ملخص
تكشف حادثة قاعدة “فيرفورد” حجم الثغرات في استعداد بريطانيا لحماية جبهتها الداخلية، وسط تصاعد أخطار التخريب والطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية والتهديدات المرتبطة بقوى أجنبية. ويطرح ضعف الجاهزية تساؤلات حول قدرة لندن على الوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه “الناتو”، والحاجة إلى إصلاح قوات الاحتياط وتعزيز قدرة الدولة على الصمود في مواجهة الأزمات.
تقع قاعدة “فيرفورد” التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني بين مجموعة من قرى منطقة “كوتسوولدز”، وتبدو واحدة من أكثر القواعد الاستراتيجية هدوءاً في المملكة المتحدة. وخلال أكثر من 12 زيارة لها على مر الأعوام، وجدت أن الإجراءات الأمنية فيها تتسم بالهدوء ولا تلفت الانتباه. ومع ذلك، تعد “فيرفورد” واحدة من أهم ثلاث قواعد بين 12 قاعدة مشتركة لسلاح الجو الملكي البريطاني والقوات الجوية الأميركية في بريطانيا.
وأول ما يلفت النظر عند دخول القاعدة مدرجها الرئيس، الذي يبلغ طوله نحو ميلين (نحو 3.22 كيلومتر)، وهو واحد من المدارج القليلة في أوروبا القادرة على استقبال القاذفات الاستراتيجية الضخمة، مثل “بي-52″ و”بي-1 بي لانسر”. وقد انطلقت طائرات من كلا الطرازين من “فيرفورد” في عمليات عدة على مدى الأعوام، من بينها عمليات في كوسوفو والعراق. وفي وقت سابق من هذا العام، قال كير ستارمر إن الأميركيين يمكنهم استخدام القاعدة في مهام بمنطقة الخليج “لأغراض دفاعية”.
وأثار ذلك رداً من الحرس الثوري الإيراني خلال الصيف، حذر فيه من أن “أي قواعد تستخدم لشن هجمات على إيران ستكون هدفاً لهجوم”.
وتوخت السلطات، بقيادة شرطة غلوسترشير، حذراً شديداً في الكشف عن معلومات تتعلق بالعملية الأمنية التي بدأت في الساعات الأولى من صباح الأحد الماضي، ثم تحولت إلى عملية لمكافحة الإرهاب.
وعلى رغم تعامل الشرطة الهادئ وغير الاستعراضي مع القضية، فإن العملية واسعة ومتعمقة، وتشارك فيها أجهزة الاستخبارات “أم آي 5” و”أم آي 6″، وشرطة مكافحة الإرهاب، وخبراء المتفجرات والعبوات الناسفة في الجيش وسلاح الجو الملكي. وأجلي نحو 80 من سكان ويلفورد من منازلهم لقضاء الليل في أماكن أخرى، فيما يجري تفكيك الشاحنات قطعة قطعة.
لكن الأهم أن للحادثة تداعيات كبيرة على حكومة حزب العمال ونهجها غير المألوف إلى حد ما في الدفاع عن الجبهة الداخلية والأمن، وكذلك على آندي بيرنهام وهو يستهل في ليفربول أول مؤتمر للحزب بصفته رئيساً للوزراء. ولا شك أن الحادثة تثير تساؤلات محرجة حول سياسات الحكومة المتعلقة بالدفاع عن الجبهة الداخلية والقدرة على الصمود والأمن.
وكان رئيس الوزراء نفسه قد قال إنه يشعر بقلق بالغ حيال الأمن القومي والحفاظ على سلامة البلاد. وقد كرر ذلك بالفعل في مناسبات عدة أخيراً، لكن في صورة عبارات مقتضبة وتصريحات قصيرة للاستهلاك الإعلامي.
ويتزايد القلق بين حلفاء بريطانيا من استعداداتها، أو بالأحرى غياب استعدادها، لحماية أراضيها، فضلاً عن مساهمتها في الدفاع الجماعي عن منطقة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو ما التزمت به بموجب “معاهدة واشنطن”، الوثيقة المؤسسة للحلف عام 1949.
ونشر الحلف الأسبوع الماضي وثيقة في شأن المادة الثالثة من المعاهدة، التي تلزم كل دولة عضو بأن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها. ولا يقتصر ذلك على التصدي لمختلف أنواع التهديدات، بل يشمل أيضاً القدرة على مساعدة الحلفاء المقربين إذا طلبوا ذلك بموجب المادة الرابعة. ثم تأتي المادة الخامسة، وهي الأشهر، التي تنص على أن تعرض أي دولة عضو لهجوم مباشر يستوجب رداً من جميع الحلفاء.
