عماد العلي باحث سوري في معهد الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في جامعة برلين الحرّة…
انعقدت أخيراً أولى جلسات مجلس الشعب السوري بعد إعلان القائمة النهائية لأعضائه، في خطوة تكتسب أهمّيةً خاصّةً، باعتبارها أوّل تجربة برلمانية في المرحلة السياسية التي أعقبت سقوط نظام الأسد. وقد أثارت هذه الخطوة، سواء من حيث ظروف انعقاد الجلسة وما رافقها من أحداث، أو من حيث آليات تشكيل المجلس واختيار أعضائه، نقاشاً واسعاً بين السوريين. فرأى فيها بعضهم مؤشّراً على إمكانية بدء مسار جديد نحو الانفراج السياسي وتحسين الأوضاع المعيشية والأمنية، بينما نظر إليها آخرون بتحفّظ أو رفض، معتبرين طبيعة تشكيل المجلس تثير تساؤلاتٍ عن مدى تمثيله وشرعيته.
غير أنّ جانباً كبيراً من هذا النقاش اتّخذ طابعاً استقطابياً وانفعالياً، وغلبت عليه المواقف المسبقة أكثر ممّا اتّسم بالتحليل الهادئ لطبيعة المرحلة الانتقالية وتعقيداتها. ومن هنا تبرز أهمّية مقاربة هذه التجربة من منظور يتجاوز المبالغات العاطفية والاستقطابات الأيديولوجية، وينطلق من خصوصية السياق السوري وتحوّلاته السياسية والمؤسّسية، بهدف فهم دلالات هذه الخطوة وحدودها وإمكاناتها ضمن مسار إعادة بناء الدولة والنظام السياسي في سورية.
لا جدال في أنّ وجود مجلس تشريعي يُعدّ ضرورةً لأيّ دولة تسعى إلى بناء مؤسّساتها، فمجلس الشعب، بوصفه السلطة التشريعية، يضطلع بوظائف لا غنى عنها، وفي مقدّمتها سَنّ القوانين ومناقشة التشريعات والرقابة على الأداء العام. ومن هذا المنظور، يعدّ إطلاق أعمال المجلس خطوةً صحيحةً من حيث المبدأ، لأنّه يسهم في إعادة تفعيل إحدى المؤسّسات الأساسية للدولة، ويمنح عملية إعادة بناء المؤسّسات قدراً من الاستمرارية والشرعية، غير أنّ هذا التقدير لا يعفي من طرح السؤال الأهم: هل يكفي وجود المؤسّسة بحدّ ذاته، أم أن القيمة الحقيقية للمجلس تتوقّف على طبيعة الدور الذي سيمارسه، وعلى الوظيفة التي سيؤدّيها في الحياة السياسية السورية؟
يمنح إطلاق أعمال مجلس الشعب عملية إعادة بناء المؤسّسات السورية قدراً من الاستمرارية والشرعية
إذا كان وجود مجلس الشعب خطوةً صحيحةً من حيث المبدأ، فأين تكمن المشكلة إذاً؟… تكمن، في جانب كبير منها، في طبيعة النقاش الذي رافق إعلان تشكيله، فقد انصرف الجدل إلى أسماء الأعضاء، وخلفياتهم، وآليات اختيارهم، وكأنّ جوهر الأزمة السورية يكمن في هذه التفاصيل وحدها. وإنْ تستحق هذه القضايا النقاش، إلّا أنّها ليست القضايا المركزية في هذه المرحلة. في الأنظمة الديمقراطية البرلمانية الراسخة، كما هو الحال في ألمانيا، على سبيل المثال، من الطبيعي أن تُوجَّه انتقادات إلى أداء بعض أعضائه، غير أنّ هذه الانتقادات تدور داخل منظومة سياسية ودستورية ديمقراطية مستقرّة، تحكمها قواعد واضحة وآليات مؤسّسية راسخة تضمن المساءلة والشفافية وتداول السلطة. وليس المقصود هنا إجراء مقارنة بين التجربتَين، فذلك سيكون مجحفاً، بل الإشارة إلى أنّ تقييم أيّ برلمان لا يمكن فصله عن السياق السياسي والديمقراطي الذي يعمل ضمنه.
