
لا يكتفي قارئ مجموعة الشاعر المغربي ياسين عدنان «نايُ الأندلسي» باستخلاصه، بعد ختامِ آخر جملةٍ فيها؛ أنَّ الشعراءَ هم جوّابو آفاق المجرّة، أو سائقو قطاراتها الذين يقودون أبناء جنسهم للتفكّر في وجودهم، ومعاني فَنائهم الذي ليس فناءً بقدْر ما هو تحوّل لغبار النجوم التي أصبحوها في عمليّة التحلّل. وإلى كائناتٍ يُحتمل أن تكون أيُّ شيء جميلٍ وساحرٍ وأخّاذ يدفع للتفكير العميق في الأصول التي كونته هكذا، أو يعيش جمالَ ما هو عليه بحكمةِ عيش الجمال من دون تفكير، كما فعل آينشتاين حين لمسَتْ عيناه رعبَ مرآة الواقع بقوله إنه «يحبّ أن يعتقد بوجود القمر حتى لو لم يوجد واقعاً إن لم ينظر إليه».
ولا يكتفي القارئ الذي ختم المجموعة بأبيات التحوّلات وعودة الابن الضال إلى غبار النجوم، ربّما، بتأمّل ما عاش من نشيدٍ أرضيّ كونيٍّ ينسلُّ منه ناي الأندلس خيطَ حريرٍ تنسج منه الإنسانية ثوب تآلفاتٍ، يضاهي شبكة عنكبوت الطبيعة وشبكة عنكبوت التواصل الصناعي. من دون أن يعود إلى الإهداء الذي يبدو في الظاهر من أبٍ لابنه: «عدنان ياسين»، لكي يتفكّر ربّما في محاولات الإنسان للخلود بتسمية الأبناء على أسماء الأجداد، ويتفكّر في ما أضافه له «ناي الأندلسيّ» بشجوه المتدفق سَفَراً في عروق الأرض ومدنها التي:
«لم تكن مدناً/ كانت نجوماً/ تضيءُ سماءَ أحلامكَ/ لم تكن مدناً/ كانت أشجاراً تخفي غابة الروح/ وكنتَ كلَّما حلَلْتَ بأرضٍ/ تذكَّرتَ أنكَ كنتَ لها ابناً/ في عمرٍ آخرَ/ غيرِ هذا الذي تجرجرهُ خلفكَ/ وأنت تعبرُ/ هذا الجسر المعلَّقَ بين ألفيتين/ كلَّما زرتَ مدينةً شهقتَ:/ كأنّي هنا ولدتُ/ كأنّي هنا/ سأموت. في باريس/ كنتُ نبيلاً ذا شعرٍ أشقرَ/ أُدعى الكونت دو (لا أذكر ماذا)/ في بروكسل/ عازفَ جيتارٍ في مترو الأنفاق/ في قرطبة/ كنتُ روضاً/ ثم نافورةً/ في دارةٍ قديمة/ وفي إيسلندا/ تصاعدتُ أعمدةً من رمادٍ/ كنتُ البركانَ/ يهزّ نهرَ الجليد».
وربما لا يكتفي القارئ بالصحو من سكرة قصيدة «دفتر العابر» هذه برحلتها الطويلة الملحمية التي تضمنتْ في الظاهر عنوانَ الكتاب، بما لا يغيِّبه في العمق عن باقي قصائد المجموعة الثلاثة الأخرى، من دون أن يعودَ إلى أخذ رشفةٍ متمهّلةٍ بتلذّذٍ من كل مقطعٍ في كلِّ قصيدة.
