رسم القائد العام لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، في مقابلة مطولة مع شبكة “رووداو” الكردية، يوم السبت، ملامح المرحلة المقبلة للقضية الكردية في سورية، مؤكداً أن اندماج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية لا يعني نهايتها أو التخلي عن المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية، بل انتقالها إلى صيغة جديدة داخل الدولة، تجمع بين جيش سوري واحد والحفاظ على قدر من الخصوصية الكردية عسكرياً وإدارياً وثقافياً. ويأتي حديث عبدي مع اقتراب عملية دمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية من مراحلها النهائية، حيث قال إن خطة وضعت لإنهاء عملية الاندماج خلال أغسطس/ آب الحالي، بعد تأخرها عن الموعد الذي كان مقرراً في فبراير/ شباط، محملاً دمشق و”قسد” مسؤولية التأخير.
وخلال المقابلة، أكد عبدي أن جزءاً من قوات “قسد” انضم بالفعل إلى الجيش السوري، فيما لا يزال أكثر من نصف القوات، بحسب تقديره، خارج عملية الانضمام النهائي. لكنه شدد على أن قواته لن تختفي بعد إتمام الدمج، بل ستعاد هيكلتها ضمن الجيش السوري. وبحسب التصور المطروح، يجري العمل على تشكيل ألوية في المالكية (ديريك) والقامشلي والحسكة وعين العرب (كوباني)، إضافة إلى لواء لمنطقة عفرين، على أن تبقى هذه القوات في مناطقها، ويواصل المقاتلون والقادة الأكراد أداء مهامهم ضمن المؤسسة العسكرية السورية.
في واحدة من أكثر فقرات المقابلة صراحة، أقر عبدي بأن “قسد” تعرضت لخسائر وانسحابات عسكرية واسعة
ويرى المحلل السياسي الكردي أحمد البرو، في حديثه مع “العربي الجديد”، أن الانتقال من مفهوم “حل قسد” إلى “دمجها” يعني أن القوة لن تختفي بالضرورة، وإنما ستتغير بنيتها وأسماؤها وتدخل في هيكلية الجيش السوري. كما يشير إلى أن الحديث عن ألوية كردية داخل الجيش يعكس محاولة الحفاظ على جزء من الهيكلية العسكرية الكردية.
الاعتراف بالانسحاب والهزيمة
وفي واحدة من أكثر فقرات المقابلة صراحة، أقر عبدي بأن “قسد” تعرضت لخسائر وانسحابات عسكرية واسعة، وقال بوضوح: “صحيح أننا انسحبنا عسكرياً”، مشيراً خصوصاً إلى هزيمة قواته في حي الشيخ مقصود. وأضاف أن “قسد” لم تتمكن من حماية مناطق عدة، معتبراً ذلك موضوعاً يستوجب النقد الذاتي، ولا سيما أن الشيخ مقصود منطقة كردية، وكان هناك اتفاق كان ينبغي تنفيذه. وكشف أن قيادة “قسد” حاسبت نفسها داخلياً، وأن النتائج ستعلن لاحقاً للشعب الكردي.
في المقابل، قال إن الانسحاب من مناطق أخرى، بينها المناطق الممتدة من دير حافر وما بعدها، كان قراراً عسكرياً هدفه العودة إلى المناطق الكردية وحمايتها بعد اتساع رقعة الحرب. وأكد أن التمركز في كوباني والحسكة ومنطقة الجزيرة كان بهدف حماية هذه المناطق، قبل التوصل إلى اتفاق أوقف الحرب.
من السلاح إلى العمل السياسي
مع اقتراب انتهاء المرحلة العسكرية، يقول عبدي إن الأولوية المقبلة ستكون سياسية. ويعمل، بحسب حديثه، على إنشاء مرجعية أو مظلة سياسية كردية تمنع حدوث فراغ بعد انتقال “قسد” إلى الجيش السوري. ولا يشترط أن تكون هذه المظلة حزباً تقليدياً، بل يمكن أن تكون حزباً أو حركة أو تياراً. ويؤكد رغبته في العمل مع مختلف القوى والشخصيات السياسية الكردية، معتبراً أن وحدة الصف الكردي ستكون الضمان الأساسي للحفاظ على المكتسبات السابقة.
ويرى الصحافي والمحلل السياسي الكردي عبد الحليم سليمان، في حديثه مع “العربي الجديد”، أن المنطقة الكردية تدخل مرحلة جديدة عنوانها الانخراط السياسي في سورية، لكن نجاح هذا المسار مرتبط بشكل الدولة السورية المقبلة، والدستور وقانون الأحزاب والحياة السياسية، إضافة إلى طريقة تعامل دمشق مع المناطق ذات الغالبية الكردية وخصوصيتها.
وأكد عبدي أن “اللغة هي البند الأول والأهم” في جدول أعمال المفاوضات مع دمشق، مشيراً إلى تقدم النقاشات مع الرئيس السوري أحمد الشرع وتشكيل لجنة لمعالجة الملف. ويطالب بأن تصبح الكردية لغة رسمية للتعليم في المناطق الكردية، مع تعليم العربية أيضاً، بحيث يتقن الطالب اللغتين. ولا يحصر عبدي القضية في اللغة، بل يريد تثبيت الحقوق والخصوصية الكردية في الدستور السوري المقبل، معتبراً أن الاتفاقات الحالية يمكن أن تشكل أرضية لعملية دستورية لاحقة. وبذلك يبدو أن الهدف لم يعد الحفاظ على الإدارة الذاتية بصيغتها السابقة، وإنما تحويل بعض عناصر التجربة السابقة إلى حقوق دستورية وقانونية داخل الدولة السورية.
