في هذا الحوار الخاص، يتحدث الكرد مع مراسلة “العربي الجديد” في نيويورك عن الكتاب وسياقه واللحظة الفلسطينية الراهنة:
(*) دعنا نبدأ من فكرة كتاب “الضحايا المثاليون”، وما الذي أردت توصيله؟
فكرة “الضحايا المثاليون” هي معالجة وبحث معضلة تواجهنا كفلسطينيين، سواء أكان ذلك في الغرب أو العالم العربي، وهي التعامل معنا وكأننا ملزمون باتباع سردية معينة، بموجبها علينا أن نتصرف بشكل معين كي نستحق الحياة والتعاطف والتضامن، وهذا أمر إشكالي. وقد يكون ذلك واضحًا في تعامل الغرب معنا، لكنه موجود كذلك في العالم العربي.
يشعر الكثير من الفلسطينيين، على مستويات مختلفة، بما فيها الشارع الفلسطيني، أنهم مطالبون بالتصرف كملائكة. ووجدتُ من الضروري الكتابة عن ذلك بالإنكليزية، وبالدرجة الأولى لأشخاص لديهم معرفة ما بالقضية الفلسطينية، وهم متعاطفون معنا. وهي محاولة كذلك لمواجهة السردية الليبرالية.
(*) بدايات ظهور اسمك إعلاميًا ارتبطت بحي الشيخ جرّاح في القدس، حيث بدأت، في عمر إحدى عشرة سنة، مع أختك منى، بعد احتلال مستوطنين لجزء من بيتكما (وهو مستمر حتى الآن)، بمقاومته وتوثيق ذلك. واضطررت إلى بدء المحاججة بعمر صغير… كيف كانت هذه التجربة بالنسبة لك؟
نعم، هذا صحيح. في حي الشيخ جرّاح كان عنف المستوطنين جزءًا من حياتنا اليومية، ولم أستوعب إلا بعد الخروج من هناك (للدراسة بمنحة في الولايات المتحدة) أنه وضع غير طبيعي. كنا “مزارًا” لكثير من الدبلوماسيين والنشطاء والسياسيين الغربيين، ولم يكن هناك في العائلة من يتحدث الإنكليزية أو يريد أن يتحدث بها، فوجدت نفسي، كطفل، مجبرًا على الحديث والمحاججة. كان ذلك في حدود عام 2011، ثم عاد خطر التهجير في عام 2021 (مع ما عُرف بحراك الشيخ جرّاح). ولعبت هذا الدور مجددًا إلى جانب عدد من النشطاء الشباب بالتحدث إلى الإعلام الغربي والمحاججة، وهذا أحد الأسباب لشعوري بأنني مجبر على الكتابة والتعامل باللغة الإنكليزية.
(*) ماذا تعني لك ترجمة الكتاب إلى العربية؟
نواجه، كفلسطينيين، وخاصة مع اتفاقيات التطبيع، خطر محو الوعي المناهض للصهيونية والوعي بالقضية الفلسطينية. ونسمع الكثير من السرديات المغلوطة عن الفلسطينيين وقضيتهم والمقاومة، وبالنسبة لي كان من المهم مواجهتها ونشر الكتاب بالعربية.
(*) تهجَّرت جدتك رفقة من حيفا في أثناء النكبة. تذكرها في كتابك الأخير وفي شعرك. ما تأثيرها عليك، وما أهمية الرواية الشفوية بالنسبة لك على المستوى الشخصي، ولماذا تُهمَّش أحيانًا؟
في آخر لقاء جمعني بكِ في نيويورك قبل شهر تقريبًا قلتِ شيئًا بقي عالقًا في ذهني، وهو أن الرواية الشفوية تلعب دورًا مهمًا لدى الشعوب المقموعة، لأسباب عديدة، من بينها دورها بوصفها تاريخًا بديلًا، وهذا ينطبق عليّ. فالتعليم في مدارس القدس، الذي يندرج تحت النظام والمنهاج التعليمي الإسرائيلي، يهدف إلى محو الهوية الفلسطينية، وفيه الكثير من الرقابة. وكانت جدتي من المصادر الوحيدة، قبل القراءة والكتب، التي روت لي تاريخنا كما نراه نحن.