تمايزٌ حدّ الموت:
على شجى ناي القصيدة الأولى «زهرة عبَّاد اليأس»، المنسوجةِ بحرير مأساة قاتل يأسه/ الشاعر الجاهليّ طَرَفة ابن العبد، وفي السؤال البسيط، والمثير بسبب هذه البساطة نفسها، للتساؤل عمّا إذا كان هناك لغزٌ في السؤال: من قتل من؛ الملك عمرو بن هند أم الشاعر طَرَفة بن العبد؟ يبدو من العدل إغناء السؤال بصيغة؛ من يقتل من؛ «الذي» قتل الآخر وانتهى منه في اللحظة، أم الآخر الذي يقتلُ قاتلَه، كلّ لحظةٍ يقرأ فيها عاشقٌ للشعر بيتاً من أبيات طَرفَة في هذه الدنيا الممتدة الشاسعة التي يستحيل أن تخلو من عشاق الشعر. ويَعرف أن الملك عَمرو بن هند قتل شاعراً شاباً لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره، غيلةً تنضح بالجبن والخسّة إذ حمّله رسالةً إلى عامل له بأن يقتل حامل الرسالة. وربّما ارتقتْ معرفته من الحيرة في سلوك الشاعر الذي أصرّ على عدم فتح الرسالة وهو يعلم ما بها، وعلى عدم الهرب إذ طلب منه العامل ذلك وكأنه لم يستلم منه الرسالة، إلى التفكير في غرائب الإنسان وسلوكِه مع الوجود والأمثولات التي يتركها لمن يأتي من التفكير حتى في كيف يمكن للقتيل أن يقتل قاتله؟
وفي السؤال البسيط كذلك في إن كان إهداء عدنان هذه القصيدة «إلى طَرفَة بن العبد» يستحقّ مقدّمةً بهذا الطول حول هذا الشاعر، ربّما لن يستغرب القارئ هذا الاستحقاق، إذ يقرأ، إضافةً إلى إرفاق الإهداء ببيته الشهير في معلّقته حول نبذ المختلف بوعيه وفكره واعتقاده من قبل القطيع: «إفراد البعير المعبّدِ»، وضعَ مناسبةِ الإهداء الغريبة: «في عيد ميلاده السابع والعشرين»، بإشارة ذكيّة إلى خلود الشاعر حيث حدّدَتْ كتب السيرة عمرَ طرفة الذي عاشه بستة وعشرين عاماً.
ولن يستغرب القارئُ بعد هذا كذلك في قراءته لهذه القصيدة، تركيزَ عدنان على الاختلاف من جهة تجربته مع العالم الذي وجد نفسه فيه؛ إذ يبدأ القصيدةَ بخطابٍ إلى العالم، من خلال تقريعه على وجومه أمام ما يحدث فيه من دمار، قبل أن يخبر القارئ من خلال استمرار هذا الخطاب عن تجربته منذ ولادته كـ «مجرد خطأ في كتاب الكون». ثم يخاطب مراحل العمر كقطارات مجنونةٍ وسنواتٍ عجولةٍ تجري ولا تلوي، ويتحدّث عن ذاته وسأَمه من المشي في «هذه الجنازة التي تسمّى الحياة»، وعن اليباب والكآبة واللا جدوى، والنبذ واليأس اللذين يتشابكان مع حال شاعره المهداة له قصيدته، مخاطباً «الآخرين» ومحذّراً لهم من الانقراض ما داموا يكررون سلوك القطيع.
ويصيغ عدنان مخاطباتِه للعالم وللذات وللمعاني التي تعبّر عن مجازاتٍ عميقةٍ متشابكةٍ بوجودها الطبيعي، مثل الصحراء التي تخاطبُ وتهدِّد العالمَ إن لم يحذر من قتله للخضرة، بلغةٍ غنيّة متدفّقةٍ تُدخل كائناتِ ومفرداتِ الطبيعة فيها، بأسلوب قصيدة النثر التي تستخدم جميع إبداعات ما بعد الحداثة من عناصر، للخروج بالصيغة التي تمنح القصيدة خصوصيتها.
ومثلُ حال المبدعين المعنيين بالتجديد، يُدخِل عدنان الكتابة في قصيدته من خلال مشابكتها مع اليأس، وختام هذه المشابكة بـ: «آهٍ يا سكّرَ الاستعارات المغشوش/ تحلّل بعيداً عن فنجاني/ أريدُ القصيدةَ مُرّة/ كقهوة السّكران/ كي تدوِّن في سواد عيونِها/ هذا الصداع العظيمَ/ الذي يزلزل رغبتي في العيش».
