في قصّته القصيرة “مرثية ألمانية”، يضع بورخيس الكلمات في فم ضابط نازي في الليلة التي تسبق تنفيذ حكم الإعدام. الرجل يعرف جرائمه جيّداً ويعترف بأفعاله من دون تجميل، لا يطلب الغفران ولا يدّعي البراءة أو يبدي الندم. كان يقدّم فحسب نبوءته بهدوء شيخ حكيم عن عالم مقبل لا تحكمه سوى القوّة ولا شيء غيرها. بتلك الطمأنينة المرعبة استطاع بطل بورخيس الربط بين جرائمه والسردية القومية التي ستستمرّ طويلاً بعد إعدامه. وجد هذا المنطق صورته الكاملة في جنازة مجرم الحرب راتكو ملاديتش. فقد مات الرجل المدان بجرائم الإبادة البشرية في سجنه ليخرج نعشه في بلغراد محاطاً بالمشهد الذي يحلم به كلّ قائد مهزوم من رموز عسكرية وشعبية تمجّد أفعاله. كان النعش يحمل تاريخاً أثقل من صاحبه. إذ اجتمعت حول ملاديتش ذاكرة صربية مشحونة بالهزائم القديمة، وبحروب التسعينيّات، وبشعور متراكم بأنّ الغرب اختار الصرب ليرتدوا وحدهم ثياب الجلّاد. وجد كثيرون في صورته ملجأً من هذا الاتهام، فالرجل الذي أدانته المحكمة أعاد إليهم صورة الأمّة القوية التي ترفض الانحناء.
حين تشعر أمّة بأنّها متّهمة بسبب مجرم خرج منها، يتحوّل الحكم في لا وعيها الجمعي إلى هجوم على هُويّتها، وهذا يجعل الدفاع عن المجرم لدى بعضهم وسيلة لحماية الذات، لأنّ سكّين العدالة برأيهم يمسّ اللحم الحي للهُويّة، وهكذا يمنح التعصّب القومي والطائفي المجرمين صكّ البطولة مهما كان حجم جرائمهم.
في إسرائيل اتخذت الآلية نفسها مادّتها من جرح تاريخي بالغ العمق. قرون الاضطهاد في أوروبا ثمّ المحرقة، تركت في الوعي اليهودي خوفاً لا يحتاج إلى اختراع. وظّفت القومية الصهيونية هذا الخوف، وربطت أمن اليهود بقوّة الدولة المطلقة. منذ ذلك الحين أمكن تقديم كلّ حرب بوصفها معركة بقاء، وكلّ مساءلة عن أي مجزرة تقدّم بوصفها ثغرة قد يعود منها القتلة القدماء. وتحت هذا السقف، جرى اقتلاع الفلسطينيين في عام النكبة وما تلا ذلك من مجازر واستيطان ومصادرة وقمع. في الوقت نفسه، رُبط الخطاب الصهيوني نقد مجازر الجيش الإسرائيلي بكراهية اليهود، فأصبح لدى قطاعات من الإسرائيليين شعور بأنّ الاعتراف بعذاب الفلسطينيين يهدّد ذاكرة أسرهم وسلامة أبنائهم. وهنا تتحوّل الذاكرة القديمة إلى درع يحجب مآسي شعب آخر ومجازر تقع أمام العين، ثمّ تتحوّل مع الوقت إلى حارس مسلّح على باب الضمير البشري لقطاعات واسعة من الإسرائيليين يمنعهم من رؤية الأطفال القتلى، والإبادة الجماعية التي تقع على مرأى منهم في غزّة، والإرهاب الوحشي الجاري في الضفّة.
لا يطمح الشرّ دائماً إلى الإفلات من العقاب الأخلاقي، بل يرغب أحياناً كثيرة في تكرار نفسه. وحين يدرك مرتكب جرائم الإبادة الجماعية أنّه سيُعاقب يحاول أن يترك وراءه سيرة تواصل أداء مهمّته بعد موته، يترك حكاية ناقصة ويطلب من الأجيال إكمالها. بهذا المعنى تكمن خطورة هذه الجنازة في أنّها تسلّم الأحياء وصيّة القاتل السياسية. فالطفل الذي يرى العلم فوق النعش يتعلّم مسبقاً مَن يجب أن يخاف منه، ومَن يصبح قتله مباحاً، وأي دم يستحقّ الحداد، وأي دم يمكن نسيانه. هكذا تتحوّل الذاكرة من مستودع للتجربة إلى مصنع للمستقبل، ولا تعود الجريمة مجرّد حدث انتهى بقدر ما ستبقى احتمالاً ينتظر شروط تحقّقه من جديد. إنّ أخطر انتصار يحقّقه المجرم ليس أن يموت بريئاً في أعين أتباعه، بل أن يتركهم مستعدّين لتكرار جريمته وهم يظنّون أنّهم أوفياء له.
كان ضابط بورخيس مؤمناً بأنّ إعدامه لن يهزم سوى جسده، لكنّه سيترك عقيدته منتصرة. وهذا ما حاولت جنازة ملاديتش تحقيقه: حين اعتبرت الجموع جريمته تضحية، فاكتسى المجرم ملامح شهيد خذله العالم.
قبل أكثر من ألفي عام طالبت أنتيغونا في مسرحية سوفوكليس، بدفن أخيها بولينيكيس، الذي اعتبره الملك كريون خائناً ومنع دفنه. دافعت عن كرامة الجسد أمام سلطة أرادت تمديد العقوبة إلى ما بعد الموت. لم تطلب شيئاً آخر. كان التراب كافياً كي يستردّ الميت الحدّ الأدنى من إنسانيته. أمّا في بلغراد، فقد حصل ملاديتش على ما يتجاوز القبر. غُطّي نعشه بعلم الدولة، وأحيط بصلوات الكنيسة وتحية الجنود وبكاء الحشود. عندئذ غادر الطقس مساحة الحقّ في صون كرامة الجسد الميّت ودخل فضاء الدعاية وصناعة التاريخ. في “أنتيغونا” أنقذت الجنازة إنسانية الميت من قسوة السلطة؛ وفي بلغراد استُخدمت الجنازة لإنقاذ أسطورة الميت من ذاكرة ضحاياه. ومن خلّفهم أولئك الضحايا، ممَّن لا يزالون يجتمعون كلّ عام للبكاء على غائبيهم.
الرحمة لضحايا سريبرينيتسا، والمجد لذكراهم، والعار للقتلة؛ كلّ القتلة.
