-
رواد بلّان… الجمهورية .نت
-
-
-
وراء كل اسم في قوائم المحتجزين والمفقودين والمُغيَّبين عائلة تنتظر معلومة عن مصير قريبها، وبعد أكثر من عام على اجتياح ومجازر تموز (يوليو) 2025 في السويداء، ما زالت عائلات كثيرة تتنقل بين الجهات الرسمية والجهات المحلية والوسطاء بحثاً عن معلومات دون جدوى.
تكشف القوائم التي اطلعت عليها الجمهورية.نت، وتبادلها ممثلون عن السلطة الانتقالية ولجنة تمثّل عائلات المفقودين من أبناء السويداء، أن الخلاف لا يقتصر على عدد الأشخاص، بل يمتد إلى توصيف الحالات والمعلومات المرفقة بها.
خلال جلسة واحدة استمرت قرابة أربع ساعات في 25 حزيران (يونيو)، حضرها من جانب السلطة محافظ السويداء مصطفى بكور، وقائد الأمن الداخلي العميد حسام الطحان، ونائبه العقيد أيهم المجاريش (وهو مسؤول الملف المباشر بحسب مصادر مطلعة)، تبادل الطرفان قائمتين: الأولى تضم 100 اسم من الطائفة الدرزية، جميعهم رجال، قالت لجنة السويداء إنهم مغيبون أو مفقودون؛ والثانية شاركها ممثلون عن السلطة الانتقالية تضم 194 اسماً من غير الدروز، بينهم 16 امرأة. وانتهت الجلسة دون إعلان آلية متابعة دائمة أو جدول زمني للتحقق من الأسماء.
يأتي ذلك بعد أكثر من عام على موجات العنف التي شهدتها السويداء في تموز (يوليو) 2025. وقد وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، في تقرير نشرته في 27 آذار(مارس) 2026، مقتل أكثر من 1700 شخص منهم 1351 من الدروز ونزوح قرابة 200 ألف آخرين منهم 180 ألف من الدروز. ولا يزال مصير عشرات الأشخاص من الطرفين غير محسوم. وبينما تضم قائمة لجنة السويداء 100 اسم بين مفقودين ومُغيَّبين قسراً، تشير مصادر ومنظمات محلية إلى أن العدد قد يصل إلى نحو 115 مفقوداً، وسط صعوبات في التوثيق والتحقُّق.
شاركت السلطات الانتقالية مع لجنة السويداء قائمة تقرّ فيها باحتجاز 17 شخصاً فقط من دروز المحافظة، وبمطابقة أولية بين الأسماء التي اعترفت السلطة باحتجازها وبين القائمة التي شاركتها لجنة السويداء مع السلطة الانتقالية، ورد اسما شخصين فقط من قائمة المفقودين الدروز ضمن الأسماء الـ17، أما البقية فقد تم توقيفهم على حواجز السلطة عقب قرار وقف إطلاق النار في آب (أغسطس) 2025، ودون أن تتضمّن القائمة التي أرسلتها السلطة أي تفاصيل عن مكان الاحتجاز أو الوضع القانوني للمحتجزين السبعة عشر.
بالمقابل، قالت مصادر مطلعة في السويداء، طلبت عدم الكشف عن هويتها لأسباب أمنية، إن 46 شخصاً محتجزين لدى السلطات الانتقالية تواصلوا مع عائلاتهم خلال الأشهر الماضية. ولم تتمكن الجمهورية.نت من التحقق بشكل مستقل من أسمائهم، أو ما إذا كانوا ضمن القائمة التي أعدتها لجنة السويداء.
أما السلطة المحلية في السويداء، فهي تقرّ باحتجاز عشرة أشخاص من عناصر قوات السلطة المركزية أُوقفوا في تموز (يوليو) 2025، إضافة إلى شخصين أوقفا لاحقاً في ظروف مختلفة.
خطوات لاحقة لم تُنفَّذ
بحسب لجنة السويداء، اتفق الطرفان خلال الجلسة على أن تُراجِع السلطة الانتقالية الأسماء الواردة في قائمة السويداء لدى وزارتي الدفاع والداخلية والجهات الأمنية المختصة، فيما تتولى جهات محلية في السويداء، بينها المكتب الأمني والحرس الوطني والأمن الداخلي، مراجعة القائمة التي قدمها ممثلو السلطة.