على تأملاتِ هذا الناي فيما يجري للعالم، وآماله في تغيير ما يتكرّر، وفي توقّع حلول يوم العقاب والثواب وحدوث التغيّرات، وفق تصورات الديانات والعرّافين لعام ألفين، في قصيدته الثانية «في الطريق إلى عام 2000»، لا يجدُ الشاعر الذي حفرت الأيام السابقة أخاديد مآسيها في داخله بعد عرضه لها، أيَّ تحقّق لأيّ توقّعٍ صدرَ عن آمالِ وأوهامِ المكلومين المتأمّلين والعرافة.
وطالما أنّ اليومَ المتوقّعَ حدوثَه لمحاسبة الظالمين ومكافأة الطيبين لم يحدث سوى في فيلم فرانسيس فورد كوبولا «القيامة الآن» على يد الأمريكيين، بوصول أحد جنرالاتهم إلى قلب ظلمته، في قصفهم للفيتناميين بالنابالم الناري وقاذفات اللهب، في رسالة غفران أبي العلاء المعرّي وفصل الجحيم في كوميديا دانتي أليجيري الإلهية، يقوم عدنان بفتح عالمٍ موازٍ يصنع فيه قيامةً أكثر هولاً مما تم تصويره من قيامات، بقصيدته «رصيف القيامة».
ويُحضِر على هذا الرصيف جمعَ نماذج تأتي جمعاً وفُرادى، ممثِّلةً لتاريخ البشرية، حيث نُفخ في الصور، ويدفع نماذجه للنفخ من أجل تحويل النار المصبوبة برداً وسلاماً، قبل أن يُسلِمَهم إلى هول شواء جيروم بوش في متحف برادو، بالأسلوب السردي والسخرية المرّة المأساوية التي تجيد خلقهما قصيدة نثر ما بعد الحداثة.
وفي هول هذا اليوم الصاهر المصهور يبدأ عدنان بإحضار نماذجه، حيث: «جاء الملوكُ والمنجّمون/ وجاء الحكماءُ من الكتب القديمة/ وجاء أدونيس وادّعى أنه المتنبّي/ وجاء عبد المنعم رمضان/ فسألته العصفورة عن ناريمان/ وجاء قاسم حدّاد/ ليدلَّ الوعول على قبره/ وجاء الصِّدّيقون فكذبوا…»
إضافة إلى إحضار عدنان الأشياءَ حيث: «جاءت حاملات الطائرات وصواريخ الكاتيوشا/ وعميلاتُ الموساد الشقراوات/ وجاءت الناقةُ فعقروها». إلى آخر ما يدهش القارئ من حضورٍ، حافلٍ بالهول وبالسخرية ويصلُ حدّ تهشُّم واختفاء اللغة مع ذوبان الأجساد، حيث: «ذابت الأصابع أولاً/ ثم امّحت الأقدامُ/ ولم تعدْ هناك في العربية/ كلمة اسمها الخُطى».
على رصيف قيامته، يختلط حابل عدنان بنابله، في تحويرٍ متراكِبٍ لما عُرف عن الشخصيات والأحداث، حدّ حضورِ أهل الكهف يتبعهم كلبهم، وحضورِ ملوكٍ: «كانوا مهتمّين فقط باحترام قواعد النحو/ ومخارج الحروف». مع مشابكة عدنان للنصوص والآياتِ والشخصياتِ مع هذا التحوير، من مثل انتباذِ عاشقين ظلَّ زيتونةٍ قصيّة، بدلاً من نخلةِ القرآن، وتمازجهما تحتها: «بعد أن صارت الأجساد مائعةً/ بسبب وردة اللهب التي تقصف الكون».
وفي هذا الانصهار المهول، يُدخل عدنان العصاةَ ولعلّهم الصوفيون الكونيوّن وهم سادرون عن كل هولٍ سوى خطواتِهم التي تخوض معراج المعصية باستنارةِ أن الهدف هو الطريق لا النتيجة.