عندما كانت تأتي الصحافة ويأتي الدبلوماسيون إلى بيتنا في الشيخ جرّاح، كانت تجلس دائمًا في زاوية الغرفة، وتعلّق بسخرية على ما يقولون. وكانت تقول، ساخرة من البريطانيين: “أنتم السبب في نكبتنا”. كانت بالنسبة لي مرساةً توطّنني في الواقع، ولا تجعلني أتهادن مع هذه السرديات أو أتصرف بما يليق بالمعايير الغربية. وكان لديها مثلٌ لكل شيء، وكانت هذه الأمثال تختزل الكثير من المعاني والبساطة. كما كانت تتمتع بسلطةٍ ورثتها، خاصةً في الحديث عن بلدي.
(*) تتحدث عن “الأنسنة” في الكتاب، وتستخدمها بدلالاتها السلبية. ما الذي تقصده بها؟ وإذا كانت هذه عملة، فإن لها وجهًا آخر، بالنسبة لي، هو “البطل الأسطوري”، الذي يحاول أحيانًا داعمو القضية الفلسطينية في الغرب والعرب أيضًا فرضه علينا، أو “الشيطنة” من الأعداء. ما رأيك؟
قد تختلف الأنسنة بمعانيها في الأدب، وقد تهدف إلى تقريب القارئ من عوالم الشخصيات وإنسانيتها. أنا أستخدمها في سياق يُنظر فيه إلى الفلسطيني، في الغرب، على أنه “لا إنسان”، وتُبذل محاولات لإقناع القارئ أو المشاهد بأن الفلسطيني إنسان. في ذلك شيء من الإهانة. يترك هؤلاء كل التهجير والإبادة والقصف والعنف والجريمة، ويحاولون تركيب أجنحة ملاك للتعاطف معه، وهذا إشكالي.
وهناك توجه ينطلق من ضرورة أنسنة الفلسطيني، وخاصة بعد الانتفاضات وخطف الطائرات والعمليات الفدائية والاستشهادية، حيث أصبح يُنظر إليه على أنه “شيطان” و”إرهابي”، وبالتالي، بحسب هذه السردية، يجب العمل على إظهاره كضحية وملاك، وهذا منطق لا يأتي بثماره. قد تكون الأنسنة، في مرحلة سابقة وكوليدة الحاجة، مهمة، ولكن بعد عقود من استخدام الاستراتيجيات نفسها القائمة على الاستعطاف، نجد أنها استراتيجية عقيمة. والجميع رأى ما حدث في غزة والإبادة، وبالرغم من ذلك لم تنتهِ الإبادة، ولم يتغير العالم أو واقع الفلسطينيين بشكل ملموس، بل ازداد سوءًا.
وعلى غرار الأنسنة، هناك محاولات، كما ذكرت في سؤالك، لتحويل الفلسطيني إلى بطل أسطوري، والكثير من حلفائنا في الغرب والعالم العربي، وحتى بعض الفلسطينيين، مذنبون في ذلك. أعتقد أن النيات حسنة، ولكنها تؤدي، بطريقة ما، إلى نتيجة مشابهة. يرفع هؤلاء العتب عن أنفسهم، ويشعرون أنهم ليسوا بحاجة إلى القيام بواجبهم، بحيث يصبح الفلسطيني هو البطل الذي سيتمكن من تحرير ذاته من تحت الركام (من دون أي مساعدة خارجية). وكأن جزءًا من تعريف الفلسطيني أن تكون لديه قدرات على التحمّل لا توجد لدى غيره، وهذا مسيء.