ومن هنا، يحجب التركيز على الأشخاص أو على آلية اختيارهم السؤال الأكثر أهمية: هل يستطيع مجلس الشعب أن يسهم في تأسيس الدولة الجديدة والنظام السياسي الجديد؟ والجواب (في تقدير كاتب هذه السطور) أنّ هذه ليست المهمّة التي أُنشئ البرلمان من أجلها، فالبرلمان مؤسّسة تعمل داخل نظام سياسي قائم، ويستمدّ صلاحياته ووظيفته من الإطار الدستوري الذي ينظم عمله، لكنّه لا يستطيع أن يحلّ محلّ العملية السياسية التأسيسية التي تحدّد طبيعة الدولة، وشكل النظام السياسي، والعلاقة بين السلطة والمجتمع. ومن ثمّ، لا ينبغي المبالغة في تقدير دور البرلمان في هذا السياق، كذلك لا ينبغي، في الوقت نفسه، التقليل من أهمّيته، فالمطلوب فهم وظيفته وحدوده داخل العملية السياسية.
لذلك، تأييد إعادة تفعيل مجلس الشعب بوصفه إحدى مؤسّسات الدولة لا يتعارض مع القول إنّ التحدّي الحقيقي يقع في مكان آخر، فالمؤشّرات الحالية توحي بأنّ النقاش العام يُستنزَف في سجالات جانبية، بينما تغيب الأسئلة المؤسِّسة التي يفترض أن تشغل السوريين في هذه المرحلة: ما طبيعة الدولة التي نريد بناءها؟ وما شكل النظام السياسي الأنسب لسورية؟ وكيف ستُنظّم العلاقة بين السلطة والمجتمع؟ وما الضمانات الدستورية التي تحول دون إعادة إنتاج الاستبداد؟
أخطر ما يواجه سورية اليوم ليس الجدل حول الأشخاص أو آليات الاختيار، بل تراجع النقاش السياسي التأسيسي نفسه، فحين يغيب الحوار الجادّ حول القضايا الكُبرى، ويُستعاض عنها بسجالات جانبية تستنزف المجال العام، يصبح الخطر الحقيقي هو إفراغ السياسة من مضمونها، وتحويل المرحلة الانتقالية إلى مجرّد انتقال في الأشخاص والمؤسّسات، لا في فلسفة الحكم ومنطق إدارة الدولة.
بدلاً من الانشغال بقضايا الدولة والنظام السياسي الجديد، انصرف جزء كبير من النقاش العام إلى قضايا ثانوية أو هامشية، لا تمثّل الأولويات الفعلية للمجتمع السوري في هذه المرحلة. وهذه مشكلة خطيرة تتحمّل مسؤوليتها أطراف متعدّدة، تتفاوت أدوارها ودرجات مسؤوليتها، من السلطة إلى المثقّفين والباحثين والصحافيين، وصولاً إلى مختلف الفاعلين في المجال العام. غير أنّ المسؤولية الأكبر تقع على عاتق السلطة، وإلى جانبها النُّخب الفكرية والبحثية التي يُفترض أن تسهم في توجيه النقاش العام نحو القضايا الجوهرية.
وليس المقصود هنا الدخول في تفاصيل مسؤولية هذه النُّخب، غير أنّه يصعب تجاهل حالة من “السطحية” و”التسطيح” التي طبعت جانباً من إنتاجها الفكري والبحثي. فكثيراً ما نصادف عناوين برّاقة تُخفي مضامين محدودة، ومراكز بحثية تمتلك إمكانات كبيرة، لكنّها تقدّم مشاريع تفتقر إلى العمق و (أو) لا تعكس الأولويات الحقيقية للمجتمع السوري. ويبدو، في حالات غير قليلة، أنّ السعي إلى الحضور الإعلامي (آفة الظهور) والاعتراف داخل الدوائر النُّخبوية بات يطغى على البحث الجادّ في الواقع، وعلى إنتاج معرفة قادرة على الإسهام في فهم التحوّلات التي تشهدها سورية وتقديم رؤىً عمليةً للتعامل معها.
غير أن اختزال الأزمة في أداء النُّخب الفكرية وحدها سيكون تبسيطاً للمسألة. فمهما بلغت مسؤولية المثقّفين والباحثين، فإنّ السلطة تظلّ الفاعل الأكثر تأثيراً في تشكيل المجال العام وتحديد أولوياته. فهي التي تمتلك أدوات صناعة السياسات، وتؤثّر في طبيعة النقاش العام، وتحدّد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، المساحات المتاحة للنقد والبحث والتفكير. ولذلك، إنّ أيّ محاولة لفهم حالة التشتت في النقاش العام لا تكتمل من دون التوقّف عند دور السلطة في إنتاج هذه البيئة أو الإسهام في ترسيخها.
