تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • معرض دمشق للكتاب: ولادة شعب من بين الرماد
  • أدب وفن

معرض دمشق للكتاب: ولادة شعب من بين الرماد

المحرر Editor 13 فبراير، 2026
معرض دمشق للكتاب: ولادة شعب من بين الرماد
دمشق لم تُهزم أمام الشرّ
    بيرين بيرسايغيلي موت
    [إلى صديقي إبراهيم الجبين]
    خلال الأيام القليلة التي أمضيتها في دمشق، ظللت أفكّر بلا انقطاع. أردت أن أضع هذه المدينة الجميلة أمامي، كأنها إنسان، وأن أتحاور معها. كان بيننا الكثير مما يجب أن يُقال. أشياء كثيرة يمكن أن نرويها لشوارعها، لأسواقها، لجدرانها، لحجارتها… كنت أمام مدينة لا تحمل حاضرها فقط، بل تحمل ماضيها على كتفيها أيضًا. كل زاوية فيها مشبعة بالذكريات، وكل شارع مكتظ بجُمل لم تكتمل. ورغم كل جراحها، كانت لا تزال تحمل كبرياء الوقوف شامخة، بهدوء ووقار. مرّ في هذه الشوارع، في زمنٍ مضى، طغاةٌ كانت خطواتهم قاسية ونظراتهم متعجرفة. ظنّوا أنهم يملكون من القوة ما يكفي لإسكات المدينة تمامًا. ارتجفت الشوارع تحت وقع أقدامهم، وحُكم على الناس بالصمت. لكنهم جهلوا أمرًا واحدًا: دمشق لم تصمت، بل كانت تنتظر. حجارة المدينة لم تفقد ذاكرتها قط، والجدران حفظت كل ما لم يُقَل. وحين لمستُ تلك الجدران والحجارة، شعرت أنها تحمل رسالة عظيمة، وكأنها تقول: «الذين ظنّوا أنهم يحكموننا، انظروا كيف أُرسلوا في النهاية، بأيدينا، إلى مزبلة التاريخ».

    عندها أدركت أن الحكاية الحقيقية لدمشق لا تكمن في أنها لم تعرف الشرّ، بل في أنها رأته مرارًا، وفي كل مرة كانت أطول عمرًا منه. جاء الطغاة وذهبوا، ولم يتركوا خلفهم سوى ظلال باهتة. أما المدينة، فعلى الرغم من جراحها كلّها، فلا تزال هنا. لأن دمشق لم تتعلّم كيف تُهزم أمام الشر، بل كيف تهزمه. وأنا أمشي في أزقة المدينة القديمة وألمس حجارتها، أحسست أنها لا تروي الماضي فحسب، بل تحمل تحذيرًا أيضًا. كأنها تقول: «لا ظلم يدوم. ومن يظن أنه يحكمنا، يُحاكم في النهاية على يد من يتذكروننا». وحين شهدت أصدقاءً لي أُجبروا يومًا على مغادرة دمشق، وهم اليوم يسيرون في شوارعها كقادةٍ منتصرين، فكّرت كم أن الصبر شكلٌ نبيل من أشكال الانتقام. أولئك الذين اضطروا بالأمس إلى الرحيل عن هذه الشوارع، كانوا اليوم يسيرون فوق الحجارة نفسها ورؤوسهم مرفوعة. المدينة تعرّفت إلى أبنائها الحقيقيين، لم تنسَ آثار أقدامهم، وانتظرت عودتهم. الذين جاؤوا اليوم إلى دمشق من أجل معرض الكتاب، هم أنفسهم الذين نُفوا عنها بالأمس. الذين احتلّوا اليوم مكانهم في ذاكرة دمشق، وهي تنهض من رمادها بكل هذا البهاء، هم الذين أُريد لهم أن يُمحَوا. الذين يتحدثون اليوم على المنصّات، هم من أُريد لأصواتهم أن تُخنق. كأن دمشق كانت تستدعي، واحدًا واحدًا، كل الأصوات التي اقتُلعت منها. وتحوّل معرض الكتاب إلى مسرحٍ لهذه الحكاية المهيبة. الأسماء التي أُريد لها أن تُنسى، كانت تتردّد الآن على ألسنة آلاف القادمين. الكلمات المحظورة كانت تخرج إلى العلن واحدة تلو الأخرى. القصائد التي أُسكتت كانت تُقرأ من جديد. وكان معرض الكتاب، كأنه المكان الذي تُستكمَل فيه كل الجُمل التي تُركت ناقصة في الماضي… وكل الخُطب التي لم يُسمَح لها أن تكتمل. بدا لي معرض الكتاب في دمشق أشبه ببيانٍ جديد، مانيفستو يولد من بين الحظر والقمع والخراب، ويصرخ: «نحن ما زلنا هنا، وما زلنا معًا». لذلك لم يكن مجرد فعالية ثقافية. كان ردّ اعتبار، ولقاءً مشتركًا متأخرًا، وكلامًا جماعيًا جاء بعد صمتٍ طويل. دمشق كانت تعيد رواية قصتها، ولكن هذه المرة لا بلسان من أرادوا إسكاتها، بل بلسان من لم ينسوها قط. بعد زمنٍ طويل، بدا وكأن المدينة أخذت نفسًا عميقًا للمرة الأولى. كانت تتعافى. لم أرَ ذلك فحسب، بل أيضًا شعرت به بكل قوة في قلبي. شعرت به في وجوه الناس، في أحاديثهم، وفي الطريقة التي كانوا يلمسون بها الكتب. نعم، المدينة كانت تتعافى. ودمشق كانت تُثبت مرة أخرى مدى قوتها. لم أشعر بأنني شخص يتجوّل في معرض كتاب، بل شعرت كما لو أنني أشاهد دخول جيشٍ نبيل منتصر إلى المدينة بعد حربٍ عظيمة. جيش لا يحمل سيوفه، بل ذكرياته؛ لا أثر للبارود على دروعه، بل شرفٌ لم يستطع الزمن أن ينال منه. وأن أكون شاهدًا على هذا النصر، كان واحدًا من أكثر المشاهد زلزلة في تاريخي الشخصي…

