- ماهين شيخاني – سوريا.
القضية الكوردية بين تحوّل المصالح وتغيّر الحسابات
في التاريخ السياسي للشعب الكوردي، ثمة محطات لا تنتهي آثارها بانتهاء أحداثها؛ تبقى حاضرة في الذاكرة، وتعود كلما وجد الكورد أنفسهم أمام معادلة مألوفة: تحالف تفرضه المصالح، وتضحيات يقدمونها على الأرض، ثم تحوّل في حسابات القوى الكبرى يضع مستقبلهم أمام أسئلة صعبة.
كان عام 1975 إحدى أكثر هذه المحطات إيلاماً، حين انهارت ثورة أيلول في كوردستان العراق عقب اتفاق الجزائر بين العراق وإيران، وتوقفت المساعدات التي كانت تصل إلى الحركة الكوردية عبر الشاه. وبعد نحو نصف قرن، عاد السؤال إلى الواجهة مع التحولات التي شهدتها سوريا، وتغيّر الموقف الأميركي من قوات سوريا الديمقراطية، وتصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم براك، في كانون الثاني/يناير 2026، بأن دور قسد بوصفها القوة الميدانية الرئيسية في محاربة تنظيم داعش «انتهى إلى حد كبير».
لا تعني المقارنة أن التاريخ يعيد نفسه حرفياً؛ فلكل مرحلة ظروفها وأطرافها وموازينها. لكنها تطرح سؤالاً يستحق التأمل: إلى أي حد يستطيع الشعب الكوردي الاعتماد على تحالفات دولية تتحدد استمراريتها وفقاً للمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى؟
أولاً: كيسنجر عام 1975 — حين توقّف الدعم وانكشف حدوده
في مطلع السبعينيات، دخلت القضية الكوردية في حسابات الحرب الباردة. بدأت الولايات المتحدة، بناءً على طلب الشاه الإيراني، بتقديم دعم سري للحركة الكوردية في العراق، في سياق الصراع مع نظام بغداد وعلاقاته بالاتحاد السوفييتي. ولم يكن هذا الدعم التزاماً أميركياً مستقلاً بضمان الحقوق القومية للكورد، بل جزءاً من ترتيبات إقليمية ودولية كان لإيران فيها دور محوري.
وفي السادس من آذار/مارس 1975، وقّع العراق وإيران اتفاق الجزائر، الذي عالج خلافات حدودية بين البلدين، ولا سيما ما يتعلق بشط العرب، مقابل تنازلات إيرانية في ملفات التفاوض. وكان من أبرز نتائجه أن أوقف الشاه المساعدات المالية والعسكرية التي كانت تصل إلى الكورد في العراق.
وتكشف وثيقة أميركية رسمية مؤرخة في الرابع من حزيران/يونيو 1975 أن وكالة الاستخبارات المركزية أنهت برنامج المساعدة للكورد، بعدما أوقف الشاه الدعم عقب اتفاق الجزائر، وأن المقاومة الكوردية انهارت نتيجة ذلك، فيما اضطر قادتها إلى اللجوء إلى إيران.
وهكذا وجدت الحركة الكوردية نفسها أمام نتائج اتفاق لم تكن طرفاً فيه، ولم تكن تملك القدرة على منع انعقاده أو ضمان ألا تكون مصالحها أول ما يُضحّى به عند إبرامه.
وفي سياق هذه التجربة، اشتهرت العبارة المنسوبة إلى هنري كيسنجر: «العمل السري لا ينبغي الخلط بينه وبين العمل التبشيري». وقد وردت في روايات سياسية لاحقة عن قضية الدعم الكوردي، ونُقلت عن مسؤول أميركي رفيع في سياق التحقيقات المتعلقة بها. لكن الأهم من العبارة نفسها هو ما تكشفه الوثائق: لم يكن الدعم الأميركي مصحوباً بضمان مستقل لاستمراره إذا تغيّرت حسابات الحليف الإقليمي الذي تمر المساعدة عبره.
لم يكن الدرس أن الكورد أخطأوا لمجرد أنهم تعاملوا مع قوة دولية؛ فالحركات القومية، شأنها شأن الدول، تحتاج إلى بناء علاقات خارجية والاستفادة من تقاطع المصالح. إنما كانت المأساة في اختلال ميزان العلاقة: طرفٌ يملك قرار وقف الدعم، وطرفٌ يدفع الثمن العسكري والإنساني حين يتوقف ذلك الدعم.