من هنا، لا يكتمل فهم حالة التشتت التي تطبع النقاش العام من دون النظر إلى البنية الأوسع التي تنتجه أو تعيد إنتاجه، فغياب النقاش السياسي التأسيسي، مقابل تضخّم الجدل حول القضايا الجزئية، ليس مجرّد خلل في الأولويات، بل يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها وحدودها. ولا يمكن فهم هذا في معزل عن سياق الثورة التي لم تكن موجّهة ضدّ مؤسّسات الدولة بحدّ ذاتها، بقدر ما كانت تعبيراً عن رفض لنمط إدارتها ومنطق عملها. أي إنّها استهدفت أساساً العقلية التي حكمت تلك المؤسّسات حين وُظّفت لخدمة استمرار السلطة بدل أن تكون أداةً لخدمة المجتمع. ومن هذا المنظور، لا يكمن التحدّي الراهن في استبدال مؤسّسات بأخرى أو إعادة إنتاجها فقط، بل أيضاً في إعادة توجيهها ضمن منطق إداري وسياسي يضع المصلحة العامّة في مركز الفعل السياسي.
لا يقتصر قيام سلطة سياسية جديدة في أعقاب ثورة دفعت أثماناً باهظةً، لا يقتصر على تغيير الأشخاص أو المؤسّسات، بل يقتضي تبنّي نهج جديد في التفكير والحكم، يقطع مع العقلية والممارسات التي راكمت أسباب الثورة. ومن ثمّ، فإنّ التحدّي الحقيقي أمام السلطة اليوم لا يتمثّل بإدارة المرحلة فحسب، بل بإثبات التزامها بالمبادئ التي قامت عليها الثورة، وتحويلها من شعارات عامة إلى سياسات ومؤسّسات فعلية.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو الشعارات البراغماتية، مثل “صفر مشكلات”، كافيةً لمعالجة جوهر الأزمة، ليس لأنّها بلا قيمة في ذاتها، بل لأنّها لا يمكن أن تحلّ محلّ الإصلاحات البنيوية التي طالبت بها الثورة، وفي مقدّمتها إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس أنّ الدولة وسلطاتها وُجدت لخدمة المجتمع، لا للوصاية عليه. ويستدعي هذا تبنّي سياسات وطنية تعزّز الوعي السياسي والاجتماعي، وتدعم البحث العلمي وإنتاج المعرفة، وتؤسّس لمقاربات جدّية في السلم الأهلي والعدالة الانتقالية. ويتطلّب الأمر الثقة بالكفاءات السورية وإطلاق طاقاتها، بدل الارتهان لفكرة أنّ الحلول لا تُستمدّ إلا من الخارج. ولعلّ ما أشار إليه مالك بن نبي (1905– 1973)، في إطار مفهوم “القابلية للاستعمار” أو “الشعور بالدونية أمام الآخر” يذكّر بأنّ جزءاً من تحدّيات بناء الدولة يتعلّق ببنية الوعي نفسه وبالعلاقة بين الذات والآخر.
ومن ثمّ، لا يختزل الانتقال السياسي الحقيقي في تبدّل السلطة أو إعادة تشكيل المؤسّسات، بل يتجلّى في تحوّل أعمق يمسّ الثقافة السياسية والعلاقة بين الدولة والمجتمع، بما يجعل السياسة نفسها أكثر ارتباطاً بالفعل العام وأقلّ انشغالاً بالشكل على حساب الجوهر.
ولا ينبغي أن ينحصر الانتقال السياسي في إنشاء مؤسّسات جديدة أو إصدار نصوص دستورية وتشريعية جديدة؛ فالمؤسّسات تستمدّ مشروعيتها من الوظيفة التي تؤدّيها، لا من وجودها الشكلي. فإذا بقيت تمارس المنطق ذاته الذي حكم العلاقة بين السلطة والمجتمع في الماضي، فإنّها لن تكون سوى إعادة إنتاج للبنية القديمة بأدوات وأسماء جديدة. أمّا جوهر الانتقال السياسي، فيكمن في إعادة تعريف وظيفة الدولة باعتبارها إطاراً لخدمة المجتمع، وضمان الحقوق، وتنظيم الاختلاف، لا أداةً للهيمنة أو الوصاية.
ومن هذا المنطلق، يبدو الجدل الدائر بشأن مجلس الشعب مثالاً واضحاً على هذه الإشكالية. فالسؤال الحاسم ليس: هل يوجد مجلس أم لا؟ بل: أيّ مجلس يُراد له أن يوجد؟ وما الوظيفة التي يُفترض أن يؤدّيها؟ فإذا اقتصر دوره على إضفاء الشرعية الشكلية على القرارات، فإنّه لن يخرج عن أنّه امتداد للنمط الذي عرفته البلاد عقوداً، حتّى إن اختلفت الأسماء والوجوه.
