ملخص
بعد أشهر من المواجهة، تبدو واشنطن وطهران عالقتين في معادلة يصعب كسرها، فيما يفرض إغلاق مضيق هرمز كلفة متزايدة على الطرفين. وبينما تراهن الولايات المتحدة على أن يؤدي استمرار الضغط إلى إضعاف إيران ودفعها نحو التفاوض، يبقى خطر رد طهران بالتصعيد قائماً. لذلك، قد يكون الإبقاء على هذا التوازن الهش أقل الخيارات كلفة بالنسبة إلى واشنطن.
بعد ستة أشهر، استقرت الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران في حال من الجمود. فلا واشنطن ولا طهران قادرتان على تحقيق نصر عسكري أو دبلوماسي واضح. وبدلاً من ذلك، وجد الطرفان نفسيهما أمام حصار متبادل لحركة النفط والشحنات الأخرى عبر مضيق هرمز وإلى الموانئ الإيرانية، من دون مخرج واضح لتغيير الوضع القائم. فكلفة الاستجابة لمطالب الطرف الآخر لإنهاء الجمود باهظة، في حين أن كلفة استمرار الوضع الراهن منخفضة بما يكفي، لتصبح المواجهة القائمة على الحصار المتبادل الخيار الأقل سوءاً أمام الولايات المتحدة وإيران في المستقبل المنظور.
قد لا يكون هذا الوضع مثالياً لواشنطن، لكنه يجنبها التصعيد، بل إنه يصب في مصلحة الولايات المتحدة مع مرور الوقت، إذ يرجح أن يضعف موقف طهران بوتيرة أسرع من موقف واشنطن كلما طال أمد الحصار. فالولايات المتحدة تملك إمدادات نفطية وفيرة يمكنها الاعتماد عليها، في حين أن ما يقارب كامل صادرات إيران النفطية، بالتالي جزء كبير من عملتها الصعبة، بات مقطوعاً عنها. ومن شأن استمرار الحصار، مع تشديد الضغط على إيران تدريجاً، أن يدفع طهران إلى إبداء مزيد من المرونة في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، وصولاً إلى تسوية يمكن لواشنطن قبولها. ويبقى التحدي متمثلاً في ضمان ألا تختار طهران، رداً على تدهور وضعها، تصعيد هجماتها وإشعال نزاع إقليمي جديد يجر الولايات المتحدة إليه.
ينبغي أن تركز السياسة الأميركية على تفادي أكثر الاحتمالات إثارة للاضطرابات، ولا سيما التصعيد الإيراني، وأن تكتفي بالإبقاء على الحصار المزدوج إلى أجل غير مسمى. وإن لم تكُن إيران مستعدة للتنازل، سيكون من الممكن لواشنطن أن تعمل بصورة بطيئة على إضعاف الاقتصاد والجيش الإيرانيين، مع ضمان عدم تمكن طهران من إعادة بناء المكانة الإقليمية القوية التي كانت تتمتع بها قبل هجوم حركة “حماس” على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. إن الحفاظ على الموقف الأميركي الحالي خلال هذه المرحلة، هو الوسيلة الأكثر فاعلية لخوض هذه الحرب والانتصار فيها.
أهون الشرور
اتفقت واشنطن وطهران في يونيو (حزيران) الماضي على مذكرة تفاهم تقضي بإرساء وقف لإطلاق النار أولاً ومن ثم فتح مضيق هرمز، وصولاً إلى توقيع اتفاق دائم خلال 60 يوماً من أجل معالجة القضايا العالقة طويلة الأمد في العلاقات الثنائية، بما في ذلك تقييد البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات الأميركية والدولية وغيرها من العقوبات المالية المفروضة على إيران. إلا أن التفاهم انهار قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، ويعود ذلك في معظمه لفشل إيران في فتح المضيق بالكامل. ومع عدم تحقيق أي تقدم من خلال الحلول الدبلوماسية، تأمل واشنطن وطهران الآن في أن يؤدي الضغط الاقتصادي الذي تستطيع كل منهما أن تمارسه على الأخرى، وعلى الاقتصاد العالمي في حالة إيران، إلى إرغام الطرف الثاني على العودة لطاولة المفاوضات بشروط ستنهي الحصار لمصلحته.