ومن هنا اكتسبت تجربة عام 1975 مكانتها في الذاكرة السياسية الكوردية؛ لا بوصفها دليلاً على استحالة التحالف مع الخارج، بل بوصفها تحذيراً من تحويل التحالف إلى ضمانة وحيدة للمستقبل.
ثانياً: توم براك — من الشراكة في الحرب على داعش إلى أولوية الاندماج
في عام 2014، ومع تمدد تنظيم داعش في سوريا والعراق، برزت قوات سوريا الديمقراطية، التي تشكّل المقاتلون الكورد عمودها الفقري، شريكاً ميدانياً رئيسياً للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في الحرب على التنظيم. وقدّمت القوات تضحيات بشرية كبيرة خلال سنوات القتال، وأسهمت في إنهاء سيطرة داعش الإقليمية في مناطق واسعة من سوريا.
وبحسب حصيلة أعلنتها قوات سوريا الديمقراطية في آذار/مارس 2019، قُتل أكثر من 11 ألفاً من مقاتليها خلال الحرب على التنظيم، وأصيب أكثر من 21 ألفاً.
لم تكن هذه التضحيات مجرد أرقام في سجل عسكري؛ فقد ارتبطت بحماية مدن وبلدات، وبمواجهة تنظيم ارتكب جرائم واسعة بحق سكان المنطقة ومكوّناتها المختلفة. وفي المقابل، وفّرت الولايات المتحدة دعماً عسكرياً واستخبارياً ولوجستياً لقسد، في إطار هدف محدد هو هزيمة داعش ومنع عودته.
لكن طبيعة الشراكة ظلت مرتبطة بهذا الهدف. فلم تتحول تلقائياً إلى التزام أميركي دائم بضمان مستقبل سياسي مستقل للكورد، أو بتثبيت نموذج الحكم الذي نشأ في مناطق الإدارة الذاتية، أو بحماية جميع مكتسبات قسد بعد انتهاء المرحلة الأساسية من الحرب على التنظيم.
ومع سقوط نظام بشار الأسد وصعود سلطة جديدة في دمشق، بدأت أولويات واشنطن تتغير. وفي 20 كانون الثاني/يناير 2026، أعلن توم براك أن الدور السابق لقوات سوريا الديمقراطية بوصفها القوة الميدانية الرئيسية في محاربة داعش «انتهى إلى حد كبير»، مشيراً إلى أن الحكومة السورية باتت مستعدة لتولي مسؤوليات أمنية كانت تضطلع بها قسد. كما تحدث عن فرصة أمام الكورد للاندماج في الدولة السورية الجديدة.
يعكس هذا التصريح تحوّلاً واضحاً في المقاربة الأميركية: فبدلاً من استمرار الاعتماد على قسد بوصفها الشريك الميداني الرئيسي، باتت واشنطن تميل إلى دعم انتقال المسؤوليات الأمنية إلى مؤسسات الدولة السورية، مع الدفع باتجاه دمج القوات والهياكل القائمة في مؤسسات الدولة.
غير أن هذا التحول يفتح أسئلة تتجاوز الترتيبات العسكرية: ماذا سيحدث للحقوق القومية والسياسية للكورد؟ وما الضمانات التي تحول دون أن يؤدي الاندماج إلى تهميش خصوصيتهم أو تقليص مشاركتهم في إدارة مناطقهم؟ وهل سيُعامل الكورد بوصفهم شريكاً في بناء الدولة، أم سيُطلب منهم الاندماج في مؤسسات لا يملكون ضمانات كافية للتأثير في قراراتها؟
هذه أسئلة لا تجيب عنها التصريحات الدبلوماسية وحدها، بل تتوقف إجاباتها على شكل التسوية السورية، ومضمون الاتفاقات، وآليات تنفيذها، والضمانات القانونية والسياسية التي ستُعتمد.
ثالثاً: بين التجربتين — ما الذي يتكرر، وما الذي يختلف؟
وجه المقارنة 1975 (كوردستان العراق) 2026 (كوردستان سوريا)
طبيعة التحالف دعم سري في سياق الحرب الباردة شراكة ميدانية في الحرب على داعش
الوسيط إيران (الشاه) التحالف الدولي بقيادة واشنطن
سبب الوقف اتفاق الجزائر وتغيّر حسابات الشاه تغيّر الأولويات بعد سقوط النظام السوري
النتيجة المباشرة انهيار ثورة أيلول انتقال من الشراكة العسكرية إلى دفع باتجاه الاندماج
الضمانات غائبة غير محسومة بعد
المقارنة لا ينبغي أن تقوم على القول إن المشهدين متطابقان؛ فثمة اختلافات جوهرية في السياقين. لكن يمكن استخلاص ثلاثة أوجه تشابه تستحق الانتباه.
