ملخص
لماذا يتجه الناس نحو التخفي على وسائل التواصل الاجتماعي؟ وما الدوافع والأسباب التي أدت إلى انتشار هذا الوضع بصورة ملاحظة ومتزايدة خلال الفترة الأخيرة؟ ولماذا تبدو حال الغموض الرقمي إن جاز التعبير في تزايد مستمر؟
مع بداية ظهور وسائل التواصل الاجتماعي منذ نحو 20 عاماً، عُرفت بأنها مواقع للتواصل الاجتماعي بين الناس، وكان الهدف منها وجود علاقة مستمرة حتى لو كانت افتراضية بين الأصدقاء والعائلات، حتى لو بعدت المسافات أو قل التواصل الحقيقي، وكان هذا هو ما يحدث بالفعل، فكان الأمر لا يتجاوز المنشورات الشخصية والصور والاشتراك في بعض المجموعات التي يجد المستخدم أن لديه اهتماماً بها، أياً كانت توجهاتها.
وخلال الأعوام الأخيرة أصبح ملاحظاً بشدة انتشار حسابات تحمل أسماء غريبة، لا توضح هوية أصحابها، حتى إن بعضها لا يتيح التعرف إن كان صاحبه رجلاً أو امرأة، وانتشر بصورة كبيرة جداً استخدام خاصية مجهول الهوية (Anonymous) في التعليقات على منشورات الصفحات المختلفة، وأحياناً يكون المعلقون بالأسماء الحقيقية قلة، والمسيطر هو التعليقات من مجهولينالحسابات ذات الأسماء الغريبة، وإن كان أحياناً ظاهرها الحفاظ على الخصوصية، أو أن يكون صاحبها أكثر تحرر في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، فإنها من جانب آخر أصبحت تمثل وسيلة أساسية للتشهير والتنمر والإساءة، حتى إن بعضهم يكون لديه حساب باسم آخر غير اسمه، يستخدمه لهذا الغرض ويترك حسابه الأساس باسمه وهويته الحقيقية للتعامل مع دائرته، ويظهر من خلاله الصورة التي يريدها للمجتمع الرقمي.
وعلى رغم أن الظاهرة عالمية فإن لها حضوراً أكبر في مصر والعالم العربي، لاعتبارات مختلفة يرتبط بعضها بطبيعة المجتمع ذاته، ونوعية الحريات التي يحصل عليها أفراده على المستوى الاجتماعي، فلماذا يتجّه الناس نحو التخفي على وسائل التواصل الاجتماعي؟ وما الدوافع والأسباب التي أدت إلى انتشار هذا الوضع بصورة أصبحت ملاحظة ومتزايدة خلال الفترة الأخيرة؟ ولماذا تعد حال الغموض الرقمي في تزايد مستمر؟
وسائل التواصل الاجتماعي والرأي العام
وفق رؤية استشاري علم النفس الرقمي وعضو الهيئة الاستشارية العليا لتكنولوجيا المعلومات، نيفين حسني، فإن “هذا الأمر ينقسم إلى أشكال عدة، من بينها الحسابات التي لا تضع صورة أو اسماً حقيقياً بغرض التخفي، وأن يوجدوا على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة مجهولة لأسباب مختلفة، فبعض الناس تكتب اسماً حقيقياً، ولا تضع صورة أو معلومات تعبّر عن هويتها يمكن التعرف إليهم من خلالها، وبعضهم أصبح يغلق التعريف من منطلق الخصوصية، حتى لا تكون منشوراته وصوره متاحة للجميع، وهنا الأمر على اعتبار الحماية وليس التخفي، وهذه الظاهرة لا يمكن حصرها في نطاق واحد، فقد يكون الهدف منها الخصوصية، وقد يكون لأهداف أخرى غير مشروعة، مثل الإساءة إلى آخرين من دون معرفة هوية الشخص أو التلصص عليهم، والعبرة هنا بالهدف”.
وتضيف حسني أنه “في حال الصفحات والمجموعات التي أصبح تنتشر فيها تعليقات بصيغة مجهول الهوية، فالأمر هنا له أبعاد مختلفة، فأحياناً يرغب شخص في السؤال عن شيء أو معلومة، ولا يفضّل أن يعلم كل متابعوه عن هذا الأمر، مثل استشارة قانونية أو طبية، وأحياناً يرغب في السؤال عن أمر خاص أو حتى شيء يرغب في أن يشتريه، فاختيار مجهول الهوية هنا ليس أمراً سيئاً، بل على العكس أتاح المشاركة والتفاعل واكتساب الخبرات من دون حرج، بخاصة أن هوية الشخص الحقيقية ليس لها أهمية هنا، لكن أن يستخدم هذا الخيار كوسيلة تستخدم لنشر تعليقات مسيئة وشتائم وإهانة آخرين، من دون معرفة هوية صاحب التعليق، فهذا هو الاستخدام السيئ”.