ويكبد الحصار واشنطن كلفة باهظة. فإبقاء المضيق مغلقاً يتمخض عن رفع أسعار الوقود كما يزيد التضخم في الولايات المتحدة، وهي مسألة بالغة الحساسية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ومن المحتمل أن ترتفع الأسعار أكثر إذا وجدت إيران طريقة للحدّ من عبور ملايين براميل النفط التي تتجاوز الحصار المفروض من قبل طهران ويجري نقلها عبر مضيق هرمز بصورة يومية. من جانبها، استهلكت الولايات المتحدة بالفعل قدراً كبيراً من الذخائر الحيوية وأرهقت قواتها في المنطقة من خلال إبقاء الحرب مستمرة.
لكن كلفة العملية كانت بمستوى يمكن تحمله نسبياً مقارنة بالصراعات السابقة. فقد خسرت الولايات المتحدة آلاف الأرواح وأنفقت تريليونات الدولارات في أفغانستان والعراق، في حين أسفر الصراع الدائر مع إيران عن مقتل 18 جندياً أميركياً، ومن المعتقد أن يكون كلّف عشرات مليارات الدولارات. (حتى منتصف يوليو- تموز، تراوحت التقديرات ما بين 37.5 مليار دولار وأكثر من 100 مليار دولار) والأهم من ذلك، أن الحصار المتبادل يتمتع بميزة تتمثل في أنه يحظى بقبول أكبر لدى القادة السياسيين في واشنطن من أي من الخيارات البديلة.
وسيكون انسحاب الولايات المتحدة بالكامل من مضيق هرمز من دون انتزاع تنازلات من إيران، بما في ذلك إنهاء حصارها، أمراً لا يمكن تصوره حتى بالنسبة إلى إدارة ترمب غير التقليدية. فهذا سيتيح لإيران إعلان نصر كامل، ويمنح النظام في طهران دفعة معنوية ونفسية قوية من شأنها أن تبدد جانباً كبيراً من التقدم الذي أحرزته الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في تفكيك شبكة وكلاء إيران الإقليميين. كما أن الانسحاب الأميركي لن يدفع على الأرجح إيران إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة مجاناً، إذ يرجح أن تصر طهران على فرض نوع من نظام الرسوم بصورة دائمة. ومع تراجع واشنطن، قد تعيد إيران أيضاً إحياء برنامجها النووي وإعادة بناء قدراته، مما سيمثل إخفاقاً مدوياً للولايات المتحدة.
أما التصعيد العسكري، فهو خيار أقل جاذبية لواشنطن. فالنظام الإيراني صمد بالفعل أمام حملة قصف واسعة، وربما يتمكن هجوم جديد، أكثر شراسة، من تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية الباقية، فضلاً عن البنية التحتية للطاقة والنقل والاتصالات. لكن مثل هذا الهجوم لن يضمن قبول طهران الشروط الأميركية لإعادة فتح المضيق أو الحد من برنامجها النووي. وبعدما تحملت القيادة الإيرانية الباقية هذا الكم من الهجمات الرامية إلى تقويض قوتها، من غير المرجح أن ترضخ لمزيد من العدوان، ولا سيما أنها تعلمت تحمل المشاق خلال الحرب الإيرانية-العراقية في ثمانينيات القرن الماضي.
ويبقى أمام الولايات المتحدة خيار آخر هو غزو بري يهدف إلى الإطاحة بالنظام الإيراني بالقوة. وسيتطلب ذلك جهداً عسكرياً قد يضاهي في حجمه عملية “عاصفة الصحراء” عام 1991 التي شارك فيها أكثر من 500 ألف جندي أميركي. لكن مثل هذه العملية تنطوي على خطر سقوط أعداد كبيرة من القتلى الأميركيين، وتكبد المدنيين الإيرانيين خسائر فادحة، وإشاعة الفوضى في المنطقة بأسرها. ويبدو أن إدارة ترمب التي دأبت على التنديد بـ”الحروب الأبدية” الأميركية السابقة في الشرق الأوسط، استبعدت هذا الخيار منذ أشهر.
وعليه، تقوم حسابات واشنطن على أن الحصار أفضل من أي بديل آخر. فهو يمثل حملة ضغط بطيئة الإيقاع، هدفها إما إعادة إيران لطاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق قريب من التسوية التي وردت في مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو الماضي، أو إضعاف القوة الاقتصادية والعسكرية للجمهورية الإسلامية تدريجاً، وصولاً في نهاية المطاف إلى تقويض استقرارها الداخلي. ولهذا النوع من الحملات سجل تاريخي متباين، لكنه نجح عام 1988، عندما أنهت إيران، بعد ثمانية أعوام من الحرب مع العراق ومواجهة بحرية فاشلة مع الولايات المتحدة في الخليج العربي، الأعمال القتالية بسحب قواتها من العراق.
