لم تكن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني لدمشق، ولا اللقاء الذي جمع الرئيس السوريّ أحمد الشرع بقائد “قوّات سوريا الديمقراطيّة” (قسد) مظلوم عبدي بعد أيّام منها، حدثين منفصلين. شكّل اللقاءان مرحلتين متتاليتين في مسار واحد، هدفه استكمال تنفيذ اتّفاق العاشر من آذار (إنهاء حالة الانقسام ودمج جميع المؤسّسات التابعة للإدارة الذاتيّة في شمال شرقيّ سوريا ضمن أجهزة الدولة)، الذي يفتح الباب أمام أكبر إعادة تنظيم للعلاقة بين الدولة السوريّة والمكوّن الكرديّ منذ عام 2011.
بدا خلال الأشهر الماضية أنّ الاتّفاق المذكور يسير ببطء، لكنّ المعطيات تشير إلى أنّ المفاوضات تجاوزت مرحلة البحث في مبدأ الاتّفاق، وانتقلت إلى مناقشة تفاصيل التنفيذ، في مؤشّر إلى أنّ الملفّ الكرديّ دخل مرحلته الأكثر حساسيّة.
لماذا دخل بارزاني على الخطّ؟
جاءت زيارة بارزاني في توقيت حسّاس، بعدما بدأت دمشق إعادة ترتيب أكثر ملفّاتها الداخليّة تعقيداً، وهو ملفّ شمال شرقيّ سوريا. بحسب معلومات “أساس”، لم يكن دور رئيس إقليم كردستان مقتصراً على تسهيل التواصل مع “قسد”، بل شمل المساهمة في بناء علاقة سياسيّة أوسع بين دمشق وإربيل، بما يسمح بتوفير مظلّة إقليميّة تساعد على تنفيذ الاتّفاق.
لم تبدأ هذه العلاقة مع الزيارة الأخيرة، إذ سبقها عدد من اللقاءات بين بارزاني والرئيس أحمد الشرع، والتقى المسؤول الكرديّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما وصل إلى دمشق قبل الزيارة وفد رفيع من إقليم كردستان بعيداً من الإعلام، لوضع الأسس السياسيّة والإداريّة التي مهّدت للمسار الحاليّ.
تقول مصادر “أساس” إنّ دمشق تنظر إلى إربيل شريكاً في إنجاح هذا المسار، لا وسيطاً فقط، وهو ما عكسه الاستقبال الرسميّ لبارزاني، الذي وصف الشرع بـ”الأخ العزيز”، إلى جانب رفع علم إقليم كردستان خلال مراسم الاستقبال. وشملت المباحثات ملفّات اقتصاديّة وإنسانيّة، أبرزها مستقبل معبر سيمالكا، التجارة، وملفّ اللاجئين السوريّين في الإقليم.
من الاتّفاق إلى التّنفيذ
بعد أيّام قليلة من مغادرة بارزاني، استقبل الشرع قائد “قسد” مظلوم عبدي، برفقة إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجيّة في الإدارة الذاتيّة، في اجتماع حضره الشيباني ومحافظ دير الزور زياد العايش.
بحسب معلومات “أساس”، لم يكن الهدف إعادة التفاوض على الاتّفاق، بل مراجعة ما أُنجز منه واستكمال التفاصيل التنفيذيّة الباقية. وعكست مشاركة إلهام أحمد دخول الجناحين السياسيّ والعسكريّ للإدارة الذاتيّة في المرحلة النهائيّة من التفاهمات، بعدما تجاوز النقاش الترتيبات الأمنيّة ليشمل شكل العلاقة السياسيّة والإداريّة المقبلة بين دمشق والإدارة الذاتيّة.
تكشف معلومات “أساس” أنّ التركيز ينصبّ على آليّة التنفيذ أكثر من مبدأ الاتّفاق، في ظلّ توافق بين الجانبين على تسريع الخطوات العمليّة. وتشير المعطيات إلى أنّ التنفيذ حقّق تقدّماً كبيراً، من أبرز مؤشّراته:
– إنجاز ما يزيد على 70 في المئة من الدمج.
– انتقال إدارة قطاع النفط والثروات الطبيعيّة إلى الحكومة السوريّة.
– انتقال عدد من القيادات العسكريّة التابعة لـ”قسد” إلى مواقع داخل وزارة الدفاع.
– استكمال تأهيل أربعة ألوية تمهيداً لدمجها في الجيش السوريّ.
أين تكمن العِقد الأخيرة؟
على الرغم من هذا التقدّم، لا تزال عدّة ملفّات تؤخّر الانتقال إلى المرحلة النهائيّة، أبرزها:
– شكل الدولة: تتمسّك دمشق بدولة مركزيّة موحّدة، فيما يطالب الجانب الكرديّ بإدارة محليّة ذات صلاحيّات أوسع ضمن الدولة السوريّة.