(*) عند تناول القضية الفلسطينية، حتى عربيًا أو بين الداعمين للقضية الفلسطينية، هناك أحيانًا عدم استيعاب لما يمكن أن نسميه التفتت الاستعماري، بمعنى أن المستعمر الإسرائيلي يحكم الفلسطينيين الموجودين في فلسطين التاريخية بأربع مجموعات مختلفة من القوانين، يطبقها بشكل متغيّر على أربع رقع جغرافية تتغير مع مرور الوقت باستمرار: فلسطينيو الداخل، والضفة، وغزة، والقدس. تطرقت إلى ذلك في كتابك، وإلى التحديات المنوطة به. هل يمكن أن تشرح ذلك؟ وما معنى كتابة هذا الكتاب “عن بُعد” وأنت تعيش في نيويورك، وفي هذا الوقت، أي زمن الإبادة، أو فصل جديد من الإبادة ضد الفلسطينيين، هذه المرة في غزة؟
لم يكن سهلًا، بدون شك، لأنك تواجه كل يوم محدودية الكلمة المكتوبة. وشعرت أن هناك الكثير من السرديات المضادة والمسيئة لفلسطين ولتاريخها، وكان علينا حقًا أن نكتب، ليس كشهادة فقط، بل هي كذلك محاولة لتغيير السردية العامة في العالم وضخ نوع من الكرامة؛ لأنه حتى السردية المحبة للفلسطينيين كان فيها نوع من الشفقة.
فيما يخص التفتت الاستعماري الذي تحدثت عنه، يواجه الفلسطينيون في الداخل العنف الممنهج والجريمة والمحو، وفي الضفة يواجهون العنف الاستيطاني ومصادرة الأراضي والتهجير، وفي القدس مصادرة الأراضي والتهجير، وفي غزة القصف والتهجير، وغيرها. تخلق الوقائع المعيشية المختلفة جزءًا من التشرذم، وانشغال كل مجموعة بهمومها، مما يصعّب علينا رؤية بعضنا أحيانًا شعبًا واحدًا.
وفي الخارج، هناك سردية مفادها أننا كلنا فلسطينيون وسواسية، من أجل معالجة الشرذمة والتفتت. وفي رأيي، فيها نوع من قصر النظر والإهمال تجاه المسؤوليات الطبقية. وكفلسطيني يعيش حاليًا في نيويورك، فإن وضعي لا يتشابه حتى مع فلسطينيين آخرين وُلدوا هنا، أو مع فلسطيني في غزة أو لبنان، إلى آخره. ولذلك أردت الكتابة بشكل نقدي عن الموضوع، وخاصة أن الكتاب موجّه إلى أناس لديهم معرفة أو تعاطف ما مع فلسطين، ويريدون العمل من أجل تحريرها، وأردت أن أطرح نظرة تُعقّد نظرتهم المبسطة.
صحيح أن الفلسطيني يُقهَر ويُهجَّر، ولكن في بعض المواقع في العالم أصبحت القضية الفلسطينية والهوية “عملة” تُستغل كي يحرز البعض تقدمًا ما، وكان من الضروري وضع كل ذلك في إطاره والحديث عنه بشفافية.
(*) أريد البقاء عند قضية “صناعة التضامن” وتسليع البعض للقضية الفلسطينية، هل يمكن أن تشرح أكثر؟
هناك أكثر من مسار. هناك من يستخدم الفلسطيني وقضيته، بكل معنى الكلمة، بشكل تجاري ولمنافع شخصية. نرى، مثلًا، قمصانًا بخمسين دولارًا تحمل شعارات عن فلسطين، أو ترويجًا لسلع معينة. وقد يكون لهذا دلالة إيجابية أيضًا، بصورة ما، تتمثل في أن القضية أصبحت تخترق “التيار السائد”. ولكن بالنسبة لي، لها دلالات سلبية وسيئة، تشمل استغلال الفلسطيني والانتهاك بحقه، كما تُظهر وكأن القضية الفلسطينية لم تعد “اختبارًا أخلاقيًا” (Litmus test)، وكأنها أصبحت شيئًا مقبولًا. فالتسليع لا يعمل ضد الثقافة السائدة، بل يعمل بمحاذاتها ويخدمها، وهذا ما يحدث، وهو أمر سيئ.
