في “مهرجان كارلوفي فاري” (تشيكيا) تتنوع الاهتمامات السينمائية، تلك التي لا تدع مكانًا لأي شيء آخر. فبرنامج المهرجان الحافل يحقق معظم الميول، وإن كانت هذه تذهب في اتجاهات عدة يغدو اختيار الأفلام المراد حضورها يوميًا شائكًا بعض الشيء؛ لا سيما أن البرنامج في كتيب المهرجان يورد الفيلم حسب العنوان الأصلي، ويجب حينها الذهاب إلى صفحة الفيلم لمعرفة عنوانه الإنكليزي. هكذا تتنقل الأصابع من دون توقف بين الصفحات وتمر دقائق طويلة قبل الانتهاء من وضع برنامج كل يوم. لكن من يهتم بالمسابقتين الرئيسيتين: الكرة البلورية وبروكسيما، سينعم براحة نسبية حيث عروض للصحافيين في قاعة خاصة لا تتطلب دائمًا الحصول على تذكرة، أمّا من يود القفز بين برامج المهرجان العديدة من مسابقات واستعادات وآفاق وعروض خاصة فالأمر يصبح أقل يسرًا.
هذا العام يحتفل مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، الذي عقد في الفترة من 3 إلى 11 يوليو/ تموز، بدورته الستين، والتي تُصادف أيضًا الذكرى الثمانين لتأسيسه. وإن الفوز بالأمكنة ليس بديهيًا في هذا المهرجان العريق الأبرز والأهم في أوروبا الوسطى والشرقية، فالجمهور الكبير يملأ القاعات، وهناك صفوف طويلة حتى تنتظر مكانًا محجوزًا لا يأتي صاحبه.
فالمهرجان يسمح لهؤلاء بالدخول واحتلال أي مكان فارغ خمس دقائق قبل بدء عرض أي فيلم. وأستطيع أن أشهد بأن الإقبال على الأفلام لا سيما التشيكية كان كبيرًا، ومدهشًا، ومثيرًا للإعجاب، والعجب. وأحيانًا حين الذهاب لمشاهدة فيلم قد يُعتبر هامشيًا أو ليس حديثًا يمكن للمرء الظن أن القاعة ستكون أكثر انفراجًا، ولكن هيهات… نادرًا ما يبقى مكان فارغ.
ضمّ البرنامج الرئيسي ما يقارب أربعين فيلمًا، من بينها عروض عالمية أولى في مدينة كارلوفي فاري السياحية، ما يُبرز تنوعًا جغرافيًا استثنائيًا تشغل المنطقة العربية فيه مكانًا أيضًا.
في الكرة البلورية (الكريستالية) المسابقة الرئيسية، شارك فيلم لبناني جديد في نوعه، لا يخلو من غرابة أسلوب وطرح في تقديم صورة لعاملٍ متواضع في بلدة صغيرة. المخرج اللبناني كريم قاسم في “قساطل” (2026) يوظف مختلف الأساليب السينمائية، ومنها الأسلوب البوليسي، في تقديم شخصية ليست على هذه البساطة التي تبدو عليها، لمسنّ متقاعد من عمله في مؤسسة المياه. حسن يبقى ملجأً لجيرانه بالرغم من تقاعده يستنجدون به كل وقت وهاتفه لا يكف عن الرنين. فمشاكل المياه كثيرة في هذه البلدة ولا أحد مثله خبير بخفايا القساطل تحت الأرض. شخصية غامضة جعلها الفيلم محور الأحداث ورسمها السيناريو ببراعة مع مستوياتها المتعددة المتناقضة. عكس المخرج غرابتها وحنّيتها وأحلامها وحساسيتها ووحدتها بمزيج من مواقف طريفة وحزينة ورقيقة عكست قيم الصداقة والوفاء وأشجان الفقد. وقدم الفيلم بإيقاع بطيء، ولغة بصرية اعتمدت تعابير الوجه، وحوار بدا عفويًا، كيف تصبح بلدة ركنًا أساسيًا في حياة شخص وكيف يصبح الشخص ملتحمًا بمكان لا يعرف غيره وبات بالنسبة له ركيزة ومبرر وجود. فكيف ستتخلص تلك البلدة من مشاكل القساطل التي لا تتوقف وحسن فيها؟ وما مبرر وجوده حينها؟ بصوت مبحوح ومشية لا مبالية وتعابير تمزج بين حزن عميق وبساطة ومكر فطري قدم غسان سعد دورًا أنقذ الفيلم من شيء من مراوحة وتشتت مواضيع بين أعطال قساطل ورحيل العامل البنغلاديشي المفاجئ والتحضير لعرس الابنة.
| المخرجة اليمنية سارة إسحاق/ المخرج اللبناني سيريل عريس ومنتج فيلم “قساطل”في كارلوفي فاري |
خلت المسابقة الثانية- بروكسيما- من أي فيلم عربي. فيما عرض قسم “آفاق” أربعة أفلام. جاء من لبنان “نجوم الأمل والألم” (2025) لسيريل عريس الذي عرض في عدة مهرجانات. وهو فيلم ممتع بشخصياته الطريفة وأدائها، تألق فيه كل من مونيا عقل وحسن عقيل في تجسيدهما لشخصية زوجين بعفوية آسرة ما لعب دورًا كبيرًا في التأثير على تقبل الفيلم، وهذا لا يعني ضعفًا في السيناريو أو الإخراج، بل كان قيمة مضافة لهما. في فيلمه الروائي الأول الطويل هذا بعد الوثائقيين “الأرجوحة” (2018)، و”الرقص على حافة بركان” (2023)، عاد المخرج اللبناني إلى مهرجان كارلوفي فاري في فيلم رسم قصة حب قدرية في ظل الحرب اللبنانية. وتابع مسيرة اثنين، ولدا في نفس الظرف والوقت، في مراحل مختلفة من حياتهما. ومنذ لحظة وقوعهما في الحب، وعلاقتهما غير المتوقعة حتى ارتباطهما وتشكيل أسرة شكّلت الحرب وظروف الواقع السياسي في لبنان تحديًا كبيرًا لهما.
