في حديقة البيت تتصاعد قضبان البامبو القزم يومًا بعد يوم. تنتشر أفقيًا بين شجيرات الإيبيسكوس المزهرة الحمراء، وتلاصق الجدار لتمنح تشققاته بهاءً خاصًا. ولأنها صغيرة ومتجددة ولا تشبه في شيء أعواد قصب البامبو الهائلة المعروفة إلا في هيئتها، فهي لا تجاوز المترين، وكأنها لا ترغب في حجب الأفق عني حين أرتكن إلى مكان فيها لتدخين سيجارة أو التفكّر في أمر ما. في عام 2000 أخذت من حديقة محمد القاسمي (الذي لم يكن بيته الكبير يبعد عن بيتي بأكثر من بضع مئات من الأمتار) شتلة من هذا البامبو القزم وغرستها قرب الجدار. كان غرضي أن أستعمل قصبها لصنع أقلام خط. فقد كنت موهوبًا إلى حد ما في الكتابة بالخط المغربي والأندلسي، وحظيت بفترة تدريب خلال دراستي بباريس في بداية الثمانينيات في ورشة للخطاط العراقي حسن المسعودي.
وها هي القصبات، بعد ربع قرن، تكاد تكسو الجدار بكامله، وكأنها لوحة راقصة لمن تحيل إليه في غيابه المبكر.
قصة البامبو ترتبط بقصة أخرى لها نكهة متناسلة أيضًا مثل نبتة. في الفترة نفسها، زرت القاسمي يومًا رفقة ابنتي الوسطى شهرزاد (التي صارت اليوم مؤرخة وناقدة للفنون وقيّمة على المعارض). وجدنا السي محمد منهمكًا في مرسمه على الاشتغال على لوحة هائلة تغطي جدار المرسم. فهو كان يشتغل عاموديًا مستعينًا بسلم، أو يطرح القماشة أرضًا ويشتغل عليها. نزل من السلم، وحيّانا وقبّل شهرزاد الصغيرة وتبادل معها بعض الحديث باللغة الفرنسية، وأعلن لها أن لديه سلسلة فنية بعنوان “شهرزاد عن الحرب على العراق”. ثم إنه فجأة رسم مربعًا من نصف متر أسفل القماشة، وحثّها على الرسم معه. وأنا على كرسي أراقبهما يشتغلان معًا، أتذكر أنهما كانا يتبادلان البسمات المرحة. وبعد وفاة الفنان، ظللنا أنا وابنتي نتساءل عن مصير هذه اللوحة. وقبل أشهر فقط، وبعد صدور الكاتالوغ الشامل المعقلن لأعمال القاسمي في جزأين، طرقت بالي فكرة البحث فيه عن اللوحة “المشتركة” هذه. عدت لتاريخ الزيارة وبدأت البحث فعثرت عليها بعد لأْي. فلكي يحافظ القاسمي على بصمة شهرزاد، ولأول مرة في أعماله، قسّم الجزء الأيمن لتلك اللوحة إلى مربعات! وكم كانت فرحة شهرزاد كبيرة بحل لغز “لوحتها” المفقودة!