وهناك من لا يرى تناقضًا في أن يلبس الكوفية، ويضع حنظلة وغسان كنفاني ورموزًا أخرى، ويتحدث عن فلسطين، ويكون في الوقت نفسه بوقًا لبعض الأنظمة العربية القامعة للفلسطينيين والداعمة لإسرائيل، وهذا مثير للحزن ويستدعي التوقف عنده، إذ يمدح البعض أنظمة مطبّعة تستغل القضية الفلسطينية.
(*) “حتى ولو”… ماذا تعني بالنسبة لك، ولماذا تبدأ بها الكتاب؟ ولماذا تنطلق منها؟
أشعر أن الحديث عن القضية الفلسطينية في الغرب، وربما حتى في السنوات الأخيرة في العالم العربي، يبدأ من موقع دفاعي، وأنت، كفلسطيني، متهم ومجبر على تبرئة نفسك من الإدانة والتهمة الموجهة إليك. ونسمع مقولات مثل: إن المقاومين يخفون الأسلحة في المستشفيات، أو يحتمون بالمدنيين. والفكرة هي أن تقول: “حتى ولو كان هذا صحيحًا، فإن ذنب ارتكاب الجرائم يقع على القاتل”. وأحاول أن أقول للقارئ: ابدأ من موقع كرامة وعزة نفس؛ فأنا من سُرقت أرضه، وأنا الضحية في هذه المعادلة، وشعبي يواجه إبادة، فلماذا عليّ أن أقبل بأن أكون في قفص الاتهام؟
(*) تشير في كتابك إلى وصف اللحظة الحالية التي تمر بها القضية الفلسطينية بأنها “غير مسبوقة”، وتقول إن هذا لا يكفي، وإنها لحظة وجودية. ماذا تقصد بذلك؟
الواضح اليوم أن هناك تحركًا لإنهاء القضية الفلسطينية، وقد سبق الإبادة، وعلى مستويات كثيرة، وليس فقط عن طريق الإبادة في غزة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، جرت مؤخرًا عمليات مصادرة في منطقة طوباس ومناطق أخرى لأكثر من ألف دونم، لبناء طريق عسكري جديد، وهذه المنطقة التي تُصادر أراضيها مسؤولة عن قرابة سبعين في المائة من المنتوج الزراعي الفلسطيني وغيرها الكثير. كل هذا يعني أن هناك تحركات على قدم وساق لإنهاء هذه القضية. وربما لأن أوراقهم في الغرب تحترق، ولأن التأييد لإسرائيل بدأ يتلاشى. قد تكون هذه نظرة سوداوية، ولكنها واقعية. وهناك شعور لدى كثير من الفلسطينيين بأنهم سيُهجَّرون عاجلًا أم آجلًا، وهذا يدق ناقوس الخطر. وبسبب الشرذمة والتفتت الاستعماري، من الصعب أن نجد فلسطينيًا واحدًا مرّ بكل هذه التجارب الفلسطينية المختلفة.
(*) قد يكون هناك تسابق إعلامي على تصوير العنف المرئي: القصف، واقتلاع الأشجار، وهدم البيوت، والتهجير، وغيرها، في مقابل التغاضي عن العنف اليومي، الذي أسميه العنف “الصامت”، والذي يسحق الإنسان في تفاصيل حياته، وهو عنف يصعب على الكاميرا التقاطه. هل تتفق مع هذا الطرح؟ وما الذي يتركه هذا العنف “الصامت” فينا؟ وكيف نفهم تراتبية العنف؟
هذا سؤال مهم. أولًا، إذا نظرنا حولنا في العالم، فإن التناقض الأكبر هو الطبقة. وفي الولايات المتحدة قد يكون العرق، وفي لبنان قد تكون الطائفة، أما في فلسطين فهو الشرذمة الاستعمارية التي نمر بها، والاختلافات في الواقع المعيش بين الداخل والضفة وغزة والقدس. وحتى داخل تلك المناطق هناك تناقضات.