وحتى الآن، تظل كلفة الحصار المتبادل مقبولة بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فعلى رغم مرور ستة أشهر على حظر شبه متواصل فرضته إيران على صادرات النفط والغاز الطبيعي عبر المضيق، لم يتكبد الاقتصاد العالمي سوى أضرار محدودة. وفي يوليو الماضي، وبعد خمسة أشهر من اندلاع الحرب، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي لعام 2026 بمقدار 0.1 نقطة مئوية فقط، من 3.1 في المئة إلى ثلاثة في المئة، مشيراً إلى “أدلة محدودة على آثار الجولة الثانية” الناجمة عن صدمة أسعار النفط. وارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة نحو 38 في المئة منذ بداية الحرب، لكن معدل النمو الاقتصادي في البلاد لا يزال مستقراً. وقد يؤدي اشتداد النقص إلى دفع أسعار البنزين نحو مزيد من الارتفاع، إلا أن الولايات المتحدة تنتج الآن من النفط أكثر مما تستهلك، مما يتيح لواشنطن التدخل في السوق للحفاظ على الأسعار عند مستويات منخفضة. وفي ظل هذه المعطيات، تستطيع الولايات المتحدة مواصلة الحصار المتبادل بكلفة نسبياً منخفضة.
عالقان في المنتصف
تمكن قادة الحرس الثوري الإيراني حتى الآن من الاحتفاظ بالسلطة، ويبدو أنهم ماضون في ذلك إلى أجل غير مسمى. لقد أنهكوا الاقتصاد الإيراني وأحكموا قبضتهم على الشعب، وراحوا يحمون برامجهم العسكرية على حساب المواطنين. إنهم لا يرغبون في تقديم تنازلات في شأن شروط كتلك التي وردت ضمن مذكرة التفاهم، لأن ذلك سيجردهم من آخر أوراق القوة الرئيسة التي يملكونها، أي القدرة على إغلاق المضيق، كذلك سيجعلهم عرضة لمواجهة قيود جديدة على برنامجهم النووي. (على سبيل المثال، اكتفت طهران بالتعهد بصورة غامضة بتخفيف تركيز اليورانيوم عالي التخصيب، مما يمثل أولوية لواشنطن في مساعيها للحد من التهديد النووي الإيراني).
لكن الوقت يعمل لمصلحة الولايات المتحدة. وإذا أبقت واشنطن على حصارها حتى انتخابات نوفمبر المقبل، فستتراجع القيمة الاستراتيجية لإغلاق المضيق بالنسبة إلى إيران مع انحسار حركة الرحلات الجوية والسفر السياحي عن مستوياتها المرتفعة خلال الصيف، ومع تحسين الدول الأخرى قدرتها على التعامل مع الأزمة من خلال إيجاد موردي طاقة بديلين. وفي إيران، بدأت تداعيات الحصار على صادرات النفط تظهر بالفعل. فتجاوز التضخم 80 في المئة على أساس سنوي خلال أغسطس (آب) الماضي، فيما تتراجع قيمة العملة بسرعة. وقد تكون القيادة الإيرانية ازدادت صلابة بفعل الحرب، لكن الاقتصاد الإيراني سيحتاج في نهاية المطاف إلى استئناف صادرات النفط وتخفيف العقوبات حتى يتمكن من الصمود. ودفع الضغط الاقتصادي بعض القادة السياسيين، ومن بينهم الرئيس مسعود بزشكيان، إلى طرح فكرة العودة لشروط مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.
ولكن إذا دفع الضغط على الاقتصاد طهران إلى اليأس، فمن المحتمل أن يختار قادة الحرس الثوري الإسلامي، وهم أصحاب القرار النهائي، أن يصعّدوا الوضع بدلاً من أن يبحثوا عن حل وسط. ومن الممكن أن تُمعن إيران في اتخاذ إجراءاتها الصارمة ضد أية محاولات أميركية ترمي إلى تضييق الخناق على حركة السفن عبر المضيق، بما في ذلك زرع ألغام جديدة (مما كانت تستعد للقيام به في الـ30 من أغسطس، ودفع الولايات المتحدة إلى توجيه ضربة عسكرية).