| كاتب المقال مع القاسمي وزوجته (1999) في معرض كتب نصه التقديمي مع إدمون عمران المالح وصورة أخرى له مع القاسمي بباريس عام 2002، سنة قبل رحيله |
القاسمي: القصة الخفية القاتلة
تعشق الذاكرة التفاصيل، مهما كان صغرها وتفاهتها، لأنها تمنح وجودنا قصصًا متناسلة تدفئ صقيع الغياب. إنها تمنحها في وكرها لمعانًا لا يخيب أبدًا، يؤثث حضور من تشير إليه. وهذه النبتة قد استنبتت في فضاء مغاير حكاية فنان كبير وامتدادًا لصداقة عميقة امتدت لسنوات طويلة. وأنا الآن لا أعرف مصير مقام القاسمي الكبير، بحديقته الشاسعة وبيته البسيط كما بمرسمه الهائل ومخزن اللوحات، والمسبح الفارغ دومًا الذي كان يستعمله السي محمد أحيانًا لإبداع بعض لوحاته الكبيرة، والذي كانت أخلاط الألوان مرتسمة عليه. أعرف فقط أن الشاب عبد الله، مساعده الذي كان رجل كافة المهام، هو الذي اقتطع شتلة قصب البامبو القزم وهيأها لي كي أحملها معي. عبد الله هذا، بعد وفاة القاسمي، ظل لمدة سنوات يحرس بيتًا مهجورًا، بعد أن حكم القضاء المغربي بغلقه وحجز جميع محتوياته من لوحات وأثاث وذكريات حتى يُحسم بأمر التركة. ظللت أتردد بين الفينة والأخرى على البيت لإنعاش ذكرى الصديق الراحل، وكم كان محزنًا أن أرى الشاب يهزل ويغدو صامتًا وتشيخ ملامحه بعد رحيل صاحبه وانغماره في بيت شاسع مهجور. البيت الذي كان صاخبًا بإيقاع إنجاز اللوحات ومرور الأصدقاء وصمود القاسمي أمام المرض الفتاك ومشعًا بابتسامته المعهودة.
ويومًا سمعت أن الشاب انتحر (هل كان ذلك حقيقة؟). أعتقد أن روحه تفتتت وهو يعاين لوحات القاسمي تتآكل بفعل الرطوبة، وأشياءه تغمرها طبقات الغبار، ومرسمه يغدو وكرًا للجرذان. أو أنه توفي غمًّا وكمَدًا، نفسًا قبل الجسد، بعد وفاة صاحبه وإغلاق البيت لمدة تفوق العشر سنوات!
إذا كان السي محمد في حياته يتحدث أحيانًا نادرة عن أمه، وعن حياته الفقيرة في مدينة مكناس وعن بداياته ولحظات تكوينه في الفن، فهو لم ينبس أبدًا ببنت شفة عن عائلته الكبيرة. كان بالتأكيد يفضل هذه العزلة التي تجعل منه العصامي الذي يعيش إبداعه وشهرته وصعود نجمه في التشكيل والكتابة والنسيان. يؤثث محنة الطفولة بمتعة الحاضر والوجود المنساب.
لم يكن السي محمد أيضًا يقبل بموته الممكن. كان يتبع العلاج ويتناول الأدوية، من غير أن يقبل التفكير في رحيله المحتمل. قلت له يومًا بحزم: الأمر لا يتعلق بغيابنا يومًا ما، وإنما بحماية بناتنا من وضعية قانونية وشرعية تمنح لأفراد عائلة من لم يلد غير البنات (وكانت لي حينها بنتان وله بنت واحدة) الحق في مقاسمة فلذات أكبادنا ما تركه لهن الأب (حسب الشرع والقانون). وذلكم هو ما حصل بالضبط. فما إن انتشر خبر وفاته حتى ظهر في التلفزيون المغربي أشخاص لم يكونوا في الحسبان، يزعمون بالدلائل أنهم من عائلته ومن ورثته. وهكذا بدأت رحلة إرث فني شخصي من أهم موروثات الفن المغربي الحديث والمعاصر تجد نفسها عرضة للكواسر والجوارح والرطوبة المفترسة (فبيت القاسمي لم يكن يبعد عن البحر المحيط بأكثر من خمسمائة متر).
| جانب من المعرض الذي نظّمه كاتب المقال للقاسمي (2013-2014)/ وعمل من أعمال القاسمي |
الخروج من عنق الزجاجة
عشر سنوات كاملة، وأكثر من 700 قطعة فنية تتآكل بفعل رطوبة البحر والإهمال؛ من بينها لوحات هائلة يتجاوز طولها 13 مترًا، وأخرى يتجاوز عرضها الثلاثة أمتار. كان القاسمي غزير الإنتاج متنوع الأسناد. أتذكر مخزنه الصغير الذي كان يحوي، إضافة إلى لوحات على المسند الخشبي الصغير لعداد الكهرباء، لوحات على الغلاف الكرتوني الرقيق لأكياس الإسمنت. وقد أنجزها في مقامه بمالي حين لم يتوفر له الورق أو القماش هناك. وهناك أيضًا، في أواسط التسعينيات، استخدم أيضًا لأول مرة في حياته آلة فوتوغرافية شبه أوتوماتيكية أنجز بها صورًا للنساء والأطفال في مالي يبرز فيها حسه الفني الجديد.