    ضفة ثالثة

    عن المؤلف

    المحرر Editor

    Administrator

    زيارة الموقع عرض كل المقالات

    تصفّح المقالات

    السابق: الحريات في سوريا.. ليست ترفاً فكرياً
    التالي: جائزة “دياموند داغر” 2026: الانتصار لـ”فرط اليقظة”

    قصص ذات صلة

    • أدب وفن

    “الجزيرة العارية”: حين يتكلم الصمت

    المحرر Editor 2 نوفمبر، 2026
    • أدب وفن

    إعصار في استوديو يمتحن قدرة الوهم السينمائي

    المحرر Editor 2 نوفمبر، 2026
    • أدب وفن

    النار تحول الحطام إلى أثر جمالي في لوحات جان بوغوسيان

    المحرر Editor 2 نوفمبر، 2026
    https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

    أحدث المقالات

    • ميشيل فوكو “معاصراً”؟ 
    • من حجب الصورة إلى تشكيل الوعي: كيف تصنع المناهج السورية علاقتنا بالآخر؟
    • ترقب أميركي وعالمي لنتائج “التجديد النصفي”… تراجع قياسي لشعبية ترمب
    • التسوُّل في سوريا واستراتيجية «المكافحة» من الشارع إلى مراكز التأهيل، ثم مجدداً إلى الشارع
    • حرب رهينة اختلاف الأولويات واللا ضمانات.. لإسرائيل مشروع آخر

    لربما فاتك

    31_oct-foucault (1)
    • مقالات رأي

    ميشيل فوكو “معاصراً”؟ 

    المحرر Editor 2 نوفمبر، 2026
    31_oct-syria
    • مقالات رأي

    من حجب الصورة إلى تشكيل الوعي: كيف تصنع المناهج السورية علاقتنا بالآخر؟

    المحرر Editor 2 نوفمبر، 2026
    AKEEL_ABBAS_web_0.jpg (4)
    • مقالات رأي

    ترقب أميركي وعالمي لنتائج “التجديد النصفي”… تراجع قياسي لشعبية ترمب

    المحرر Editor 2 نوفمبر، 2026
    Web-2026-tasawol
    • الأخبار

    التسوُّل في سوريا واستراتيجية «المكافحة» من الشارع إلى مراكز التأهيل، ثم مجدداً إلى الشارع

    المحرر Editor 2 نوفمبر، 2026

    AF themes

    We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

    All Themes Plan
    حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.