كذلك، يمكن أن تقوم طهران، إضافة إلى هجماتها المتقطعة الحالية، بشن هجوم عسكري واسع، مستخدمة مخزوناتها الباقية من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإلحاق أضرار بالقواعد والسفن الأميركية، بل حتى استهداف إسرائيل.
وفي حال لجوء إيران إلى التصعيد بهذه الطريقة، سيجب على إدارة ترمب أن تستجيب عسكرياً على رغم ترددها في ذلك. وذكرت مصادر عسكرية أجنبية أن الولايات المتحدة وإسرائيل خططتا لشن هجوم جوي واسع النطاق في أوائل أغسطس الماضي، كان من شأنه أن يكون أكبر من القصف الذي نفذتاه سابقاً وأكثر تدميراً منه. إلا أن واشنطن ألغت الهجوم جزئياً بسبب قلق دول الخليج العربية من التداعيات الانتقامية المحتملة.
وكل هذه السيناريوهات تظل واردة. فقد اختارت إيران تقليدياً التصعيد، لكن بالنظر إلى حجم الضربات التي تلقاها اقتصادها ووكلاؤها منذ عام 2023، من الممكن أن تكون مستعدة للتفاوض بدلاً من الاستسلام. ومع استمرار الجمود، وفي حال أصرت واشنطن على موقفها، ستجد القيادة الإيرانية نفسها في نهاية المطاف أمام ثلاثة خيارات: التفاوض على تسوية شبيهة بمذكرة التفاهم، أو رفع سقف المواجهة من خلال عمل عسكري تصعيدي، أو إطالة أمد الحصار في وقت يزداد موقفها ضعفاً وسوءاً.
الانتصار عبر المراوحة
عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران في فبراير (شباط) الماضي، فإنهما لم تتوقعا أن ينتهي الأمر بعد ستة أشهر إلى حصار مزدوج لمضيق هرمز. واعتقد القادة الإسرائيليون والأميركيون في الغالب بأنهم سيقضون على النظام أو يجبرون طهران على تقديم تنازلات. لكن في ظل الخيارات المتاحة الآن، يبدو القبول باستمرار الجمود أفضل خيار ممكن للولايات المتحدة. فقد عجزت واشنطن عن هزيمة إيران سريعاً، لكنها لا تزال أكثر قدرة على تحمل كلفة الحصار القائم، في وقت ينحني الاقتصاد الإيراني تدريجاً تحت وطأة الضغوط.
ويتمثل أكبر خطر يهدد استمرار الجمود في أن تقرر إيران التصعيد. وعلى واشنطن أن تحذر طهران من العواقب الوخيمة التي ستواجهها إذا شنت هجوماً واسعاً أو أعادت تشغيل برنامجها النووي. ولا يملك القدرة على ردع إيران سوى القوة الأميركية. لذلك، ينبغي لواشنطن أن تتمسك باستراتيجية تقوم على إدارة الجمود، وأن تكون مستعدة في الوقت نفسه للرد بهجوم مضاد مدمر حقاً إذا قررت إيران رفع مستوى المواجهة. ومع تحسن الموقف الأميركي بمرور الوقت، لا يبقى أمام إيران من أوراق قوة حقيقية سوى دفع المواجهة بالقدر الكافي لتفادي استدعاء رد أميركي واسع.
ويمكن للجمود، إذا اقترن بالتهديدات المناسبة، أن يتحول إلى استراتيجية لا تتيح للولايات المتحدة الانتصار في الحرب وحسب، بل تساعدها أيضاً في ترسيخ المكاسب الأساسية التي حققتها خلال صراعها الأوسع، المستمر منذ ثلاثة أعوام، مع إيران ووكلائها، والبناء عليها. ولن يؤدي هذا النهج وحده إلى تغيير وجه الشرق الأوسط، لكنه ربما يضع إيران في موقف أضعف، ويدفع طهران إلى التحلي بقدر أكبر من ضبط النفس، مما تشتد الحاجة إليه.
جيمس جيفري زميل متميز في كرسي “فيليب سولوندز” لدى “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”. شغل مناصب دبلوماسية في سبع إدارات أميركية متعاقبة. من عام 2018 إلى عام 2020، كان الممثل الخاص لشؤون سوريا والمبعوث الخاص للتحالف الدولي لهزيمة “داعش”.
مترجم عن “فروين أفيرز”، 3 سبتمبر (أيلول) 2026