تشابك متفرّد في لحظة جمال واحدة:
على إيقاعات نايه في قصيدته الرابعة الملحمية، المذهلةِ المتدفِّقة لغةً وثقافةً وتشابكاتٍ مدهشةً: «دفتر العابر»، ينقل عدنان رحلتَه الأرضيّة في مدنِ وقرى وشوارع العالم، إلى رحلة كونيّة تتفرّدُ برؤيتها عن الوجود والموت والخلود، كابن مخلصٍ للأرض بما فيها من تنوّع جماليّ مذهل بمعانيه، وللكون بما يحمل من مجهولٍ دافعٍ لاكتشاف أبعادِه في دواخلنا أولاً قبل أبعادِه الخارجيةِ التي لعلّها واحدة.
ويوجز عدنان معاني هذه الرحلة الشاسعة الحافلةِ بثقافات البشر على امتداد جغرافيتهم وتاريخهم وشعرائهم، بتقديمٍ يضمّ أربعة أقوالٍ: من القرآن/ سورة الرحمن 55: 33: «يامعشر الجنِّ والإنسِ…لا تنفذون إلا بسلطانٍ». ومن الإمام الشافعي، عن تعويض الحياة بـ: «سافرْ تجدْ عِوَضاً عمّن تفارقه». ومن المتنبي، عن متعة العيش في الحركة تحت الخطر مقارنةً بحياة السكون. ومن روني شار بجملته التي تضمّنت خيطاً من قصيدة رصيف القيامة بـ:»الهدفُ هو الدّرب لا ما يفضي إليه».
ويضع عدنان لفصل المقاطع القصيرة لهذه القصيدة الطويلة سطر فراغٍ، ويزوّدُها، لوصلها، بلازمةٍ تتمحورُ حول تعبير «جنَّة النار»، كما لو كان يريد وصلها بالقصيدة التي قبلها أيضاً، ضمن تفاصيل الرحلة التي تبدأ بـ «ثمُّ رحلنا إلى جنَّة النار». في الطريق إلى الله الذي ينتهي إلى الذات المتحولة كائنات وأشياء تجد نفسها ضمن خوارزميةٍ تعبّر عن وحدة الكون وأصله في غبار النجوم.
وفي هذه الرحلة التي لا بدّ للقارئ من عيشها نصاً، إذ لا يمكن إيجازُها بسبب الامتداد الشاسع لأبعادِها في مقالٍ، يطعِّمُ عدنان في أسلوب صياغتِها بقصيدة النثر، جملاً ومقاطع تفعيلةٍ تعكس أصوله الشعرية وإجادته للتفعيلة، بما يمنح القصيدة تجربةً إيقاعيةً أيضاً.
وإضافةً إلى أسلوب السّرد الحكائي الذي يجسّد الرحلات، ومعاني الطرافة والسخرية واستخلاص الحِكَم التي لا بدَّ منها لتجسيد الرحلة، والكثير الكثير من عناصر فنِّ قصيدة النثر التي تناسب السفر والمدن ولقاءاتِ الصداقة والحميمية العاطفية من مثل إدخال أسلوب القطعة ضمن أسلوب السطر، يقوم عدنان بمشابكة الأحداث والشخصيات وقلبِ المعاني والمفاهيم، ومراكبةِ ونقل الكلمات، بخبرةٍ لغويّة لافتةٍ، من معانيها الطبيعية المتعارف عليها مثل «الكلاب» و«العناكب»، إلى معانيها المجازية في تجسيد سلوكيات الإنسان الجميلة والرذيلة، وابتكاراته التي تجسّدها شبكة الإنترنت.
ومع الكثير الكثير الذي يمكن للشّعراء استخلاصه والإفادة منه قبل القرّاء، تجدرُ الإشارة إلى جمال تشابك قصائد المجموعة مع موتيفات الفنان وليد رشيد القيسي، للتعرّف على وجهٍ من وجوه إبداعاتِه التي نالتْ اهتماماً واسعاً بإقامة المعارض، والنشر، والدراسات الفنية.
ياسين عدنان: «ناي الأندلسي»
العائدون للنشر، عمّان 2024
225 صفحة.