أولاً: المصالح الاستراتيجية هي التي تحدد طبيعة التحالف واستمراره.
في السبعينيات، تقاطعت مصلحة واشنطن في إضعاف بغداد مع حسابات الشاه. وفي سوريا، ارتبط التعاون الأميركي مع قسد أساساً بمحاربة داعش. وفي الحالتين، لم يكن الدعم بحد ذاته ضمانةً دائمة لتحقيق الأهداف القومية الكوردية. هذا لا يعني أن كل تحالف ينتهي بالخيانة، بل يعني أن استمراره يظل مرهوناً بتقدير أطرافه لمصالحها، ما لم تسنده ترتيبات واضحة وضمانات قابلة للتنفيذ.
ثانياً: التحالف العسكري لا يساوي بالضرورة اعترافاً بالحقوق السياسية.
قد يحتاج طرف دولي إلى قوة محلية لتحقيق هدف عسكري، لكنه لا يلتزم بالضرورة بتلبية مطالبها السياسية بعد انتهاء المهمة. ولهذا ينبغي التمييز بين الاعتراف بالدور العسكري، والشراكة السياسية، والضمانات القانونية للحقوق القومية. فالتضحيات تمنح حجة أخلاقية وسياسية قوية، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى ضمانات دستورية ما لم تُترجم إلى اتفاقات ومؤسسات.
ثالثاً: القرارات التي تُتخذ من دون مشاركة كوردية فاعلة قد تترك آثاراً طويلة الأمد.
كشفت تجربة 1975 هشاشة وضع حركةٍ تعتمد على دعم خارجي يستطيع حليفها الإقليمي إيقافه. وفي الحالة السورية، يظل مستقبل الكورد مرتبطاً بقدرتهم على المشاركة الفاعلة في صياغة الترتيبات السياسية والأمنية، لا الاكتفاء بانتظار ما تقرره العواصم الأخرى.
رابعاً: المرسوم رقم 13 — خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق
في 16 كانون الثاني/يناير 2026، صدر المرسوم الرئاسي السوري رقم 13، الذي أكد أن المواطنين الكورد جزء أصيل من الشعب السوري، واعترف باللغة الكوردية لغةً وطنية، وأجاز تدريسها في المدارس وفق أحكام المرسوم، وألغى الإجراءات الاستثنائية الناتجة عن إحصاء الحسكة لعام 1962، ونصّ على منح الجنسية للمواطنين من أصول كوردية المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد، كما أعلن نوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر.
لا يجوز التقليل من أهمية هذه الخطوات، ولا سيما ما يتصل بمعالجة آثار الحرمان من الجنسية والاعتراف باللغة والهوية الثقافية. فهي تمثل تحولاً قانونياً له دلالته في تاريخ العلاقة بين الدولة السورية والكورد.
لكن المرسوم، مهما كانت أهميته، لا يحسم وحده مستقبل الحقوق القومية والسياسية. فالحقوق المستدامة تحتاج إلى إطار دستوري واضح، وقوانين تنفيذية، ومؤسسات مستقلة، وآليات للمساءلة، وضمانات تحميها من التراجع عند تغير الظروف.
كما أن الاعتراف باللغة الكوردية لغةً وطنية لا يساوي تلقائياً اعتمادها لغةً رسمية في مؤسسات الدولة، ولا يحسم مسائل المشاركة السياسية أو شكل الإدارة المحلية أو توزيع الصلاحيات. وهذه قضايا ينبغي أن تُناقش ضمن التسوية الدستورية الشاملة.
ومن هنا، فإن الموقف المسؤول لا يقوم على رفض المرسوم لأنه لا يحقق كل المطالب، ولا على اعتباره نهايةً للقضية؛ بل على التعامل معه كخطوة ينبغي البناء عليها، مع مواصلة العمل من أجل ضمانات أوسع وأكثر استقراراً.
خامساً: الاندماج أم الذوبان؟ المسألة في الضمانات
إن الدعوة إلى اندماج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية في الدولة السورية تطرح مسألة تتجاوز المصطلحات. فالاندماج في الدولة ليس بالضرورة تنازلاً عن الهوية القومية، كما أن الاحتفاظ بهياكل منفصلة لا يضمن وحده حماية الحقوق.