التحدّي الحقيقي أمام السلطة يتمثّل بإثبات التزامها بمبادئ الثورة وتحويلها إلى مؤسّسات
ولا يعني ذلك أنّ غياب المجلس أو تعطيله هو الخيار المطلوب، فوجود مؤسّسة تشريعية يُعدّ ضرورةً لأيّ نظام سياسي يسعى إلى الاستقرار. غير أنّ قيمة هذه المؤسّسة لا تتحدّد بمجرّد انعقادها، بل بقدرتها على أداء دورها في التشريع والرقابة، وإنتاج نقاش عام مسؤول، والمساهمة في بلورة إرادة سياسية وطنية تعكس تعدّدية المجتمع ومصالحه. فالمجلس، في جوهره، ليس مجرّد أداة لإقرار القوانين، بل فضاء لتشكيل الإرادة السياسية الوطنية عبر الحوار والمساءلة وتمثيل المصالح الاجتماعية المختلفة. ومن ثمّ، تقع على عاتق أعضائه مسؤولية تطوير الأداء البرلماني والتشريعي بما يمنع تحوّل المؤسّسة إلى إطار شكلي يفتقر إلى الفاعلية السياسية.
إنّنا بحاجة ماسّة إلى استعادة السياسة بمعناها الجوهري: أي التفكير في نظام سياسي واجتماعي قادر على تنظيم العيش المشترك وضمان استمراريته، بما يراعي تعقيدات المجتمع السوري وتنوّعه. والعيش المشترك، بهذا المعنى، لا يقتصر على التعايش بين المكوّنات الطائفية أو الإثنية فحسب، بل يشمل أيضاً، وقبل ذلك، إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمواطن، بغضّ النظر عن انتماءاته وهُويّاته الفرعية. ولا يمكن ترسيخ هذا المفهوم خارج إطار الدولة، بوصفها الإطار الجامع الذي ينتج القواعد الناظمة للحياة العامة. غير أنّ الإشكال القائم اليوم يتمثّل باستمرار اختزال الدولة، إمّا في مؤسّساتها الشكلية، وإمّا في أجهزتها الضبطية والأمنية، في حين أنّ المؤسّسات ليست هي التي تصنع الدولة، بل إنّ الدولة، بوصفها فكرة سياسية وتنظيمية، هي التي تؤسّس المؤسّسات وتمنحها معناها ووظيفتها.
وما نشهده في أحيان كثيرة محاولة لبناء الترتيبات المؤسّسية قبل اكتمال الأسس السياسية التي تقوم عليها، بما يشبه وضع البنية العُلْوية قبل ترسيخ القواعد. وهي مفارقة لا يمكن أن تنتج استقراراً حقيقياً ما لم تُراجَع بصورة نقدية شاملة، بعيداً من المجاملات أو المعالجات الجزئية التي قد تفرضها حساسية المرحلة.
ومع تفهّم تعقيدات الظرف الراهن وما يرافقه من سياسات احتواء أو تسويات ظرفية، فإنّ العمل السياسي لا يمكن أن يتحوّل إلى فضاء للمجاملات أو التعويض الرمزي، لأنّ غياب المعايير الواضحة في اختيار الكفاءات وممارسة المسؤولية العامّة يهدّد بإضعاف معنى الدولة نفسها، ويحدّ من قدرتها على إنتاج مبادرات فاعلة ومستدامة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الساحة اليوم محكومةً بدرجة من الاستقطاب الرمزي والسردي، غير أنّ هذا لا ينبغي أن يحجب المعركة الأساسية المتعلّقة بتأسيس مشروع سياسي واضح، يعيد بناء الدولة على أسس مؤسّسية ومجتمعية متوازنة. فالمسألة ليست في الانخراط في سجالات جانبية، بل في القدرة على ترسيخ قواعد جديدة للعمل العام. وفي هذا السياق، فإنّ الرسالة الأساسية التي يفترض أن تتبلور هي أنّ الالتزام بالتحوّل السياسي لا يُقاس بالشعارات أو الرموز، بل بمدى القدرة على تحويل المبادئ المعلنة إلى ممارسة مؤسّسية فعالة، تجعل من الدولة إطاراً لخدمة المجتمع لا العكس، وتفتح الطريق أمام انتقال سياسي حقيقي يبدأ من إعادة تعريف وظيفة السياسة نفسها.