في “المحطة” تحاول المخرجة اليمنية سارة إسحاق في فيلم لم يُصوَّر في اليمن، بناء أجواء نسائية في بلد زمن الحرب. في محطة وقود أرادت لها صاحبتها في نفس الآن أن تكون واحة تستفيء بظلها النساء في منطقة تخضع لحروب وخلافات لا تنتهي، تضع ليال قواعد صارمة لتقتنص النساء وسيلة للاجتماع، وتبادل الأحاديث والمأكولات أثناء التزود بالوقود لحاجاتهن اليومية. لهذا، كان يجب منع الرجال والأسلحة، وبالطبع الحديث بالسياسة. لكن مهما حاول المرء الابتعاد عن الحرب والصراعات، فهي تحاصره. لهذا، ستدور حبكة الفيلم الرئيسية حول محاولات ليال الدؤوبة، بمساعدة شقيقتها المقيمة في الجهة المضادة في يمن منقسم، تجنيب شقيقها الصغير تجنيد القوات المحلية له. في أول تجربة إخراجية، تتساءل المخرجة إن كان يمكن في خضم القتال لقيم كالحب والفكاهة والتسامح والتعاطف أن تصمد؟ وهي تمنح صوتًا للنساء اللاتي اختفى أزواجهن وإخوانهن وآباؤهن في الحرب، تاركين إياهن يواجهن الحياة بمفردهن. لكن الصوت لم يُسمع جيدًا مع فيلم وجّه نظرة سريعة لشخصياته وأمكنتها وخلافاتها وبقي على حدود مشاكلهن، وكأنها زيارة سريعة تمهيدية، وإن لم تخلُ من الإمتاع والأهمية، لم تلامس أعماق الشخصيات وعلاقتها ببعضها البعض وبالبلد التي تعيش فيه.
| لقطتان من “البارح العين ما نامت” و”مياه ساخنة” |
وإن كان “مياه ساخنة” للمخرج السوري الأميركي رمزي بشّور فيلمًا أميركيًا باللغة الإنكليزية وتدور أحداثه هناك، فإنه فيلم عربي حين تؤخذ بالاعتبار شخصيته الرئيسية ومشاعرها. إنها ليال (الممثلة المغربية البلجيكية لبنى الزبال)، أستاذة جامعية للغة العربية مطلقة عالقة بين عالمين: بيروت، مكان تركته وما زال يسكنها مع أهله، وآخر تقيم فيه وتحاول التأقلم معه وحلّ مشاكل ابنها المراهق. لكن ستأتي لحظات حاسمة ستكون مرشدتها لاكتشاف ذاتها ومعرفة ما تريده حقًا، كما اكتشاف ابنها وإعادة بناء علاقتها معه. وليس أفضل من تحقيق الاكتشافات إلا فيلم طريق تخوض فيه الشخصيات رحلة طويلة من آلاف الكيلومترات. هنا التزم هذا الفيلم المؤثر قواعد النوع، فبينما تقود ليال ابنها نحو وجهتهما، وهي مقر أبيه في الغرب الأميركي ليقيم معه، يجدا طريقهما إلى بعضهما البعض. وتتأكد قيمة الفيلم في المشاهد الأخيرة وفي هذا البوح الذي جاء بعد تراكم أشياء بسيطة ومشاعر ومواقف تجمع بين الأم وابنها لتبرز في النهاية حقيقة جلية حول مفهوم التعلق بالمكان والفقد. عُرض هذا الفيلم الروائي الأول المميز لمخرجه في مهرجان صندانس السينمائي هذا العام، وساهمت الممثلة لبنى الزبال بإعطاء شخصية الأم أبعادًا إضافية أكثر واقعية وعمقًا.
ويجيء “البارح العين ما نامت” للسوري الفلسطيني ركان مياسي بأجواء غريبة وصور ساحرة وبيئة جديدة ليقدم تقاليد بدوية في وادي البقاع على الحدود بين لبنان وسورية. على خلفية إيقاع حياة تبدو عادية بين عمل في المزارع وتجارة، تتكشف قصص سكان محليين خاضعين لتقاليد عشائرية. ويهتم الفيلم بريم وجواهر الأختين بين إيحاءات علاقات حب نامية مع شابين سيقضي عليها حادث طريق يُقتل فيه بدوي من عشيرة أخرى. ستهز القضية حياة الجميع في المنطقة. وسيكون على الأختين التضحية لحل المشكلة. لا يهتم الفيلم بالسرد المباشر للحدث، بل يُعنى بتصوير المكان وتأطير الصورة على نحو آسر، وإرفاقها بموسيقى رائعة بدوية تقليدية وأخرى حديثة، ما يفسح لمشاعر الحب والظلم والقهر والخضوع مساحة للتعبير بأسلوب فني ورمزي بعيدًا عن الخطابية. لكن النهاية التي تلتقي مع البداية، وكأن الفيلم حلقة مغلقة، جاءت تعبيرًا عن توق إلى حرية قد تتحقق بفضل إرادة النساء.