لكن اللجنة تقول إن ذلك لم يتحول إلى فريق عمل مشترك بصلاحيات معلنة أو جدول زمني، ولم يُعلَن عن اجتماع متابعة جديد منذ جلسة 25 حزيران (يونيو)، في حين تواصل الفجوة اتساعها مع غياب التواصل المباشر بين الطرفين. وقال أحد أعضاء لجنة السويداء للجمهورية.نت، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب خاصة، إن اللجنة حاولت خلال الأسابيع الماضية متابعة الملف مع نائب قائد الأمن الداخلي في الجنوب، العقيد أيهم المجاريش، الذي تم تزويدها برقم هاتفه باعتباره المسؤول المباشر عن الملف، لكن الرقم خارج الخدمة دون توفير قناة اتصال بديلة.
بالمقابل، قال مصدر مقرب من السلطة في دمشق إن التواصل تَعطَّلَ بسبب تحفظاتها على صلاحيات لجنة السويداء وعلى تمثيلها للملف، إذ تعتبرُ أن «لجنة السويداء لا تمتلك الصلاحيات الكافية، والسلطة المحلية ليست جادة في حل الملف».
وعندما سألنا عن صلاحيات لجنة التفاوض المشكَّلة في السويداء، أجاب عضو اللجنة، أنه قبل تشكيل اللجنة كانت ثقة أهالي المفقودين بالمسؤولين عن التفاوض تراجعت بعد واقعة وصفها بأنها «تهريب محتجزين من السويداء في حزيران (يونيو) الماضي»، واتهم الإدارة المحلية والحرس الوطني بسوء إدارة الملف، وأضاف أنه بناء على ذلك شُكلت لجنة أهلية بالتوافق مع السلطة المحلية، على أن تحصل لاحقاً على تفويض مكتوب وتتواصل مع جهات دولية ضامنة. وقال: «حتى الآن، لم نتلق تفويضاً أو وثيقة رسمية تحدد صفتنا وصلاحياتنا من جانب أصحاب السلطة المحلية في السويداء». وأوضحَ أن الأمر اقتصرَ على إجراء اتصال عن طريق الهلال الأحمر، تم فيه إبلاغ السلطة المركزية بتشكيل لجنة السويداء، وعليه تم عقد تلك الجلسة الوحيدة.
وبحسب المصدر نفسه، لم تتسلم اللجنة من الجهات المحلية في السويداء سوى أسماء غير مكتملة للمفقودين من الدروز وصوراً شخصية لبعضهم، دون بيانات عن أماكن مُحتمَلة لوجودهم أو وثائق تثبت وضعهم القانوني سواء كانوا في سجون السلطة أو مختطفين لدى جهات أخرى: «وعدونا بتزويدنا بكل التوثيقات الموجودة، ولم نحصل سوى على أسماء ليست كاملة دون أي وثائق على أماكن وجودهم، إضافة لبعض الصور الشخصية للمفقودين؛ ومن هنا فهمنا أن لا صلاحيات لنا سوى الذهاب للتفاوض والعودة بخُفّي حُنين».
قائمتان، ومصائر غير محسومة
لم تتضمن القائمتان المتبادلتان تصنيفاً موحداً للحالات، أو تفاصيل كافية عن تاريخ الفقد أو التوقيف ومكانه، ولا عن الجهة التي يشتبه في احتجازها للشخص المعني. كما لم تُوضِحا، في غالبية الحالات، ما إذا كان الاسم يعود إلى مدني أو عنصر مسلح، أو ما إذا كان الشخص مُحتجَزاً أو مفقوداً أو مُغيَّباً قسراً. ويُصعِّبُ هذا النقص في البيانات إجراء مطابقة مستقلة بين القوائم، أو تحديد ما إذا كان الفارق في الأرقام يعكس اختلافاً في تعريف الحالات، أم أسماء جديدة لم تظهر لدى الطرف الآخر، أم نقصاً في التوثيق.
وقال عضو في لجنة السويداء للجمهورية.نت إن السلطة الانتقالية لم تزوّد اللجنة «بأي معلومة عن المغيبين وتصنيفهم» الواردة أسمائهم في قائمة السلطة، لافتاً إلى قيامهم بزيارة أسرى السلطة في السويداء، واطلعوا خلالها على أسمائهم ووضعهم، وكان عددهم 12 شخص فقط.
