عن توليه منصب المرشد الأعلى، موجة من التكهنات حول مكان وجوده وحالته الصحية. لكن السؤال الأهم، من منظور استخباراتي، لا يتعلق بموقع الرجل، بل بمن يدير السلطة فعلياً داخل إيران، وكيف تُتخذ القرارات في مرحلة يُحيط بها قدر كبير من الغموض؟
في عالم الاستخبارات، لا تقاس أهمية شخصية سياسية بحجم ظهورها الإعلامي، ولا يعدّ غيابها عن المشهد دليلًا على غيابها عن ممارسة السلطة. فالأنظمة التي تواجه تهديدات أمنية مرتفعة غالباً ما تلجأ إلى تقليص الظهور العلني لقياداتها، مع تشديد إجراءات الحماية والاتصالات، بما يضمن استمرار القيادة ويقلّل احتمالات الاستهداف.
لهذا السبب، فإن اهتمام وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) والموساد الإسرائيلي لا ينصبّ – على الأرجح – على تعقّب شخص مجتبى خامنئي بقدر ما يركّز على تقييم منظومة القيادة الإيرانية بعد انتقال السلطة. فالسؤال الذي يشغل أجهزة الاستخبارات ليس “أين مكان تواجده؟”، بل هل يمارس صلاحياته فعلًا؟ ومن هم الأشخاص والمؤسسات التي تؤثر في صناعة القرار؟
وتعتمد مثل هذه التقديرات على ما يُعرف بالاستخبارات متعدّدة المصادر، التي تمزج بين المعلومات البشرية، واعتراض الاتصالات، وتحليل صور الأقمار الاصطناعية، والبيانات المفتوحة، والمؤشرات الرقمية، للوصول إلى صورة أكثر اكتمالًا. كما تُراقب أجهزة الاستخبارات أنماط اتخاذ القرار، والعلاقة بين القيادة والمؤسسات العسكرية والأمنية، وسرعة تنفيذ القرارات، والتغيرات داخل الدائرة المقربة من القيادة، باعتبارها مؤشرات أكثر دلالة من أيّ ظهور إعلامي.
في المقابل، تُدرك طهران أن حماية القيادة لم تعد تقتصر على توفير حراسة مشدّدة، بل تشمل إدارة متكاملة للحكم واستمراره. ومن المرجح أن تكون المؤسسة الأمنية الإيرانية قد شدّدت إجراءات الأمن الوقائي، عبر تقليل الظهور العلني، وتغيير أماكن الاجتماعات، وتشديد الأمن المضاد، والحدّ من تداول المعلومات المتعلقة بتحركات القيادات العليا. وهذه إجراءات تلجأ إليها دول عديدة عندما ترتفع تقديرات المخاطر ضد قياداتها السياسية والعسكرية.
أما على مستوى العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، فلا يبدو أن هناك منافسة بين وكالة الاستخبارات المركزية والموساد بقدر ما توجد حالة من التكامل. فالموساد يمتلك خبرة طويلة في العمليات السرية وجمع المعلومات داخل البيئة الإيرانية، بينما تتميز الاستخبارات الأميركية بقدرات واسعة في دمج وتحليل المعلومات الواردة من منظومتها الاستخباراتية المتعددة، بما يتيح بناء تقديرات استراتيجية أشمل.
لا يمكن اعتبار الغموض المحيط بمجتبى خامنئي دليلًا على ضعف النظام الإيراني، كما لا يمكن اعتباره مؤشراً إلى نجاح أو إخفاق الاستخبارات الغربية والإسرائيلية. فالعمل الاستخباراتي لا يقوم على البحث عن الأشخاص بقدر ما يهدف إلى فهم بنية السلطة وآليات اتخاذ القرار.
وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن المعركة الحقيقية تدور حول الإجابة عن سؤال أكثر أهمية من مكان وجود المرشد الجديد: من يمتلك القرار داخل النظام؟ وهل حافظت مؤسسات الدولة على تماسكها بعد انتقال القيادة؟ تلك هي المعلومة التي تُبنى عليها التقديرات الاستراتيجية، وهي الهدف الذي تسعى أجهزة الاستخبارات إلى الوصول إليه قبل أي شيء آخر.
*باحث في الأمن الدولي والإرهاب
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية
