ليس منح لجنة نوبل للسلام يوم الجمعة الماضي جائزتها المرموقة لنافي بيلاي مجرد قرار رمزي، من دون أن يقلل ذلك من قيمة الخيارات الرمزية. منح الجائزة للمفوضة السابقة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، رئيسة “لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل”، القاضية الجنوب أفريقية من أصل هندي، لو حصل قبل أعوام لكان مختلفاً عن معناه عام 2026 أو بشكل أدق في أي سنة تلت تسلم دونالد ترامب الرئاسة الأميركية.
منح السيدة الجائزة تكريمٌ لماضٍ ولحاضر وتبشير بمستقبل ممكن. ماض ساهمت فيه بحماية ضعفاء منتهكة إنسانيتهم ممن يكرههم ترامب أكانوا في جنوب أفريقيا أم رواندا أو نساء أو فلسطينيين. وحاضر تشترك في مساعيه لإنصاف مسلمي روهينغا ميانمار التي فتحت إدارة ترامب محادثات مباشرة مع حكامها الدمويين الشهر الماضي. كذلك فإنّ منحها الجائزة تشجيع لاحتمال مقاومة الأخلاق الترامبية مستقبلاً، لا لأن الفائز بها يحصل على 12 مليون كرونة سويدية (1.22 مليون دولار)، إنما لأن حامل نوبل للسلام غالباً ما يُراد له أن يكون قدوة أو مصدر إلهام.
ليس منحها الجائزة قراراً رمزياً لأنّ السيدة، رغم سنواتها الـ85، لم تُحَل إلى التقاعد ولم تحل نفسها إليه، بل إنها لا تزال قاضية خاصة في محكمة العدل الدولية للنظر في القضية المرفوعة من غامبيا ضد ميانمار بشأن إبادة الروهينغا. بيلاي فاعلة في العمل القانوني الدولي، وهي لم تتعب من الدفاع عن معارضي الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ومحاكمات مجرمي إبادة رواندا ثم المساهمة في تجريم الاغتصاب بوصفه أداة للإبادة الجماعية، وصولاً إلى رئاسة اللجنة الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة عام 2025. والتقرير الأخير هو الأشهر ولكن سبقه آخر مؤلف من 72 صفحة للجنة نفسها وقد ترأستها السيدة إياها في يونيو/ حزيران 2024 أدان الطرفان، إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تشمل الحصار الشامل، والتجويع بما هو أداة حرب، والتهجير القسري، واتهم التقرير حركة حماس وفصائل فلسطينية بارتكاب جرائم حرب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. والتهمة الأخيرة الخاصة بالفصائل الفلسطينية لا يجدر أن تكون تفصيلاً عند جماعة كارهي ترامب ونتنياهو ممّن يُربط لسانهم عند وصول الحديث إلى حكام إيران وروسيا والصين وحزب الله والحوثيين وتنظيمات تتباهى بتأييد كل من يحارب أميركا وإسرائيل ولو كان وردة مصنوعة من دم مثل بن لادن أو البغدادي أو الزرقاوي أو عبد الملك الحوثي بصرخته المليئة عنصرية وهي تلعن اليهود. واتهام لجنة التحقيق المذكورة حركة حماس وفصائل أخرى نال حصته الوازنة من الهجاء عندما صدر، لأنّ أصواتاً قد تكون أكثرية في منطقتنا تستكثر أن تندد أعلى مؤسسات قانونية في العالم بقتل مدنيين إسرائيليين، بينما مطلوب منها النظر بأعيننا، ووصف قتل مدنيينا حصراً بالإرهاب. مع ذلك، احتفت “حماس” بمنح الجائزة للقاضية الشهيرة بينما لم يكن الهذيان الصادر من تل أبيب مفاجئاً بما أن بيلاي معروفة بكرهها لإسرائيل حسب بيان شتائم وزارة الخارجية الإسرائيلية، وبشيطنة اليهود وفق بنيامين نتنياهو. ولكي نتأكد من أن نافي بيلاي من طينة البشر الذين لا يتراجعون أمام احتمال حجب فيزا أميركية عن جواز سفرهم أو تضرر حساباتهم المصرفية من عقوبات أميركية، كان لا بد لها من أن تسخر في كلمتها التي ألقتها أمام لجنة نوبل من مدينة نورمبرغ الألمانية (أي صدفة رمزية هذه!) من ترامب وهوسه بالتصفيق وبالفوز بالجائزة، فوعدت بمشاركتها معه “إذا صفقتم أكثر قليلاً”.
قد تكون محاربة ترامب عسكرياً مستحيلة، وهي غير مطلوبة على كل حال، لكنّ مقاومته ونهجه وأخلاقه والسياسة التي يريد أن يرسيها بوصفها “نهاية للتاريخ”، ممكنة مع وجود شخصيات مثل نافي بيلاي ولولا دا سيلفا ومارك كارني وغيرهم.