شهدت كواليس أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك اختراقاً نادراً قد يُشكل نقطة تحول مفصلية في المسار الإقليمي المحتدم. ففي اجتماع استمر لثلاث ساعات يوم الثلاثاء، التقى مبعوثا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بالوفد الإيراني برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي عبر قنوات وساطة مكثفة، في أول تواصل مباشر رفيع المستوى بين واشنطن وطهران منذ منتصف حزيران الماضي.
يأتي اللقاء، الذي عُقد بطلبٍ أميركيّ، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد والخطورة، مع اقتراب الحرب الإقليمية من شهرها السابع دون أي أفق محدد للانفراج. وكشف مصدر إقليمي لـ”أساس” أن انعقاد هذه الجولة الدبلوماسية لم يكن وليد المصادفة أو مجرد تحرك بروتوكولي، بل جاء ثمرة مساعٍ باكستانية حثيثة قادها قائد الجيش المشير عاصم منير ووزير الداخلية محسن نقوي. وأوضح المصدر أن نقوي زار طهران خصيصاً قبيل توجه الوفد الإيراني إلى نيويورك، ونال موافقة قيادة الحرس الثوري الإيراني على الجلوس مع الأميركيين وفتح قناة المباحثات الحالية.
شروط “الحرس”
بحسب معلومات “أساس”، فإن الشروط التي حملها عباس عراقجي إلى نيويورك لم تكن سوى “شروط الحرس الثوري” التي أُقرّت في طهران لإنهاء التصعيد الإقليمي وتحديداً لإعادة فتح مضيق هرمز. وتتضمن هذه المطالب، كما أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني، رؤية طهران لفك الخناق عنها عبر ثلاثة بؤر أساسية:
- رفع الحصار البحري بشكلٍ كامل.
- إطلاق سراح الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
- إيقاف الحرب بشكل شامل على كافة الجبهات المشتعلة، وأوّلها لبنان.
ولئن كانت هذه المطالب تمثّل ما يطلبه قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، إلا أن “الحرس” حاول ترك مسافة “أمان” لنفسه للتنصل من المفاوضات في حال فشلها. وجاء ذلك عبر ما نشرته وكالة تسنيم” عن مصادر قولها: “على عراقجي تقديم توضيح للجهات المعنيّة بشأن لقائه ويتكوف فتحرّكه خاطئ ومخالف للمصالح الوطنيّة”.
كما يأتي هذا الخبر بالتزامن مع تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيراني إسماعيل بقائي حصول ما سماه “تبادل للرسائل عبر وسطاء”. كما أن وكالة رويترز نقلت عن مسؤول إيراني كبير، يرجّح أنه عراقجي، قوله إن طهران تدرس الرّد الأميركي على مطالبها.
هذا يؤكد أن الحرس الثوري على علمٍ مسبق بالمحادثات، كون قرار الموافقة على الرّد الأميركي من عدمه باتَ محصوراً بين رجلين: الأول المرشد المغيّب مجتبى خامنئي، والحاكم الفعلي قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي.
كما كشف المصدر أن هذا التحرك الإيراني يرتبط بتراجع ملحوظ في الدعم الدولي لطهران لدى العواصم الكبرى. إذ أبلغ الروس الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أثناء زيارته الأخيرة إلى موسكو، بوضوح أنهم لا يستطيعون تزويد إيران بالمؤن والإمدادات إلى الأبد، وأن الحل الوحيد يكمن في إبرام صفقة مع واشنطن. وفي السياق نفسه، أكد المصدر أن بكين استجابت مؤخراً لطلب الولايات المتحدة بوقف إمدادات السلاح إلى إيران، كما أنها قنّنت تزويد الإيرانيين بصور الأقمار الاصطناعية التي استخدموها في الأسابيع الأخيرة لقصف مواقع في الأردن والبحرين. ومن المنتظر أن يحسم اللقاء المرتقب بين الرئيسين الأميركيّ والصيني المصير النهائي للحرب الإيرانية.
