في نسختها الجديدة هذا العام، انضم البريطاني مارك بيلينغهام إلى هذا الصرح الماسي، تتويجًا لمسيرة امتدت لأكثر من ربع قرن، جسّد خلالها النوار البريطاني عبر شخصية المحقق المنهك توم ثورن. فيما أكدت نادين ماثيسون، رئيسة جمعية كُتّاب الجريمة، في حيثيات فوزه، أن بيلينغهام لم يكتفِ بصياغة روايات ناجحة، بل «وضع معايير جديدة لهذا النوع الأدبي وساهم بفاعلية في دعم الأجيال الناشئة».
من جانبه، استقبل بيلينغهام الخبر بامتنان تخالطه روح الفكاهة: «على افتراض أن هذا ليس خطأ إداريًا، فلا يمكنني أن أكون أكثر فخرًا بإضافة اسمي إلى قائمة تضم أبطالي الأدبيين»، معتبرًا الجائزة اعترافًا من مجتمع أدبي يدرك أثر الكلمة المكتوبة خلف أشرطة التحقيق.
بين براثن الخوف
يستمد أدب الجريمة مادته من ذلك الصدام الأزلي بين النظام والفوضى؛ ففي كل رواية تمثل الجريمة حجرًا يُلقى في بركة الواقع الراكدة، لتغدو الحبكة محاولة لتتبع تموجاتها المضطربة وإعادة الهدوء للسطح. ومن خلال هذه اللعبة الذهنية التي تشرك القارئ في فك الألغاز والبحث عن الحقيقة، نجح هذا النوع الأدبي في الاستحواذ على شغف الشباب، محاكيًا غريزة الفضول وحب المخاطرة في قلوبهم التواقة.
انطلقت شرارة هذا الجنس الأدبي تاريخيًا مع إدغار آلان بو في «جرائم شارع مورغ» عام 1841؛ فهو من صاغ “النموذج الأول” للمحقق العبقري الذي يفكك الألغاز عبر منطق صارم، محوّلًا الجريمة من حدث عشوائي إلى معضلة رياضية. مهّد هذا الطريق لظهور أغاثا كريستي، “ملكة الغموض”، التي ألهبت خيال القراء عبر ست وستين رواية؛ حيث برعت في تحويل الرواية البوليسية إلى لعبة ذكاء اجتماعية تدور في غرف مغلقة وقصور ريفية، راسمةً ملامح هذا الفن كرحلة بحث عن “الحقيقة الضائعة” وسط ركام من الأكاذيب المنمقة. مع الوقت، تفرعت مسارات الجريمة لتمتد من عوالم “النوار” المظلمة إلى التشويق النفسي الذي يغوص في دهاليز نفسية القاتل، وصولًا إلى تعقيدات الجاسوسية.
في هذا السياق، يبرز اسم مارك بيلينغهام الذي اقتحم ساحة الجريمة في أواخر التسعينيات، عبر تجربة شخصية صعبة، حيث وقع ضحية للاختطاف والاحتجاز، وهي الحادثة التي صبغت كتاباته بصدق مرعب. يتذكر بيلينغهام تلك التجربة مشيرًا إلى أن أسوأ ما فيها لم يكن الانزعاج الجسدي الذي تحوّل تدريجيًا إلى عذاب، بل الصمت المطبق من الخاطفين وضجيج التلفاز العبثي أثناء مشاهدة مسلسلي “فريندز” و”إي آر”، ليلعب القلق من المجهول، وصوت خفقات قلبه التي كادت ترتطم بالأرض وهو مستلقٍ على السجادة يفكر في عائلته، دورًا في تفكيك مفهوم الخوف لديه؛ إذ وصل به اليأس لتمني التعرض لضرب مبرح فقط لينهي جحيم التساؤل والترقب.
ورغم أن بيلينغهام بدأ مسيرته ممثلًا وكاتبًا كوميديًا، إلا أن تلك الصدمة كانت الشرارة التي فجرت موهبته في كتابة الجريمة، لتخرج روايته الأولى «متلازمة الانحباس» (Sleepyhead) عام 2001، مجسدةً سلطة الخوف التي تشل الحواس، ومعلنةً عن ولادة كتابة جديدة، تشبه رحلة استكشاف في دهاليز النفس البشرية.
فيزياء الرعب
بدا واضحًا منذ العمل الأول لمارك بيلينغهام أن الجريمة لديه ليست مجرد أحجية تتطلب حلًا منطقيًا، بل هي صدمة جسدية ونفسية تمتد آثارها لسنوات؛ فهو لا يكتفي بوصف الفعل الجرمي، بل ينقل للقارئ ما يمكن تسميته بـ “فيزياء الرعب”، ذلك الشعور الخانق بالانحباس وفقدان السيطرة الذي اختبره شخصيًا. يصف بيلينغهام تبعات تلك التجربة بإصابته بنوع من “فرط اليقظة” المنهك، جعلت من الحذر الدائم والقفز من ظله رفيقين له، بالإضافة إلى مشكلات نفسية نفرته من الإقامة بالفنادق.
من رحم هذا الخوف، ولدت شخصية المحقق توم ثورن (Tom Thorne) لتحتل صدارة الشخصيات الأكثر رسوخًا في أدب الجريمة البريطاني الحديث. ظهر لأول مرة في رواية بيلينغهام الأولى التي اخترقت قائمة “أفضل الكتب مبيعًا” في صحيفة “صنداي تايمز”، قبل أن تُدرج في عام 2009 ضمن قائمة أفضل 100 رواية أثرت في العقد. واستمر حضوره في معظم أعمال الكاتب، باستثناء روايات قليلة لعب فيها أدوارًا ثانوية، حيث يعترف بيلينغهام بأنه منح بطله العديد من سماته الشخصية، بدءًا من تاريخ الميلاد ومكان الإقامة في لندن، وصولًا إلى ذوقه الخاص في موسيقى الريف.