وأعتقد أن التناقض الأكبر، فلسطينيًا، هو الطرق المختلفة التي نتعرض فيها للعنف الاستعماري، وهذا يولد أحيانًا حقدًا بيننا كفلسطينيين، على مستويات مختلفة. والعلاج أحيانًا يكون التسرع في التعامل مع تلك الفروقات في العنف الاستعماري وممارساته، وكأنها غير موجودة. إن الحديث عن هذه الاختلافات، بدون وضعها بشكل هرمي، سيُظهر أولًا الاختلافات الاستراتيجية التي تدخل في اللاوعي الفلسطيني.
| مظاهرة تندد بممارسات الاحتلال والمستوطنين في الشيخ جرّاح- القدس (Getty) |
وصحيح أن شخصًا يعيش في حيفا سيكون مشروع نضاله تحرريًا، والتخلص من العنف الاستعماري، ولكن في اللاوعي تطلعاته تختلف عن تطلعات شخص يعيش في غزة أو رام الله، والعكس صحيح. والكشف عن هذه الفروقات مهم، لكن علينا أن نعيد صياغة سردية وطنية تشملنا جميعًا، ولا تُشعر الغزاوي بأن عليه أن ينسلخ عن الشعب الفلسطيني كي يشعر أن له هوية خاصة. وعزل الغزاوي وقصفه مقصودان من أجل خلق شعور لديه بعدم الألفة مع بقية شعبه، أو العتب عليه، أو الشعور بأنه تمت خيانته من بقية شعبه. وطبعًا، هناك حق للشخص أن يشعر بأنه تُرك، وما إلى ذلك، ولكن هناك مسؤولية سياسية يجب من خلالها تدارك هذه السرديات من أجل مشروع وطني شامل.
وهنا تأتي أهمية الحديث عن هرمية العنف الاستعماري. وأنا، في كثير من الأحيان، أشعر، من دون وعي، بأنه يجب ألا أتحدث عن الأشياء التي نمر بها في القدس، لأن التهجير في سلوان، مثلًا، لا يقارن بالقصف على غزة، والجريمة في الداخل لا تقارن بالقصف على خان يونس. وللوهلة الأولى قد يبدو هذا منطقيًا، ولكن تظهر كذلك هذه الهرمية في التعامل، واختلاف أساليب القمع، على أنها مبنية لإسكاتك، كي لا تتحدث عن أنواع العنف المختلفة التي تواجهها.
وفيما يخص الجزء الثاني من السؤال، هناك خوف عندي من أن التضامن مشروط بعدد الجثث والضحايا، ولا يمكن أن نبني حركة مشروطة بعدد الجثث والركام. في القدس كبرت، ولم يكن بإمكاني تبديل ملابسي في غرفة النوم، لأنني كنت أخاف أن تكون كاميرات المراقبة الموجهة نحونا ستصورني. وكنا نخاف أن نمشي ونضع أيدينا في جيوبنا، كي لا يعتقد الشرطي أن معي سكينًا فيطلق النار علينا. وهناك أيضًا قضية تجديد بطاقة الهوية بشكل دائم. أنا في أرض أجدادي منذ عصور، وعليَّ تجديد إقامتي كل عشر سنوات. ناهيك عن قضاء جزء كبير من عمرك في المحاكم ضد المستوطنين، بالإضافة إلى الإنهاك الاقتصادي والأموال التي ندفعها للمحامين. وهذا جزء من العنف الأكبر في الداخل والضفة، وعلينا أن نتحدث عن كل هذا.
(*) إلى أي مدى تُعد قضية “الضحية المثالية” قضية فلسطينية تحديدًا؟ هل توافقني أنه من الضروري رؤية القضية الفلسطينية في إطارها الاستعماري وعلاقته بسياقات استعمارية أخرى، مع خصوصية كل سياق؟
أوافق تمامًا. لا يوجد شيء استثنائي في الحالة الفلسطينية، وسياقها هو سياق استعماري، مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات والتحديات والخصوصية، بما فيها تلك التي حدثت على مر السنين. وقد تغيّرت أساليب الاستعمار على مر السنين، لكنه يبقى سياقًا استعماريًا. والكثير من الشعوب غيرنا واجهت ظروفًا مشابهة، أو حتى أشدّ، ويمكننا أن نستخلص الكثير من العبر.
