
كشفت إيران عن إغلاق مضيق هرمز بوصفه آخر أسلحتها؛ وهو السلاح الذي وصفه أمين مجلس الدفاع الوطني السابق، علي شمخاني، قبل مقتله، بأنه “اللجوء إلى آخر الحلول” بالنسبة للنظام. لكن هذا اللجوء إلى ما يُرجّح أنه السلاح الأخير للنظام، بات الآن موجهًا نحو إيران نفسها.
وتحولت الحفرة التي حفرها النظام الإيراني لدول المنطقة وللاقتصاد العالمي الآن إلى أزمة اقتصادية ومعيشية وصحية تطال الشعب الإيراني.
ومع بدء الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران واندلاع الحرب، أغلقت طهران مضيق هرمز في أولى خطواتها، وبذريعة مهاجمة القواعد الأميركية في المنطقة، استهدفت جيرانها بالصواريخ والطائرات المسيّرة. في البداية، سارت الأمور لمصلحة إيران، لكن مع مرور الوقت بدأ فوهة هذا السلاح تتجه نحو النظام نفسه، وامتدت تداعياته المتفاقمة إلى الشعب الإيراني.
وكان النظام الإيراني يريد، من خلال تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم شرايين الطاقة والاقتصاد في المنطقة والعالم، ممارسة الضغط عبر ورقة اقتصادية، بدءًا بالدول المجاورة، ثم استخدام الورقة نفسها لدفع الدول الأوروبية إلى الدخول في المواجهة، بما يزيد الضغط على الطرف الآخر.
وبالفعل، أدى تفاقم أزمة الطاقة في أوروبا والولايات المتحدة وارتفاع أسعار الوقود إلى منح النظام الإيراني ورقة ضغط. وهو ما دفع الطرف الآخر إلى محاولة قبول شروط إيران، وانتهى الأمر في نهاية المطاف إلى توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين.
ولكن في المقابل، كشفت الولايات المتحدة عن سلاح آخر: حصار بحري مشدد على إيران، ودعم حرية الملاحة في مضيق هرمز. وأصبحت الصورة الآن مختلفة؛ إذ إن إيران لم تعد تملك سيطرة مطلقة على المضيق، بينما تشاهد أمامها حصارًا بحريًا أميركيًا مشددًا.
وهكذا بدأ تدريجيًا توجيه فوهة “سلاح هرمز” إلى الداخل، ليصيب الآن مجالات عديدة تستهدف بصورة مباشرة معيشة الإيرانيين وصحتهم.
قبل أيام فقط، أعلن وزير الصحة الإيراني، محمد رضا ظفرقندي، أن شحنات المواد الأولية الدوائية التي كانت تصل إلى إيران بصورة منتظمة من الهند لم تعد متاحة، بعدما أوقفت الهند إرسالها. والسبب، بحسب الرواية المطروحة، هو الحصار البحري المفروض على إيران ردًا على إغلاق مضيق هرمز.
وفي ظل الحصار وإغلاق أحد طرفي المضيق من جانب إيران، طلبت طهران أن يكون عبور السفن الهندية عبر هرمز مشروطًا بعبور سفنها هي أيضًا. أي إنها أرادت من الهند، في مواجهة الحصار البحري على إيران، أن تفضّل إرسال شحنات المواد الأولية الدوائية إلى إيران. لكن الهند اختارت، بطبيعة الحال، الخيار الأبسط: عدم إرسال أي شحنات.
والنتيجة كانت نقصًا مباشرًا في المواد الأولية للأدوية داخل البلاد، في خضم الحرب، وفي وقت أصبحت فيه حاجة المستشفيات والصيدليات إلى الأدوية أكبر من أي وقت مضى. والمرضى الذين كانوا يعانون أصلًا محدودية الحصول على الأدوية بسبب العقوبات وارتفاع الأسعار، يواجهون الآن طبقة جديدة من النقص؛ لكن هذا النقص هذه المرة لا ينجم عن قرار واشنطن، بل عن قرار اتخذته طهران.
ومن الأهداف الأخرى لهذا الخطأ الاستراتيجي للنظام الإيراني الوقود والطاقة. فعلى الرغم من أن إيران تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، فإن اضطراب حركة الملاحة في هرمز وانخفاض عمليات تحميل النفط في جزيرة خارك، التي تمر عبرها 90 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ساهما في تفاقم أزمة الوقود والكهرباء داخليًا. وكانت تقارير قد تحدثت عن توقف كامل لتحميل ناقلات النفط في خارك لمدة أسبوع على الأقل.
وقبل أيام فقط، قال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إن بلاده تكاد لا تبيع النفط، وإن الحكومة لا تحصل على أي أموال من مبيعات النفط. وفي المقابل، عادت إيران إلى تطبيق تقنين الكهرباء، وأصبح الإيرانيون يواجهون تقريبًا يوميًا انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي.