حسابات ترامب: لن أترشّح مرة ثانية
يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة ضبط الإيقاع الدبلوماسي وفق أسلوبه القائم على المزاوجة بين الضغط الأقصى وإبرام الصفقات. وتوجّه ترامب عقب المحادثات إلى اجتماع موسع مع ممثلي تسع دول عربية لمناقشة تداعيات الحرب، حيث نقل كوشنر وويتكوف انطباعات إيجابية حول المباحثات. وقال ترامب: “عقد ستيف وجاريد اجتماعاً مثمراً للغاية اليوم مع وسطاء من إيران. أعتقد أن هناك زخماً كبيراً للتوصل إلى صفقة. هذا ما نسمعه من الجميع”. وهو ما أكده ويتكوف لاحقاً عبر منصة أكس، وأشار إلى أن المحادثات كانت مطولة والبناء عليها مستمر عبر الوساطة.
لكن الموقف الأميركي لا يخلو من التهديد الصريح. إذ لمّح ترامب في كلمته أمام الجمعية العامة، بما يتطابق مع تصريحاته الأخيرة لموقع أكسيوس إلى أنه يقف أمام “قرار كبير” يتوجب عليه اتخاذه بين التوصل إلى صفقة مع إيران أو “القضاء على الجمهورية الإسلامية”. وأشار ترامب إلى أنه يعتقد أن الولايات المتحدة ستتوصل إلى اتفاق مع إيران بعد الانتخابات النصفية، متجاهلاً الرهان الإيراني على تلك الانتخابات بقوله: “ليس من المنطقي بالنسبة لإيران ألا تجري صفقة. إنهم ينتظرون ليروا كيف سيكون أدائي في الانتخابات النصفية. ما لا يدركونه هو أنني لا أترشح… سأكون هنا لمدة عامين ونصف. لم ولن أولي أي اعتبار للانتخابات عندما يتعلق الأمر بإيران. الشيء الوحيد الذي يهمني هو أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً”.
أزمة هرمز
تأتي هذه المفاوضات في ظل اتهامات متبادلة بين واشنطن وطهران بخرق وقف إطلاق النار واستهداف السفن التجارية في مضيق هرمز. وعلى الرّغم من تأكيد ترامب أن القوات الأميركيّة تنجح في مواكبة وإخراج عشرات ناقلات النفط من المضيق كل ليلة، إلا أنه شدد على ضرورة ممارسة الضغط قائلاً: “يجب أن نكون متحدين في ممارسة الضغط على إيران. أدعو جميع الدول للانضمام إلينا في حملة الضغط.”
هنا يتقاطع حديث ترامب مع ما أفاد به مصدر اقليمي، الذي أكد أنه في حال نجاح الجانبين الأميركيّ والإيراني في العودة إلى طاولة التفاوض وإبرام اتفاق، فإن ذلك سينعكس بشكل إيجابي وكبير على سوق الطاقة العالمي الذي يعاني من ضغوطات هائلة جراء اضطراب حركة الملاحة.
خطورة الفشل
كان لافتاً ما دعا إليه العاهل الأردنيّ عبد الله الثاني أثناء لقائه ترامب إلى “أقصى درجات ضبط النفس في مواجهة التصعيد الإقليمي الحالي”، وأكّد أن الأردن سيواصل التنسيق عن كثب مع الولايات المتحدة سعياً لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
تُظهر قراءة المعطيات التي كشفها المصدر أن جولة نيويورك قد تشكل اختبار النوايا الأخير في الأزمة الإيرانية. فبين شروط الحرس الثوري الصارمة والضغوط الدولية الصينية والروسية على طهران، يقف المشهد أمام طريقين:
ـ إما التوصل إلى صفقة تُنهي الحرب وتُنعش أسواق الطاقة.
– أو الذهاب نحو سيناريو كارثي، إذ في حال فشل جولة المفاوضات الحالية، قد تكون المنطقة أمام مواجهة قاسية ومفتوحة، خصوصاً إذا استشعر ترامب أن الإيرانيين يريدون استخدام أسعار الطاقة للضغط والتأثير على نتائج الانتخابات النصفية وصورته كرئيس للولايات المتحدة.