ولا تقتصر فجوات المعلومات على الأحياء من المحتجزين أو المُغيَّبين، فبحسب مصدر في الطب الشرعي في السويداء ما تزال هوية نحو 65 جثماناً غير محددة في مدفن جماعي داخل المحافظة. كما عُثر في تموز (يوليو) الماضي على 12 جثماناً متحللاً في قريتين بريف السويداء الشمالي الخاضع لسيطرة قوات السلطة المركزية، وذلك وفق مصادر قالت إن الجثامين سُلّمت إلى جهات محلية ودُفنت في مقبرة الشهداء في بلدة الرحى جنوبي مدينة السويداء.
وقد يفتح التعرُّفُ إلى الهوية عبر فحوص الحمض النووي مساراً موازياً لمعرفة مصير بعض المفقودين، لكن عضواً في لجنة السويداء قال إن السلطة الانتقالية أبلغتهم بعدم توافر الإمكانات التقنية اللازمة لبدء هذا المسار.
لم يعلن الطرفان، حتى وقت إعداد هذا التقرير، عن آلية مشتركة ودائمة تضم جهة محايدة لمطابقة القوائم والتحقق من مصير المفقودين. وكان الصليب الأحمر قد سهّلَ في 26 شباط (فبراير) 2026 إطلاق سراح ونقل 86 محتجزاً بين دمشق والسويداء، وقال إن العملية قد تفتح الباب أمام حوار بشأن مصير الأشخاص المفقودين في الجنوب السوري منذ تموز (يوليو) 2025.
وأوضح عضو لجنة السويداء أنه «كان هناك اتفاق بوجود جهة محايدة مثل الصليب الأحمر أو إحدى الدول الضامنة، لكن الجهتين، السلطة الانتقالية والإدارة في السويداء، لم يتعاونوا، ما أعاقَ تَحوُّلَ هذه الوعود إلى خطوات تنفيذية».
يوضح تَعثُّر متابعة القوائم الفجوةَ بين التعهدات السياسية وآليات التنفيذ. فقد أعلنت سوريا والأردن والولايات المتحدة، في أيلول (سبتمبر) 2025، خارطة طريق لحل أزمة السويداء تضمنت دعم جهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر لإطلاق المحتجزين والمختطفين وتسريع عمليات التبادل، إلى جانب تعداد المفقودين وتحديد أماكنهم. لكن عدم وجود فريق تَحقُّق مشترك، وتضارب الأرقام، وغياب التفويض الواضح للجهة المحلية التي تفاوض باسم العائلات، يجعل القوائم عرضة لأن تصبح أداة تفاوضية متبادلة لا وسيلة عملية للوصول إلى الحقيقة.
مع ذلك، لا يحتاج حل الملف بالضرورة إلى تسوية الخلافات السياسية كلها قبل البدء؛ يمكن للقائمتين المتبادلتين أن تكونا نقطة انطلاق لآلية تَحقُّق بمشاركة طرف محايد، تبدأ بمطابقة الأسماء والمعلومات، وتوحيد البيانات الأساسية لكل حالة: الاسم الكامل، تاريخ ومكان الفقد أو التوقيف، التصنيف القانوني، والجهة التي تملك آخر معلومة مؤكدة عنه، ثم إعطاء الأولوية للحالات التي يمكن التحقق من أماكن وجود أصحابها والإفراج عمّن يمكن الإفراج عنه.
مثل هذا المسار يحتاج إلى صلاحيات محددة، وجدول زمني مُعلَن، وقناة اتصال لا تتأثر بتبدُّل المواقف السياسية. كما أن إشراك جهات محايدة وفاعلة، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ولجنة التحقيق الدولية المستقلة، قد يوفر قدراً من الثقة المطلوبة لمواصلة التحقق.
في النهاية، لا تكمنُ قيمة القوائم في عدد الأسماء التي تحتويها، بل في قدرتها على تحويل الاسم إلى مصير معروف. فبالنسبة للعائلات، لا تمثل المفاوضات تقدماً بحد ذاتها، ولا يكفي أن تتبادل الأطراف قوائم متباينة. التقدُّم يبدأ عندما يصبح لكل اسم جواب: أين هو؟ ومن يملك المعلومات عنه؟ وما الذي يمكن فعله لمعرفة مصيره؟ عندها فقط تتحول القوائم من وثائق في ملف تفاوضي عالق إلى خطوة فعلية نحو إغلاق جرح مفتوح.
-