وثمة مشكلة أخرى تسببت هذه الأيام في أزمات معيشية متعددة، وهي الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية الغنية بالبروتين. فقد شهدت أسعار اللحوم والدجاج ارتفاعًا لافتًا.
والسبب الأهم هو توقف واردات الأعلاف الحيوانية والدواجن والأسمدة الكيميائية إلى إيران. ويواجه مربو المواشي والدواجن صعوبات كبيرة في تأمين الأعلاف. وفي السنوات الماضية، وحتى عندما كانت واردات هذه السلع إلى إيران أسهل نسبيًا، شهدت البلاد احتجاجات من المربين على منظومة توزيع الأعلاف، كما أدى ارتفاع أسعارها إلى نفوق المواشي والدواجن، وبالتالي ارتفاع أسعار اللحوم والدجاج.
ويأتي جزء كبير من واردات الأعلاف والأسمدة الكيميائية عبر هذا المسار البحري نفسه، الذي يعاني الآن اضطرابًا شديدًا. ومع ارتفاع تكلفة الأعلاف، اضطر بعض مربي المواشي، وفقًا لجمعيات مهنية، إلى ذبح حيواناتهم في وقت مبكر.
ومع استمرار ارتفاع التضخم، تتزايد في إيران عمليات شراء المواد الغذائية بالتقسيط
ويمكن تتبع آثار هذا الاضطراب مباشرة في موائد الإيرانيين، وتحديدًا في أسعار اللحوم والدجاج التي تتغير أسبوعيًا وبصورة حادة.
وأما النتيجة الأخرى المباشرة لسياسة إغلاق مضيق هرمز والإبقاء عليه مغلقًا، فهي التلوث الخطير للمياه الخليجية. فقد وصل التلوث النفطي إلى سواحل جزيرة “قشم”، وربطت عمليات رصد مستقلة لحركة الملاحة تسربًا نفطيًا واسعًا قبالة سواحل قشم وعُمان، يمتد على مساحة تقارب نصف مساحة طهران، بالهجمات الإيرانية على السفن العابرة.
ووصل هذا التلوث إلى الموائل البحرية الإيرانية نفسها، وألحق أضرارًا جسيمة بالشعاب المرجانية وغابات “المانغروف” الساحلية التي، بحسب خبراء البيئة، قد يستغرق ترميمها عقودًا.
كما يواجه الصيادون مشكلات متعددة في عمليات الصيد، وهو ما أدى إلى تراجع سوق الأسماك في جنوب البلاد.
ويمكن رؤية حصيلة هذه الضربات والأضرار في الأرقام الرسمية الصادرة عن الحكومة نفسها، دون الحاجة إلى أي مصدر مستقل. فقد بلغ التضخم الرسمي في نهاية يوليو (تموز) الماضي 88.6 في المائة، ووصل في المحافظات الجنوبية التي تعرضت لأشد القصف إلى 100 في المائة أو أكثر. وأُعلن أن معدل البطالة بلغ 9.1 في المائة، فيما يُتوقع أن يسجل الاقتصاد هذا العام انكماشًا بنسبة 5.4 في المائة.
فالمضيق الذي كان يفترض أن يخنق اقتصاد الخصم، بات عمليًا يخنق اقتصاد إيران ومعيشة شعبها.
وتعمل الدول الخليجية، بدلًا من الاستسلام، على إنشاء طرق بديلة لتجاوز مضيق هرمز، من بينها خطوط أنابيب تنقل النفط مباشرة إلى المياه المفتوحة دون المرور عبر المضيق.
وأما الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وفي الوقت نفسه أهم داعم سياسي لإيران في الأمم المتحدة، فقد تجد في استمرار حالة عدم الاستقرار سببًا إضافيًا للابتعاد عن شريك لا يمكن التنبؤ بسلوكه.
والمفارقة أن مضيق هرمز قد يفقد عمليًا، خلال السنوات المقبلة، جزءًا كبيرًا من أهميته الاستراتيجية والعملياتية.
والسلاح الذي كان يفترض أن يُوجَّه نحو العدو، انقلب عمليًا نحو إيران نفسها، ولا يبدو من السهل احتواء تداعياته، إلا إذا عادت إيران مجددًا إلى مسار التوصل إلى اتفاق.
ويمكن رصد مؤشرات على هذا الاحتمال في اللهجة الأخيرة لبعض المسؤولين، ومن بينهم رئيس البلاد، مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية، عباس عراقجي، اللذان يتبنيان مواقف أكثر حذرًا مقارنة بالأسابيع الأولى من الحرب. لكن الجناح الأكثر تشددًا داخل إيران لا يزال حاضرًا، ويواصل صب الزيت على نار الحرب الكامنة تحت الرماد.
ويبقى السؤال: إلى أين ستقود تطورات الأسابيع المقبلة هذا المسار؟ هل ستعود الحرب من جديد، أم يتم التوصل إلى اتفاق يغلق، هذه المرة، هذا الجرح إلى الأبد؟