المعيار الحقيقي هو طبيعة الاتفاق الذي ينظم هذا الاندماج: هل يضمن مشاركة الكورد في مؤسسات الدولة؟ هل يحفظ حقوقهم الثقافية واللغوية؟ هل يحدد صلاحيات الإدارة المحلية بوضوح؟ هل يتيح تمثيلاً عادلاً في المؤسسات العسكرية والأمنية؟ وهل توجد آليات مستقلة لمعالجة الخلافات ومراقبة التنفيذ؟
إذا جرى الاندماج وفق اتفاق واضح يضمن المساواة والمشاركة والحقوق، فقد يكون مدخلاً إلى تسوية أكثر استقراراً. أما إذا اقتصر على حلّ المؤسسات القائمة ودمج الأفراد في هياكل مركزية من دون ضمانات كافية، فقد تتحول العملية إلى إعادة إنتاج للتهميش، حتى لو رافقها خطاب عن الوحدة الوطنية.
لهذا، لا يكفي أن يقال للكورد إن أمامهم «فرصة» للاندماج، كما لا يكفي أن يرفضوا كل صيغة خشية فقدان المكتسبات. المطلوب تفاوض سياسي جاد يحدد الحقوق والواجبات والصلاحيات، ويمنع أن تصبح المسائل الأساسية رهينةً لتفسيرات متباينة أو وعود غير ملزمة.
سادساً: وحدة الصف الكوردي — ضرورة لا تعني إلغاء الاختلاف
تُظهر التجارب أن الانقسام الداخلي قد يضعف قدرة الحركات القومية على التفاوض، ويجعلها أكثر عرضةً لضغوط القوى الإقليمية والدولية. وقد عانت الحركة الكوردية في محطات مختلفة من خلافات سياسية وتنظيمية أثّرت في قدرتها على بناء موقف موحد.
لكن من الخطأ تفسير كل انتكاسة كوردية بالانقسام وحده؛ فقرارات الدول الكبرى، وموازين القوة، والصراعات الإقليمية، والظروف العسكرية، عوامل تؤثر في مسار الأحداث. وكان اتفاق الجزائر وقرار الشاه وقف المساعدة عاملين مباشرين في انهيار ثورة أيلول عام 1975، وفق الوثائق الأميركية.
مع ذلك، تبقى وحدة الصف عاملاً مهماً في تعزيز القدرة على التفاوض، شرط ألا تتحول إلى شعار يخفي الخلافات أو يفرض الصمت على النقد. فالوحدة القومية لا تعني التطابق الحزبي، بل تعني الاتفاق على القضايا الأساسية، وإدارة الخلافات بوسائل سياسية مسؤولة. وهذا يقتضي عملياً: صياغة عقد سياسي كوردي سوري يحدد الحد الأدنى من المطالب المشتركة، وإنشاء آلية تفاوض مشتركة تحدد من يمثل الكورد وكيف يُحاسَب، وإفساح المجال لمشاركة الشباب والنساء والمثقفين والفعاليات المدنية، لا الاكتفاء باجتماع القيادات.
فالقوة التفاوضية لا تُقاس بعدد الشعارات المرفوعة، بل بقدرة المجتمع على إنتاج موقف واضح، ومؤسسات تمثيلية، ورؤية قابلة للدفاع عنها أمام الأطراف الداخلية والخارجية.
سابعاً: ماذا ينبغي أن يتعلم الكورد من التجربتين؟
لا يمكن مطالبة الشعب الكوردي بالاستغناء عن العلاقات الدولية؛ فالعالم السياسي يقوم على المصالح، والتواصل مع القوى المؤثرة جزء من العمل السياسي الواقعي. لكن ما يمكن استخلاصه هو ألا تتحول العلاقة الخارجية إلى بديل عن بناء القوة الذاتية. ويقتضي ذلك أربعة مسارات مترابطة:
أولاً: بناء موقف كوردي مشترك. ليس المطلوب إلغاء التعدد الحزبي، بل صياغة حد أدنى من المطالب القومية والسياسية، والتفاوض على أساسه، مع آليات واضحة لتحديد من يمثل هذه المطالب وكيف يُحاسَب.
ثانياً: تحويل الحقوق إلى ضمانات قانونية. ينبغي أن تكون الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية جزءاً من الإطار الدستوري، وأن تترافق مع قوانين تنفيذية ومؤسسات قادرة على حمايتها، لا أن تبقى معلقةً على تفاهمات سياسية قابلة للتبدل.
ثالثاً: تنويع العلاقات الخارجية دون الارتهان لأي طرف. لا يعني ذلك التنقل العشوائي بين العواصم أو استبدال حليف بآخر، بل إقامة علاقات تقوم على المصالح المتبادلة، والوضوح في الأهداف، وتجنب رهن القرار القومي بجهة واحدة.