اللامركزية وخصوصية المناطق الكردية
يضع عبدي رؤيته لشكل الدولة السورية ضمن إطار اللامركزية، معتبراً أن الحكم المركزي المطلق خلال عهد حزب البعث كان سبباً رئيسياً لكثير من المظالم والانتهاكات، وأن النظام المركزي ليس حلاً لمستقبل سورية. لكنه لا يقدم اللامركزية باعتبارها بديلاً عن الدولة السورية، بل صيغة للحفاظ على وحدة البلاد، مع منح المناطق والمكونات مساحة أكبر لإدارة شؤونها. كما يصف المناطق التي ينتشر فيها الأكراد بأنها “مناطق كردية”، ويربط ذلك بالترتيبات العسكرية والتعليمية والإدارية المقبلة.
أكد عبدي أن الوضع مع تركيا تحسن مقارنة بالسنوات السابقة، وأن المرحلة الحالية تقوم على وقف إطلاق النار ووجود قنوات اتصال مباشر بين الجانبين
ويرى أن أبناء هذه المناطق يجب أن يتمكنوا من حمايتها عبر قوات محلية كردية تعمل رسمياً ضمن الجيش السوري، لا باعتبارها قوة منفصلة. وهكذا تقوم الصيغة التي يطرحها على معادلة: جيش سوري واحد، مع ألوية كردية تنتشر في مناطقها، وتحافظ على قدر من الخصوصية المحلية.
وأكد عبدي أن الوضع مع تركيا تحسن مقارنة بالسنوات السابقة، وأن المرحلة الحالية تقوم على وقف إطلاق النار ووجود قنوات اتصال مباشرة بين الجانبين. ويطمح إلى تجاوز وقف إطلاق النار نحو تفاهم أوسع وعلاقات طبيعية مع أنقرة، مشيراً إلى وجود إشارات إيجابية. كما لا يستبعد زيارة تركيا أو حصول لقاء مع عبد الله أوجلان إذا تحسنت الظروف السياسية.
أما العلاقة مع إقليم كردستان العراق، فيصفها بأنها في أفضل مراحلها، مشيراً إلى العلاقات مع أربيل والسليمانية والدعم الذي قدمته القيادة الكردستانية خلال السنوات الصعبة. ويقول إن الحاجة إلى الإقليم أصبحت أكبر من أي وقت مضى، لكن طبيعة هذه الحاجة تغيرت من الدعم في الحرب إلى إعادة الإعمار والاستثمار والعمل السياسي والدبلوماسي.
دمشق والغرب و”داعش”
ويعتقد عبدي أن دمشق مستعدة لمنح الأكراد مناصب سياسية، لكنه يقول إن الحكومة السورية تنتظر تقدم عملية الاندماج العسكري وانتهاءها قبل اتخاذ خطوات سياسية من هذا النوع. وبذلك يربط بين إتمام الدمج العسكري والانتقال إلى المشاركة السياسية. وفي حديثه عن الولايات المتحدة وأوروبا، يؤكد أن الأميركيين كانوا واضحين في أن مهمتهم الأساسية هي محاربة تنظيم “داعش”، وليس إنشاء كيان سياسي كردي أو البقاء إلى الأبد. ويقول إن الدعم المالي والعسكري الأميركي والأوروبي لـ”قسد” توقف، مع استمرار الاتصالات السياسية مع المسؤولين الغربيين، مشيراً خصوصاً إلى الدور الفرنسي في دعم الاتفاق مع دمشق. وفي المقابل، يحذر من التقليل من خطر “داعش”، قائلاً إن التنظيم أعاد تنظيم نفسه، ولم يعد مجرد مجموعات صغيرة في مناطق نائية، بل أصبح موجوداً أيضاً في المدن.
يعتقد عبدي أن دمشق مستعدة لمنح الأكراد مناصب سياسية، لكنه يقول إن الحكومة السورية تنتظر تقدم عملية الاندماج العسكري وانتهاءها قبل اتخاذ خطوات سياسية من هذا النوع.
وفي المحصلة، يقدم عبدي تصوراً لمستقبل ما سماه “روج آفا” لا يقوم على استمرار التجربة السابقة بصورتها القديمة، ولا على اعتبار الاندماج استسلاماً أو نهاية للمشروع الكردي. بل يطرح انتقالاً من إدارة محلية مدعومة بقوة عسكرية مستقلة إلى مرحلة جديدة داخل الدولة السورية. ويقر، في الوقت نفسه، بأن المرحلة السابقة شهدت أخطاء عسكرية وسياسية وخدمية، وأن الانسحابات الأخيرة شكلت ضربة قاسية، خصوصاً في الشيخ مقصود، لكنه يرفض اختزال المسار كله في مفهوم الهزيمة، معتبراً أن بعض الانسحابات هدفت إلى تجميع القوات وحماية المناطق الكردية الأساسية.