يعتقد بعض المتشبعين بشمولية تاريخ الفن الغربي أننا، بالمغرب والعالم العربي، انتقلنا من الفن الحديث إلى المعاصر، مثلنا في ذلك مثل الغرب. والحال أن تاريخنا الفني يتداخل فيه العتيق بالحديث بالمعاصر وفقًا لإيقاع يتم فيه هذا التداخل بشكل غير تاريخي historial. ولا أدل على ذلك أن القاسمي مارس المنشأة الفنية منذ 1977 حيث أثبت على شاطئ الهرهورة (قرب الرباط) مجموعة من الأعلام المحمولة على أعمدة طويلة، وأنجز منشأة فنية على واجهة كنيسة في غرونوبل عام 1985، ونحن مدينون له بأهم منشأة فنية استشرافية عام 1996 في المعهد الفرنسي بالرباط (سماها “مغارة الزمن الآتي”) جمع فيها بين التشكيل والنحت وترتيب أشياء من قبيل شاشات التلفزيون وغيرها، ويمكن اعتبارها فاتحة الفن المعاصر بالمغرب. كما قام بأحد المسارح الأثرية بتركيا عام 1986 بمنجزة أدائية هامة، وفي البنين عام 1994، في شاطئ طريق العبيد، أثبت لوحة دائرية، ومنها طبع آثار قدميه نحو البحر، ذلك البحر الذي كان يحمل العبيد نحو أميركا. وهو ما يفسر كون القاسمي كان حداثيًا وما بعد حداثي وحديثًا ومعاصرًا في الآن نفسه، قبل أن يبدأ الحديث في التشكيل العربي عن فنانين معاصرين من قبيل منير الفاطمي ويونس رحمون وغيرهما.
بعد حكم القضاء بالحجز على بيت القاسمي، جهدنا نحن أصدقاؤه بمؤازرة زوجته وابنته، وكوّنا لجنة تعمل على حث وزارة الثقافة بالتدخل لحل المشكل لأن تركة القاسمي الفنية الهائلة كانت في خطر. ظل المشكل يجثم بثقله على تلك التركة التي كانت تُسيل لعاب المضاربين. وفي 2013، وكنت حينئذ مستشارًا فنيًا لبنك المغرب (البنك المركزي للمغرب) مكلفًا بالمقتنيات وتنظيم التظاهرات الفنية بمتحف بنك المغرب، اقترحت تنظيم معرض استعادي للقاسمي. وكان هذا الحدث أول معرض كبير للفنان بعد وفاته في 2003. كانت الفكرة تهدف إلى إثارة الانتباه لوضعية موروث القاسمي الذي كلف القضاء أحد الخبراء بجرده (أكثر من 700 قطعة متنوعة).
خلال هذا المعرض، الذي كان حدثًا فنيًا (بعد معرض الجيلالي الغرباوي الذي نظمته سنة قبل ذلك)، سألني والي بنك المغرب (وهو شخصية نافذة في الحكومة المغربية) حين جاء يزور المعرض عن مآل تركة القاسمي، فشرحت له الوضعية المزرية والمأساوية التي تعرفها أعمال المرحوم. فاقترح عليّ بعفوية أن يعمل بنك المغرب على اقتناء ما تركه الفنان بجملته. كان هذا التصريح فاتحة للحل. فما إن وصل الخبر إلى المهتمين به وإلى عائلته حتى تحرك أحدهم (وكان يملك رواقًا فنيًا ودارًا لبيع الأعمال الفنية بالمزاد العلني)، وسعى إلى تأطير حل المشكل بتعويض العائلة البعيدة للقاسمي بالعقار والمال لتحرير التركة الفنية الكبيرة للقاسمي، والعمل على ترميم ما تلف منها وعرضها. وذلكم ما كان.