وعند الحديث عن تطوير هذه الشخصية، يوضح فلسفته في كسر القوالب النمطية من دون التخلي عن روح النوع الأدبي؛ فهو يرى أن قلق الكاتب من السقوط في فخ “الشرطي الغريب” المليء بالعيوب يشبه قلق كاتب روايات الغرب الأميركي من منح بطله حصانًا ومسدسًا. فالعيوب والماضي المثقل بالمشاكل ليست مجرد كليشيهات، بل هي جزء لا يتجزأ من هوية المحقق؛ بدونها لن يجد القارئ ما يستحق القراءة عنه. وهكذا، لم يكن ثورن مجرد بطل ورقي، بل كان كائنًا حيًا يتطور عبر السنين.
تجلت ملامح هذا التطور في روايته الثانية «القط الخائف» (Scaredy Cat) عام 2002، التي استلهمها من شعوره الشخصي بالرعب تجاه جرأة المجرمين، حيث ركز فيها على “قوة الخوف” كسلاح فتاك لا يقل خطورة عن المسدس أو السكين. كما أسقط تجربته المأساوية في غرف الفنادق على حبكة فرعية وصفت جرائم بشعة تقع في تلك الأماكن، مما منح العمل واقعية مفرطة قادته للفوز بجائزة “شيرلوك” لأفضل رواية بوليسية.
بطل من ورق
يؤمن بيلينغهام بأن أدب الجريمة الحق هو الذي يزرع الرعب في نفس القارئ لا مما يحدث بين دفّتي الكتاب فحسب، بل مما قد يتربص به في الزقاق المجاور لمنزله؛ وهو ما دفع إيان رانكين لوصفه بـ «المايسترو الذي يجعلك تضحك في صفحة، وتتجمد رعبًا في التالية». هذه القدرة المدهشة على التلاعب بالمشاعر تستند إلى خلفيته الفريدة؛ إذ يرى في “الكوميديا الارتجالية” (Stand-up Comedy) والكتابة الروائية وجهين لعملة واحدة، فكلاهما ينهل من ذات البناء الهيكلي الذي يبدأ بتمهيد قوي وينتهي بـ “قفلة” مباغتة.
وهنا يبرز أسلوب “التراجع والكشف” كأداة مشتركة، فيُستدرج القارئ نحو مسارٍ مُتخيّل قبل أن تصدمه الحقيقة؛ وبينما تتفجر هذه المفاجأة ضحكًا في الكوميديا، فإنها في عالم الجريمة تتحول إلى صدمة، تظل في جوهرها قائمة على فن “التضليل” الذي يتقنه الكاتب ببراعة فائقة.
على جانب آخر، يبلور الكاتب عبقرية هذا النوع الأدبي في معادلة جوهرية: “تقديم الشخصية على الحبكة” و”الصدق على الحيلة”. فالتشويق لديه لا يقتات على الالتواءات المفتعلة، بل ينبع من صياغة شخصيات حقيقية يتماهى القارئ مع هشاشتها الإنسانية. من هنا تبرز ميزة محققه الشهير توم ثورن؛ فهو ليس “سوبرمان” أو عبقريًا يفك الرموز بلمحة بصر، بل إنسان مثقل بالندوب، يعاني من أخطاء الماضي، وهفوات الحاضر بينما يصارع العزلة وثقل البيروقراطية. الأمر الذي استثمره الكاتب في المضي قدمًا بشخصيته؛ فثورن لا يكتفي بحل القضايا، بل يتغيّر مع كل واحدة منها، تاركًا الأحداث تطبع بصماتها على روحه وجسده، ليرى فيه القارئ انعكاسًا صادقًا للضعف البشري وهو يواجه وجهًا لوجه غطرسة الشر المطلق وسطوة الزمن.
وتتجلى المفارقة في تجربته عند وضعه في كفة المقارنة مع معاصره لي تشايلد؛ فبينما يميل هذا الأخير إلى خلق بطل أسطوري عابر للقوانين مثل “جاك ريتشر”، يقدم بيلينغهام نموذجًا للمحقق “المضاد للبطولة” (Anti-hero) الذي يحاكي في شجونه شخصيات “هنينغ مانكل” في الأدب الاسكندنافي.
ولعل قيمة هذه الجائزة لا تكمن فقط في عراقتها، بل في كونها “شهادة استحقاق” من رفاق المهنة الذين وصفوه بـ «المايسترو الذي منح الجريمة قلبًا والغموض لسانًا»؛ إذ لم يكتفِ برسم مسارح الجريمة، بل استنطق وجع الضحايا وهشاشة المحققين. وبشهادة مجايليه، ومنهم لي تشايلد، فإن ما يكتبه بيلينغهام ليس مجرد قصص مشوقة، بل تدفعك «للتلصص على الحياة الحقيقية» بكل قبحها وجمالها.
ومع اقتراب موعد تسلّمه الجائزة في تموز/ يوليو القادم، خلال الحفل السنوي الذي تنظمه جمعية كتّاب الجريمة البريطانية بحضور نخبة من أبرز كتاب هذا النوع وناشريه ونقاده، يبدو أن الوقت قد حان لكسر عزلة القارئ العربي عن هذا العالم؛ فليس من المنطقي أن يظل هذا المشرط الماسي، الذي يُشرّح أدق تفاصيل النفس البشرية، بعيدًا عن أرفف مكتباتنا العربية.