رابعاً: ربط أي اتفاق بنتائج قابلة للقياس. ينبغي ألا تُقيّم الاتفاقات من خلال التصريحات الإيجابية وحدها، بل وفق ما تحققه من أمن وحقوق ومشاركة سياسية، ومدى الالتزام بتنفيذ بنودها، ووجود آليات لمعالجة الخروقات.
هذه المسارات لا تضمن منع كل انتكاسة، ولا تلغي اختلال موازين القوة، لكنها تقلل من هشاشة الموقف الكوردي، وتمنحه أدوات أفضل للتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية.
خاتمة: من ذاكرة الخذلان إلى سياسة المصالح المتوازنة
تختلف ظروف العراق عام 1975 عن ظروف سوريا عام 2026، لكن التجربتين تتركان سؤالاً مشتركاً: ماذا يبقى من التحالف حين تتغير المصالح التي أقامته؟
في الحالة الأولى، انتهى الدعم الذي كان يصل إلى الحركة الكوردية عبر إيران بعد اتفاق الجزائر، فانهارت الثورة ووجد الكورد أنفسهم أمام نتائج قرار لم يشاركوا في صنعه. وفي الحالة السورية، تكشف تصريحات توم براك عن تحول في الأولويات الأميركية، مع انتقال التركيز من الشراكة العسكرية مع قسد إلى دعم تولي الدولة السورية مسؤوليات أمنية كانت تضطلع بها القوات.
لا تثبت الحالتان أن كل تحالف دولي سينتهي بالضرورة إلى التخلي عن الشريك، ولا أن التعاون مع القوى الكبرى خطأ في ذاته. لكنهما تذكران بأن المصالح الدولية ليست ثابتة، وأن التضحيات التي يقدمها شعب أو قوة محلية لا تتحول تلقائياً إلى ضمانات سياسية دائمة.
إن المطلوب ليس أن يتوقف الكورد عن البحث عن الحلفاء، بل أن يتوقفوا عن اعتبار التحالف ضمانةً نهائية لمستقبلهم. فالحليف قد يساعد في مرحلة، وقد تتغير أولوياته في مرحلة أخرى؛ أما الحقوق التي تُبنى على مؤسسات دستورية واضحة، وموقف سياسي مشترك، وقدرة تفاوضية ذاتية، فتكون أكثر قابليةً للصمود أمام التحولات.
ولا ينبغي أن تتحول ذاكرة عام 1975 إلى قدرٍ يحكم المستقبل، كما لا يجوز أن تُنسى دروسها عند كل تحالف جديد. فالتاريخ لا يقدم وصفةً جاهزة، لكنه يكشف كلفة الاعتماد على ترتيبات لا يملك الكورد ضمان استمرارها.
فالمطلوب ليس البحث عن حليفٍ لا تحكمه المصالح، فهذا ليس واقع العلاقات الدولية؛ بل بناء قضيةٍ لا تصبح حقوق شعبها رهينةً لمصالح الحلفاء وحدها.
ذلك هو الفارق بين انتظار من يحمي المستقبل، والعمل على امتلاك الأدوات السياسية والمؤسساتية التي تجعل الحقوق قابلةً للحماية والتفاوض. ومن هنا تبدأ الخطوة الأهم: أن تكون العلاقات الخارجية سنداً للموقف الكوردي، لا بديلاً عن إرادته، وأن يكون أي تحالف وسيلةً لتحقيق الحقوق، لا ضمانةً وحيدة لمصير شعب.
المصادر
وثيقة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، 4 حزيران/يونيو 1975 (إنهاء برنامج المساعدة للكورد).
عادل الجبوري، «الخذلان الأميركي للأصدقاء قبل الأعداء»، جريدة الصباح، 28 كانون الثاني/يناير 2026.
تصريح توم براك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، 20 كانون الثاني/يناير 2026.
إعلان قوات سوريا الديمقراطية عن حصيلة ضحاياها في الحرب على داعش، آذار/مارس 2019.
المرسوم الرئاسي السوري رقم 13 لعام 2026.
تقارير وكالة الأنباء السورية (سانا) حول تصريحات براك، كانون الثاني/يناير 2026.
Shan Mohammed, “Kissinger’s Curse Codified: The 2026 Doctrine of Transactional Abandonment”, January 31, 2026.
Bernama-SANA, “US Envoy Barrack Hails Syria–SDF Agreement As Step Toward Unity And Lasting Stability”, 30 January 2026.
TASS, “US does not intend to maintain long-term military presence in Syria — envoy”, 20 January 2026.