وتوضح “أن القائمين على أية صفحة أو مجموعة على وسائل التواصل الاجتماعي يعرفون هوية الشخص حتى لو كان مجهول الهوية أمام المتابعين، ففي النهاية يمكن التعرف إليه، والأمر نفسه بالنسبة إلى الحسابات التي تكون بأسماء غريبة، ففي حال قام أصحابها بالإساءة إلى شخص، وقُدم بلاغ للسلطات، فستتمكن من تعقبه والقبض عليه، فالتخفي هنا هو لجمهور وسائل التواصل الاجتماعي فقط”.
مع إثارة أية قضية أو حدث فإنه كثيراً ما تدفع وسائل التواصل الاجتماعي إلى الاعتقاد بأن هذا التوجه هو الغالب، وهذا الرأي هو الأصوب، وفي سياق آخر فهذا النجم هو الأكثر نجاحاً، أو هذا الفيلم هو الأفضل، وينطبق هذا على مناحي الحياة كافة، ويتعلق بصورة وثيقة بالحسابات الوهمية والتعليقات المجهولة التي توجه نحو فكر أو رأي، من دون معرفة هوية أصحابها.
تقول حسني إن “هذا يمثل واحداً من أهم الجوانب السلبية للظاهرة، فهذه الحسابات يمكن أن تنشر أموراً تثير بلبلة أو شائعات، وكذلك الحسابات الوهمية المرتبطة باللجان الإلكترونية التي تعمل على دفع الرأي العام نحو اتجاه معين، في مجالات وقضايا عدة، فهذا يحدث أحياناً بصورة ممنهجة ومنظمة يقوم عليها أفراد أو شركات، تجعل الناس يعتقدون في أمر معين بسبب التكرار والانتشار الكبير”، متابعة “إن كان لهذه الخاصية جانب مفيد، فهو يتمثل فقط في أنه يمكن أصحابها من المشاركة والتعليق بتجارب حقيقية، حول بعض المواضيع الاجتماعية الحساسة، أو ذكر شهادات حول مواضيع قد يخجل أصحابها من الحديث فيها علناً، ويفيد هذا أحياناً في معرفة تجارب حقيقية بصورة آمنة لأصحابها تحفظ لهم خصوصيتهم، وتجنّبهم الحرج أو الوصم أو التقييم من آخرين”.
التحرر عبر الإنترنت
منذ أعوام ظهر مفهوم تأثير التحرر عبر الإنترنت لعالم النفس الأميركي جون سولر، الذي يعدّ مؤسس علم النفس السيبراني، الذي أوضح أن هذا التخفي يمنح المستخدمين شعوراً بالحصانة النفسية، تتيح لهم إظهار جوانب من شخصياتهم، سواء أكانت متعاطفة أم داعمة لفعل أو شخص، وربما على الجانب الآخر عدائية وعنيفة، وأحياناً متطرفة، وحدد عوامل معينة تسبب حال التحرر الرقمي بصورة مباشرة، وعلى رأسها مجهولية الهوية واللامرئية، والتواصل غير المتزامن وعدم الحاجة إلى الرد الفوري.
وفي دراسة مصرية للباحث أحمد زين العابدين إبراهيم، أجريت في كلية الآداب جامعة أسيوط بعنوان “خصائص الهُوية الافتراضية لدى الشباب المصري: دراسة لعينة من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي”، فقد ثبت أن 46 في المئة من عينة الدراسة التي بلغت نحو 500 شاب وفتاة لا يضعون بياناتهم الحقيقية على حسابات وسائل التواصل الاجتماعي، وجاء “فيسبوك” على قائمة منصات التواصل الاجتماعي التي يتعامل معها أفراد العينة بهويات غير حقيقية، وكانت أبرز الأسباب التي ذكرها الشباب لاستخدام هويات مجهولة هي لفت انتباه الآخرين، والتعرف إلى الجنس الآخر بحرية، لأنها تمثل الهوية التي يحلم بها الشاب، وخلق نوع من الغموض حول صفحته، والتحدث بحرية ومن دون حرج، حتى لا يتابعنه أهله، لأنه يشعر بالخجل.
والحسابات التي لا يستخدم أصحابها أسماءهم الحقيقية، والتعليق المجهول الهوية، ربما تكون وسيلة تزيد من الشعور بالأمان الرقمي، وبصورة خاصة في المجتمعات التي يكون هناك تحفز تجاه بعض الفئات مثل النساء، فهنا يكون الشخص أكثر شجاعة في التفاعل مع النقاشات العامة من دون خوف أو حرج أو قلق من التعرض لتجاوزات.
وتقول ريم خالد، (31 سنة)، “أعتمد بالفعل التعليق بطريقة مجهول الهوية في معظم الصفحات والمجموعات لأسباب عدة، أولها أنه سابقاً عندما كنت أستخدم هويتي الحقيقة كنت أتعرض لكثير من المضايقات، وأتلقى رسائل سخيفة من أشخاص تنتقد تعليقي، فاتجهت إلى هذا الوضع لأنه يمنحني حرية أكبر، ولن ندفن رؤوسنا في الرمال، فالبيئة الرقمية في المجتمعات العربية ليست آمنة للنساء بالقدر الكافي، ويتعرضن فيها لكثير من المضايقات، وصحيح أن هناك تطوراً في التشريعات، ويمكن الإبلاغ عن هذه الإساءات، لكن سد هذا الباب من الأساس هو السبيل الأسهل، طالما ليس هناك ضرورة لظهور هويتي الحقيقية”.