– مصير “قسد”: تصرّ الحكومة على وجود جيش وطنيّ واحد، بينما يتمسّك الجانب الكرديّ بمفهوم “الدمج” أكثر من مصطلح “الحلّ”.
– الإدارة الذاتيّة: تدفع دمشق نحو نقل صلاحيّاتها إلى مؤسّسات الدولة، فيما يطالب الجانب الكرديّ بإعادة هيكلتها ودمجها لا إلغائها.
– عودة المهجّرين: لا يزال ملفّ عودة أهالي رأس العين وتل أبيض من أبرز العِقد، مع مطالبة “قسد” بتوفير الضمانات الأمنيّة قبل استكمال المرحلة الأخيرة.
– التعيينات الإداريّة: تُبحث آليّة إشراك كوادر الإدارة الذاتيّة في مؤسّسات الدولة، إلى جانب التعيينات الجديدة في المناطق الكرديّة.
– الأسايش: تستمرّ المباحثات في آليّة دمج قوّات الأمن الداخليّ التابعة للإدارة الذاتية ضمن المؤسّسات الأمنيّة السوريّة.
– وحدات حماية المرأة: تتّجه التفاهمات إلى ضمّ عدد من عناصرها إلى قوّة متخصّصة بمكافحة الإرهاب تتبع لوزارة الداخليّة، في إطار إعادة هيكلة المنظومة الأمنيّة.
– ضحايا “قسد”: يبحث الطرفان اعتمادهم شهداء للدولة السوريّة وإدراجهم في السجلّات الرسميّة، وهو بند يحمل بعداً سياسيّاً ورمزيّاً يتجاوز الجانب الإداريّ.
على الرغم من التقدّم الذي تحقّق، تؤكّد معلومات “أساس”، المستندة إلى اتّصالات مع أطراف داخل “قسد”، أنّ بعض الأصوات داخل قوّات “قسد” لا تزال تبدي تحفّظات على سرعة التنفيذ أو بعض تفاصيله. إلّا أنّ هذه التحفّظات لم تغيّر الاتّجاه العامّ للمفاوضات، بل يجري التعامل معها ضمن الاجتماعات المستمرّة للوصول إلى توافق نهائيّ قبل الإعلان الرسميّ.
بحسب المعلومات، لا تعتزم دمشق إعلان إنهاء الصيغة الحاليّة لـ”قسد” بنفسها، بل تفضّل أن يصدر الإعلان عن قيادة “قسد”، في خطوة تهدف إلى تجنّب أيّ حساسيّات داخل الشارع الكرديّ، وإظهار القرار على أنّه جاء نتيجة تفاهم بين الطرفين، لا نتيجة فرض من الدولة. ترى دمشق أنّ هذه المقاربة تحفظ ماء وجه جميع الأطراف، وتمنح الاتّفاق فرصة أكبر للنجاح، وتسهّل الانتقال إلى المرحلة الجديدة بأقلّ قدر من التوتّر.
دور توم باراك؟
لا ينفصل هذا المسار عن التوازنات الإقليميّة، إذ تتقاطع حوله مصالح عدّة أطراف. فدمشق تسعى إلى استعادة سيادتها على شمال شرقي البلاد وتوحيد مؤسّسات الدولة، فيما ترى تركيا في نجاح الاتّفاق فرصة لإنهاء البنية العسكريّة المرتبطة بحزب العمّال الكردستانيّ على حدودها الجنوبيّة.
أمّا الولايات المتّحدة فتدفع نحو انتقال منظّم يمنع أيّ فراغ أمنيّ ويحافظ على الاستقرار في شرق الفرات. وتؤكّد مصادر “أساس” أنّ المبعوث الأميركيّ توم بارّاك كان من أبرز المشاركين في مواكبة الاتّصالات التي دفعت هذا المسار نحو مرحلة التنفيذ. في المقابل، تنظر إربيل إلى نجاح الاتّفاق بوصفه فرصة لاستعادة دورها لاعباً رئيساً في الملفّ الكرديّ السوريّ بعد سنوات من تراجع حضورها.
بين زيارة بارزاني، ولقاء عبدي، واتّفاق العاشر من آذار، تبدو دمشق أقرب إلى إقفال أحد أكثر ملفّاتها تعقيداً أكثر من أيّ وقت مضى. لكنّ نجاح هذا المسار لن يقاس بالإعلان المنتظر وحده، بل بقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسيّة إلى واقع عمليّ يفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الدولة السوريّة والمكوّن الكرديّ.