قد يشعر الفلسطيني أن الاحتلال والاستعمار لن ينتهيا، ولكنني أرى شخصيًا أنه من الضروري النظر إلى التاريخ، ومأسسة واقعنا في سياق عالمي وشامل، لما لذلك من أهمية. فإذا، مثلًا، نظرنا إلى السياق اليهودي وتعامل بعضهم مع نكباتهم على أنها استثنائية، نجد أن ذلك خلق شيئًا نرجسيًا غير قادر على رؤية نفسه جزءًا من العالم، وقادر على تبرير شتى أنواع العنف لنفسه، وخلق الصهيونية كما نعرفها اليوم. وطبعًا، أدرك أن الصهيونية كانت موجودة قبل المحرقة، وكذلك معاداة السامية.
وكان الرد على كل هذه المآسي سطحيًا، إذ إن كثيرين لا يعلمون أبناءهم أن الهولوكوست انتهت، وأنه صحيح أن الكثير منهم كانوا ضحايا ونجوا، ولكن اليهود قاوموا ونجوا، واليوم لديهم قوة دولية واقتصادية وطبقية لا يُستهان بها. وبدلًا من ذلك، نجد أن السردية الطاغية هي أن ما مروا به لم يمر به أحد غيرهم، وأنه يمكن أن يحدث مرة أخرى في أي يوم. وهذا خلق هوية وطنية هشة لا تنظر إلى الواقع.
وكذلك نحن، إن تحدثنا عن النكبة بدون الحديث عن المقاومة التي حدثت، وعن الإبادة في غزة بدون الحديث عن المقاومة لتلك الإبادة، فإننا نكون على طريق خلق هوية فلسطينية لأبنائنا، هوية جماعية مبنية على صورة الضحية فقط. وهذا فيه قِصر نظر، لأنه بعد أجيال من اليوم قد نعيد خلق سردية مشابهة للمحتل، ومن هنا تأتي فكرة ضرورة عدم التعامل مع أنفسنا بوصفنا استثناء، لأن الجميع معرّضون للتحول إلى هذا الشيء. وكما ذكرتَ أنت سابقًا في أحد الأسئلة، فيما يتعلق بضرورة عدم التعامل مع الفلسطيني ككائن خرافي، علينا أن ندرك أن هناك فلسطينيين قد يستغلون سلطتهم بعد التحرير، وقد نعيش في دولة عنيفة إذا تولّى الفلسطينيون الخطأ القيادة، مثلًا.
(*) تستخدم السخرية بشكل كبير في كتاباتك، وحتى في مقابلاتك أحيانًا، وقد وجّه لك البعض انتقادات على ذلك، كما ذكرت في الكتاب. ما الدور الذي تلعبه بالنسبة لك؟
أعتقد أن السخرية من أهم الأساليب للتخلص من الهيمنة، يبيعوننا سردية أنهم سيطروا على أراضينا وأنفسنا. وعندما تسخر من الاحتلال، تقول له، بطريقة ما، إنك احتللت أرضي وبيتي، ولكنك لم تتمكن من احتلال المسافة بيني وبين نفسي. هناك قصة أستشهد بها: كان هناك إطلاق نار وقتل وصراخ، أعتقد أنه كان في جنين، وكان شخص ما يصوّر بهاتفه، فرأى دبابة أمام بيته، فخرج وقال لهم: “كم مرة قلت لكم ألا تركنوا الدبابة أمام البيت؟”… هذا يبدو سهلًا وبسيطًا، لكنه يمنح الشخص كرامة وعزة نفس، ودعمًا ووقودًا، ويقلب موازين القوى، في مكان ما، حتى لو كان ذلك للحظة وبشكل مجازي.
وفي مكان ما، تحلّ السخرية محل الإيمان الديني. ولولا الإيمان لمات كثير من الناس من الاكتئاب، ولانتحرت أمهات الشهداء. وفكرة أن تعرف أن ابنك في الجنة تمنحك بعض الراحة، وتساعدك على الاستمرار.