| محمد القاسمي في مرسمه |
طائر الفينيق يحلّق من جديد
كان القاسمي كتومًا جدًا بخصوص الجانب التداولي التجاري. وكان يتعامل مع ناشر فرنسي صاحب رواق في الدار البيضاء ثم في مراكش. وفي معرض له بهذا الرواق عام 1999 كان قد حضره الروائي المصري جمال الغيطاني (وهناك تعرفت عليه شخصيًا لأول مرة وأخبرني أنه ينشر منذ 1993 فصولًا من ترجماتي في أسبوعية “أخبار الأدب”)، أطلعني القاسمي على المخزون الكبير من أعماله التي يسهر الرواق على بيعها. ثم قبيل وفاته بقليل كان يشتغل مع الشاعر عبد اللطيف اللعبي على كتاب مشترك ومعرض يضم جملة من اللوحات. وأنا أتساءل اليوم عن مصير تلك اللوحات؟ هل أُعيدت لصاحبها؟
بعد الجرد الذي يضمه الكاتالوغ الشامل المعقلن للقاسمي، الذي صدر عام 2017 (وهو للأسف يتضمن ثغرات كثيرة)، أضحى من الممكن الوقوف على الأوجه المتعددة للقاسمي.
نشر القاسمي في فرنسا في أواخر حياته منتخبًا من كتاباته الفرنسية عن الفن وعن تجربته وحياته ومواقفه. بيد أن ما ينتظر النشر اليوم هو ما تركه من كتابات منشورة أو مخطوطة بالعربية، فقد كان يتقن اللغتين معًا ويكتب بهما المقالة والشعر. وكان فاعلًا ثقافيًا في الثقافة التقدمية عمومًا في تلك الفترة، ينتمي إلى اتحاد كتاب المغرب ويشارك في التظاهرات الثقافية المدنية ويكتب رأيه في الجرائد والمجلات ذات الصدى الثقافي العميق، ويصاحب أهم المثقفين والكتاب في عصره (أبرزهم عبد الكبير الخطيبي صديقنا المشترك).
واليوم، بعد أن صارت أفريقيا شعارًا استراتيجيًا للمغرب (بعد ليبيا وبشكل مغاير)، يحق لنا القول بأن القاسمي كان أول فنان عربي يجعل من أفريقيا موطنًا فنيًا له وأفقًا للممارسة الفكرية والإبداعية: فقد كان من الأسماء المؤسسة لـ”مهرجان دكار للفن المعاصر” (داكارت) في أواسط التسعينيات، وكانت إقاماته في السنغال ومالي ودولة البنين تحريرًا للحدود الوهمية بين شمال أفريقيا وجنوبها. لنقرأ له كيف عبّر عن هذا الأفق المفتوح، منتقدًا الرؤية الغرابية (الإكزوسية) التي تحكم المنظور المركزي الغربي: “الفنان الأفريقي ليس فقط ممثلًا لقارته، أو ناقلًا للغرابية والطقوس الموروثة التي تغذي خيالاتٍ فَقَدت معناها. فالمبدع في أفريقيا هو معبرُ تاريخه الخاص، بكل ما يحمله من تعقيد، وسموّ، وطقوسية، وبهاء؛ في مواجهة التحولات، والقمع المحلي والدولي، والمآسي، والانحرافات السياسية؛ وفي وجه الاستبداد بكافة أشكاله، بما في ذلك استبداد تقاليده الخاصة. إن الفنان الأفريقي المعاصر هو أركيولوجيّ لتعاقب الزمن، وفرشات التاريخ، والرموز، والمادة، منذ العصر الحجري (واكتشاف الأصول) حتى يومنا هذا. إنه حالة من الكينونة المتصلة مباشرة بالأحداث. فأفريقيا ليست فقط حيزًا جغرافيًا منتجًا للرموز والطقوس ورحلات السفاري كما هو الأمر غالبًا في المخيلة الغربية، بل هي أيضًا أرض الموت، والتصحر الثقافي، والخراب، والتلاعبات بشتى أنواعها”…. إنها رؤية ثقافية شاملة واستشرافية وديكولونيالية قبل الأوان…
ولليوم يستمر القاسمي ينبت قصبًا في حديقة مخيلتي وذاكرتي، سامقًا ويانعًا وباسمًا…