
المصالحة المستحيلة بين الأب والإبنة عبر السنيما (ملف الفيلم)
في فيلمه الجديد “المحبوبة”، المشارك حالياً في مهرجان كان السينمائي (12 – 23 مايو “أيار”)، يعود المخرج الإسباني رودريغو سوروغويين إلى منطقة تبدو مألوفة في السينما المعاصرة: العائلة التي توفر ميدان صراع بين أفرادها، فيما السينما تطرح كامتداد لهذا الصراع، بدلاً من أن تكون وسيلة للهرب منه.
بعد النجاح النقدي الذي حققه مع “الوحوش” (2022)، يدخل سوروغويين المسابقة بفيلم يضع العلاقة بين أب وابنته تحت المهجر، انطلاقاً من ضغط التصوير (الأب مخرج يصور فيلماً بطولة ابنته)، والذاكرة المشوشة، والتغييرات المهنية والأخلاقية التي أصابت الوسط السينمائي في الأعوام الأخيرة.
الحوارات الطويلة، الخناقات الصغيرة داخل موقع التصوير حيث يلتقط الأب مشاهد الفيلم، والتفاصيل المتراكمة هي التي تصنع الإيقاع. منذ المشهد الافتتاحي داخل المطعم حيث يلتقي الأب بابنته للمرة الأولى بعد غياب طويل، يضع الفيلم المشاهد أمام علاقة محكومة بالنقص المتبادل: أب يريد استعادة مكانته في حياة ابنته، وابنة ترفض العودة إلى موقع التبعية. هذه الثنائية تمنح الفيلم طاقته الأساسية، حتى عندما يبالغ أحياناً في التكرار.
سوروغويين يختبر فكرة التصوير باعتبارها ممارسة للهيمنة، إذ يتحول المخرج إلى مركز للجميع ويتوقع من الآخرين الامتثال لرؤيته، لكن الفيلم يضع هذه السلطة موضع مساءلة بلا توقف، خصوصاً عبر الشخصيات النسائية المحيطة بإستيبان. مديرة التصوير، والمنتجة، وابنته نفسها، جميعهن يرفضن النموذج القديم للمخرج المتسلط الذي يبرر كل شيء باسم الفن، لكن يتركنا أمام سؤال يصعب تجاهله: هل ممكن لهذا أن يحدث في الحياة الفعلية؟
في مقابلة، يقول سوروغويين إنه أراد الحديث “عن علاقات القوة والتراتبية داخل عالم السينما، وعن تغير الأزمنة أيضاً، فما كان مقبولاً في السابق لم يعد مقبولاً اليوم، وهذا أمر جيد”. هذه الفكرة تتسلل إلى الفيلم من دون صدام أيديولوجي معلن، إذ تحضر من خلال تفاصيل السلوك اليومي: نبرة الحديث، وطريقة إصدار الأوامر، أو الاعتقاد الضمني بأن المخرج يمتلك حق السيطرة الكاملة على موقع التصوير.
لحظة انتقال
من الواضح أن الفيلم تأثر بالمناخ الثقافي المرتبط بما يعرف بـ”الصحوة” أو الـWoke Culture. سوروغويين لا يقدم شخصياته وفق تقسيم أخلاقي بسيط بين مذنب وضحية، بل يرصد لحظة انتقال يعيشها الوسط السينمائي بأكمله. في الحوار نفسه، يشرح المخرج أن هذه التحولات كانت تحدث أثناء كتابة السيناريو، لذلك كان من الطبيعي إدخالها في العمل، مضيفاً أن تجاهل التغييرات الاجتماعية “سيبدو أمراً عبثياً”. وهكذا، أصبح “المحبوبة” في أحد أبعاده فيلماً عن نهاية نموذج قديم للسلطة الذكورية داخل السينما الأوروبية.
لا ينجو الفيلم من الميل إلى الشرح والإطالة. بعض المشاهد تبدو كأنها تعيد الفكرة نفسها بصور مختلفة، خصوصاً في النصف الأول حيث تتكرر الأعطال والمواجهات داخل موقع التصوير. هناك رغبة واضحة لدى سوروغويين في تفكيك الشخصية الرئيسة، لكنه يفعل ذلك عبر مسار دائري أكثر مما هو تصاعدي.
مع هذا، يبقى أداء خافيير بارديم العنصر الأكثر تماسكاً في الفيلم. حضوره الجسدي والصوتي يمنح الشخصية قدرة على الجمع بين الجاذبية والنبذ في الوقت نفسه. يشير سوروغويين إلى أن اختيار بارديم لم يكن منفصلاً عن هذه “الرجولة الطاغية” التي يحملها الممثل، لأنها تخدم طبيعة العلاقة السلطوية التي أراد بناءها داخل الفيلم، لكن الأهم أن بارديم يترك انطباعاً دائماً بوجود ماضٍ ثقيل خارج الكادر، من إدمان سابق إلى تدمير ذاتي. هذا كله يظهر عبر التعب الجسدي والانفعالات المكبوتة، وهذا ما يمنح الفيلم بعضاً من عمقه، فإستيبان رجل خمسيني يكتشف أن العالم الذي كان يعرفه لم يعد قائماً، حتى ابنته، التي يفترض أنه جاء لاستعادتها، تبدو أحياناً وكأنها تشهد على أفوله أكثر من كونها شريكته في المصالحة.
لا يخفي “المحبوبة” انتماءه إلى تقليد سينمائي سبق أن تناول كواليس التصوير والعلاقة الملتبسة بين الفن والحياة. يصعب عدم التفكير بـ”الليل الأميركي” لفرنسوا تروفو أو حتى “الاحتقار” لجان لوك غودار، لكن سوروغويين يحاول الابتعاد عن فكرة التحية السينيفيلية. وقد اعترف بأنه شاهد “الليل الأميركي” مجدداً أثناء التحضير، وذلك لفهم كيفية بناء الفيلم من الداخل، مؤكداً أنه يفضل استلهام أفلامه من الحياة نفسها.
والحق أن المخرج الأربعيني لا يمتلك خفة تروفو ولا شاعريته، ولا يذهب بعيداً في التجريب الشكلي. في ساعاته الأخيرة يصبح الفيلم أكثر تعبيراً بالصورة والصوت، كأنه يسعى إلى التحرر من الحوار. هناك لحظات بصرية موفقة، خصوصاً عندما يتقاطع ما يجري أمام الكاميرا مع ما يحدث خلفها.
انطلاقاً من هذا الفيلم الذي يطعن في مسلمات قديمة عفا عليها الزمن، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقة بين الرجل والمرأة في الأوساط السينمائية، يعترف بارديم أنه لا ينظر براديكالية شديدة إلى أدوار بداياته، إذ كثيراً ما جسد شخصيات ذكورية متسلطة. “من الجيد أننا نتقدم على جميع المستويات في ما يخص مسألة الذكورية السامة، إذ أصبح الرجال والنساء قادرين على التنديد بها علناً وتحديد المسؤولين عنها. وهذا تطور هائل، لقد نشأت في تلك الفترة التي كانت فيها النساء خاضعات تماماً لإرادة الرجال ورغباتهم، ولكن، في المقابل، نحن في وضع متناقض: فمن جهة نتغير نحو الأفضل، لكن من جهة أخرى يجب أن نظل في غاية اليقظة حتى لا نعيد السير في خطى الماضي”.