وتضيف سارة أحمد (29 سنة)، أن “وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تدخل في جوانب الحياة، ولديّ بالفعل حساب آخر باسم مستعار أستخدمه في حال رغبتي كتابة منشور للحصول على استشارة، أو السؤال عن شيء أرغب في شرائه، وأشياء من هذا القبيل، لأن العالم كله سيعرف هذه التفاصيل إذا قمت بها عبر حسابي الأساس، وأفعل هذا من باب الخصوصية لا أكثر، لأن الناس أصبحوا يراقبون بعضهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أما أن يستخدم الناس هذا في التخفي وراء اسم مستعار للإساءة وإهانة الآخرين، فهذا أسوأ ما نشاهده حالياً على مواقع التواصل الاجتماعي”.
أما حاتم علي (41 سنة) فيعتقد أن هذا الأمر “أفقد وسائل التواصل الاجتماعي كثيراً من وظائفها الأساس، وبصورة شخصية لا أفضل أسلوب الاختفاء الذي صار متّبعاً، فأحياناً أجد إضافة من أشخاص لا أعرف ما هي هويتهم، لأنه لا اسم ولا صورة لهم، ولا يمكن الاستدلال إن كان رجلاً أو امرأة، وهذا أمر شديد الخطورة، لأنه يمكن أن يستغل في كثير من الأمور غير المشروعة، وأفضل أن يتعامل الناس بهويات واضحة من دون تحايل، وأعتقد أن هذا سيقلل كثيراً من التجاوزات والشتائم والتنمر التي يقوم بها الناس، وهم متخفون خلف حساب باسم وهمي، أو التعليق مجهول الهوية”.
التأثير النفسي للإخفاء
هل يمكن أن يرتبط التخفي على وسائل التواصل الاجتماعي بأسباب نفسية معينة، تدفع نحو القيام بهذا الفعل، مثل الخجل أو التوتر، أو ربما عدم القدرة على التفاعل ومواجهة المجتمع عند بعض الأفراد، لتكون حالاً نفسية أو مرضية أكبر من مجرد إخفاء الاسم الحقيقي؟
يقول أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر محمد حمودة إن “إخفاء الهوية الرقمية قد يكون مرضيّاً في حال وجود واحد من الأعراض النفسية التالية: قلق اجتماعي شديد أو أفكار اضطهادية أو شك مرضي ما، وإذا كان الهدف هو حماية الخصوصية أو الفصل بين الحياة الشخصية والعامة فهو سلوك تكيّفي، فعندما يشعر الإنسان بأن هويته غير معروفة يقل شعوره بالمساءلة، فيصبح أكثر جرأة في التعبير، وهذا قد يكون إيجابياً في حال الإفصاح عن المشاعر أو سلبياً في حال الإساءة والتنمر ونشر الكراهية، وتشير الدراسات إلى أن ازدياد القلق في شأن الخصوصية، والاستقطاب المجتمعي، والخوف من الإلغاء، كلها عوامل دفعت مزيداً من المستخدمين إلى استخدام حسابات خاصة أو أسماء مستعارة”.
ويتابع أن “الدوافع تختلف في ما يتعلق بإخفاء الهوية على وسائل التواصل الاجتماعي، ولها أسباب عدة، من بينها الحفاظ على الخصوصية، بخاصة مع زيادة جمع البيانات الشخصية والاختراقات الإلكترونية، فأصبح كثر يخشون كشف معلوماتهم أو صورهم، ومن أهم الأسباب أيضاً الخوف من الأحكام الاجتماعية، فالمستخدم قد يرغب في التعبير عن آرائه السياسية أو الدينية أو الشخصية من دون التعرض للنقد أو التنمر، ويزداد هذا الأمر بصورة خاصة في المجتمعات المحافظة، إذ قد تؤثر الآراء في العلاقات أو فرص العمل، وبعضهم يلجأ إلى هذا بسبب الرغبة في حرية التعبير، فالاسم المستعار يمنح شعوراً بالأمان، فيتحدث الشخص بصراحة أكبر عن مشكلاته النفسية أو تجاربه أو أفكاره”.
ويضيف أستاذ الطب النفسي أن “بعضهم يلجأ إلى هذا الوضع لأنه يرفض ثقافة الاستعراض التي تسود وسائل التواصل الاجتماعي، فبعض الأشخاص لم يعودوا يرغبون في مشاركة تفاصيل حياتهم أو الدخول في منافسة اجتماعية حول السفر والنجاح والمظهر، ويستخدمون الحسابات لأغراض محددة مثل متابعة الأخبار، أو الاهتمامات، أو الألعاب، أو المجموعات المتخصصة، من دون الحاجة إلى إظهار الهوية الحقيقية، وبعض من تعرضوا للتنمر أو المضايقات أو المطاردة يفضلون جعل حساباتهم مغلقة، أو إخفاء هويتهم خوفاً من التعرض لها مرة أخرى”.