ومنذ أعوام، تتزايد الدلائل على أن بريطانيا وحلفاءها عرضة لأعمال تخريب محدودة وهجمات بطائرات مسيرة وهجمات سيبرانية. وفي الوقت نفسه، تتكرر الدعوات، ولا سيما من وزارة الدفاع، إلى إجراء “حوار وطني” في شأن هذه الأخطار. لكن لا يبدو أن أحداً يعلم من يفترض أن يجري هذا الحوار، ومع من، أو ما السياسات والإجراءات والنتائج التي يفترض أن ينتهي إليها. ولعل الأمر كله من “الأسرار الرسمية”.
أما الهجمات الخبيثة، التي ترعى قوى أجنبية كثيراً منها، فقد بات عددها يصل إلى مئات الآلاف سنوياً. وخلال العام الماضي وحده، سجل أكثر من 250 حادثاً لطائرات مسيرة قرب قواعد جوية ومطارات مدنية، من دون معرفة مصدرها أو سبب وجودها.
وفي موازاة ذلك، تتزايد الأعطال التي تصيب شبكات السكك الحديد والطاقة، وكذلك حالات التعطل المفاجئ في أنظمة مراقبة الحركة الجوية، مثل تلك التي شهدها مطارا “غاتويك” و”بريستويك” هذا الشهر. أما دخول طائرتين مسيرتين مسلحتين إلى أجواء مطار لايبزيغ، وإصابة شبكة السكك الحديد الهولندية بشلل واسع بعد 30 عملاً تخريبياً في صباح واحد، فهما نذيران بما قد يأتي.
وفي هذا السياق، حددت قيادة الحلف سبعة متطلبات أساسية يتعين على الدول الأعضاء الوفاء بها بموجب المادة الثالثة حتى تكون قادرة على أداء ما هو مطلوب منها في الدفاع عن نفسها. وتشمل هذه المتطلبات ضمان استمرارية عمل الحكومة، وتأمين إمدادات الطاقة، والتعامل مع التحركات السكانية غير المنضبطة، وضمان توافر الغذاء والمياه، والاستعداد للتعامل مع أعداد كبيرة من الضحايا والأزمات الصحية الكبرى، فضلاً عن ضمان استمرار أنظمة الاتصالات المدنية وشبكات النقل في العمل.
ويقول المحلل المستقل ومستشار شؤون الدفاع فرانسيس توسا: “لا تستوفي بريطانيا ثلاثة من هذه المتطلبات في الأقل، وربما أربعة. نحن ببساطة لا نملك القدرة”.
وخلال اجتماعه مع بيرنهام في المقر الريفي لرئيس الوزراء في “تشيكرز” هذا الشهر، لم يخف الأمين العام لحلف “الناتو” مارك روته، المعروف عادة بنبرته الهادئة، إحباطه من تلكؤ بريطانيا في تنفيذ تعهداتها بزيادة الإنفاق الدفاعي والوفاء بالتزاماتها تجاه الحلف. وقال للصحافيين: “مجرد الوعد بالوصول إلى 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 لا يكفي، فنحن في حاجة إلى تحرك الآن”.
لمواجهة التعقيد المتزايد للتهديدات الأمنية – التي ربما تعد حادثة “فيرفورد” نذيراً لها – لا بد من تغيير شامل في طريقة التفكير داخل أروقة السلطة في “وستمنستر” و”وايتهول” في ما يتعلق بمسائل الدفاع ومرونة الجبهة الداخلية. صحيح أن البلاد لا تواجه خطر الاحتلال من قبل قوة معادية، إلا أنها مهددة باضطرابات مستمرة ناجمة عن شتى أنواع الكوارث، سواء كانت طبيعية أو غير طبيعية، وكذلك الأوبئة، والانهيارات المجتمعية، فضلاً عن الهجمات الخبيثة السرية. لذا، تبرز الحاجة إلى إصلاح جذري وشامل لقوات الاحتياط والقوات العاملة بدوام جزئي، بدءاً من أفرع القوات المسلحة الثلاثة ووصولاً إلى فرق الاستجابة الأولية في أجهزة الشرطة والإطفاء والإسعاف.
لقد عانت قوات الاحتياط إهمالاً متكرراً في مراجعات الدفاع، وحُرمت من التمويل والمعدات وفرص التدريب. ويعد هذا الوضع في معظمه نتاجاً لما يعرف بـ”جنون مشترك” (أو ما يصطلح عليه في القانون الفرنسي بـ”العلاقة الإجرامية”) بين الجهاز الإداري للدولة -بقيادة وزارة الخزانة – وبين الساسة.
لقد حان الوقت لكي يخرج كل من آندي بيرنهام وجون هيلي وويس ستريتينغ من دائرة المراوغة والخداع التي يحتمون بها. إن الدفاع عن الوطن وأمنه يتطلب إصلاحاً شاملاً، وتشكيل وحدات تعزيز الصمود سواء بدوام كامل أو جزئي، فهذه مسألة ذات أولوية، ولن تكون كلفتها باهظة أيضاً.
© The Independent
