أمكن لمفاوضات طويلة معقّدة أن تنتج في القاهرة اتّفاقاً بشأن سلاح حركة حماس. وعلى الرغم من أنّ الاتّفاق ضبابيّ النهايات وقابل للتأويل والاجتهاد، يزيل نظريّاً عقدة لطالما اعتُبرت مفصليّة لتسويق خطّة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب للسلم في غزّة. وما بين رواية ترامب ورواية “حماس” واعتراضات إسرائيل يتقدّم “مجلس السلام” صوب القطاع المنكوب.
سارع ترامب، الجمعة الماضي، إلى إعلان توصّل “مجلس السلام” إلى اتّفاق لنزع سلاح “حماس” والفصائل المسلّحة في غزّة. استخدم تعبير “نزع” وبدا مزهوّاً بما اعتبره إنجازاً سياسيّاً يقف شخصيّاً وراءه “بسبب ما أنزله بإيران من هزائم”. باع الرأي العامّ برمشة عين انتصارين: واحداً في غزّة وآخر في طهران. وفيما قدّم المنجز بصفته نهاية المطاف، أظهرت أطراف الصراع صيغاً ونسخاً تشي تناقضاتها ببدايات مرحلة معقّدة.
تحدّث ترامب ومعه إسرائيل عن “نزع” السلاح. اعتبرت إسرائيل الاتّفاق غير كاف ومفخّخاً وأدنى ممّا تطالب به لأمنها. كرهت حركة حماس تعبير “النزع” ونفته وتحدّثت عن اتّفاق تنازلات متبادلة تشترط فيه لـ”تخزين” السلاح تنفيذ إسرائيل مسبقاً لالتزاماتها. ثمّ إنّ ما أعلنه ترامب عنوان خالٍ من أيّ تفاصيل تشرح كيف ستتمّ معالجة معضلة السلاح وبأيّ آليّات وهويّة المراجع المعتمدة لتنفيذ الاتّفاق والإشراف عليه. إنّها التفاصيل وشياطينها.
ما صدر عن ترامب بشأن الحدث يفيد بأنّ المنجز “تاريخيّ” سيفضي إلى نزع كامل لسلاح “حماس” والفصائل المسلّحة الأخرى، ويجري تنفيذه على مراحل، بحيث يتزامن انسحاب القوّات الإسرائيليّة مع التقدّم في نزع السلاح تحت مظلّة قوّة استقرار دوليّة وشرطة فلسطينيّة جديدة. في الرواية المقابلة قرأ كلّ طرف الاتّفاق بسياقات مختلفة وحتّى مخالفة.
إدارة فلسطينيّة للسّلاح
لا يدور الأمر في الرواية الحمساويّة حول تسليم السلاح. ولا مجال لتفكيك فوريّ ونهائيّ للبنية العسكريّة، وفق مطالب إسرائيل. تقبل الحركة إخضاع السلاح للجنة وطنيّة فلسطينيّة، في إطار إدارة فلسطينيّة- فلسطينيّة، مع ربط كلّ خطوة بالتزام إسرائيل الانسحاب ووقف الهجمات وتثبيت ترتيبات المرحلة الأولى.
تنشد نسخة حركة حماس من الاتّفاق الحفاظ على هامش سياسيّ يدفع عنها كأس “الاستسلام” المرّ الذي تشي به كلمات ترامب. حرصت “الحركة” مع ذلك في أبجديّاتها على تقديم تمرين موجع يجمع بين “التنازل من أجل شعبنا في غزّة” والحضور في المراحل المقبلة والتلويح الدائم بأنّ التنازلات تشمل إسرائيل أيضاً.
غير أنّ خارطة الطريق التي جرى تداولها من قبل “مجلس السلام” تضيف بعداً آخر إلى المشهد. لا تكتفي الخارطة بالعناوين العامّة بل تذهب إلى تفصيل بنية المرحلة الانتقاليّة. تقوم الخطّة على 5 مبادئ، في مقدَّمها تنفيذ قرار مجلس الأمن 2803، ثمّ الانتقال التدريجيّ بين المراحل وفق التحقّق الميدانيّ، لا وفق الوعود السياسيّة. وقد تجد “حماس” في الخارطة ما يحمل الماء إلى طواحينها.
يؤكّد النصّ الذي نشره “المجلس”، الجمعة، تراتبيّة ترهن كلّ خطوة بما حُقّق قبلها. في المشهد أنّ “الحركة” تقول إنّه لا “تخزين” للسلاح قبل بدء انسحاب إسرائيليّ مبرمج، فيما تقول إسرائيل إنّه لا انسحاب من دون “نزع السلاح” و”تفكيك” الحركة والفصائل.
جرى إنتاج اتّفاق بند السلاح الذي أُبرم في القاهرة بناء على ضغوط إدارة ترامب من جهة وضغوط الوسطاء من جهة مقابلة. تقول “حماس” إنّ الوسطاء قدّموا ضمانات مطمئنة مصدرها واشنطن أقنعت “الحركة” بالمرونة والتعاون. تقول أيضاً إنّه سبق قبل أشهر أن قُدّمت تلك الضمانات لكنّها لم تستطِع وقف المقتلة على الرغم من التزام الحركة لها.
وفق ذلك الواقع تبدو الولايات المتّحدة السلطة الراعية للاتّفاق، فيما إسرائيل تشتري الوقت لتمييعه وإغراقه بالحسابات الداخليّة عشيّة انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأوّل المقبل.
اعتراض على 3 نقاط
نُقل عن مصدرين مطّلعَين أنّ إسرائيل أبلغت “مجلس السلام” اعتراضاتها على 3 نقاط وصفتها بأنّها “غير مقبولة” في الاتّفاق:
1- عدم تدمير الأسلحة التي سيجري جمعها من حركة حماس.
2- إشراك قطر وتركيا في آليّة التحقّق من تنفيذ بنود خارطة الطريق.
3- عدم منح الجيش الإسرائيليّ حرّيّة التحرّك في المناطق التي ستنتقل مسؤوليّتها إلى قوّة الاستقرار الدوليّة.
بالنسبة لإسرائيل تتقدّم المواقف وفق المعادلة الأمنيّة. المفارقة أنّ “مجلس السلام” أيضاً يعالج الأمر نظريّاً. يتقدّم في هياكله وأهدافه شعار “سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد”. لكنّ ترجمة هذا الشعار على الأرض ليست سهلة لأنّ القطاع يُدار وسط شبكات نفوذ، وبقايا تشكيلات مسلّحة، ومجتمع أنهكته الحرب ويخشى الفراغ أكثر ممّا يخشى النصوص. وفق ذلك الواقع يبدو الحديث عن تسليم السلاح إلى لجنة وطنيّة، مع إعادة تنظيم الشرطة الفلسطينيّة وإعادة هيكلة الإطار الأمنيّ، أقرب إلى تسوية انتقاليّة منه إلى حلّ نهائيّ.
بين 200 و250 يوماً
تتحدّث التقديرات عن أنّ عمليّة نزع/تخزين السلاح قد تمتدّ بين 200 و250 يوماً. ليست المسألة عمليّة سريعة، بل مسار طويل ومعقّد يحتاج إلى ضبط متواصل ومظلّة سياسيّة مستقرّة. يأنس الأميركيّون لصيغة “المراحل”، فيما يكره الإسرائيليّون عبور المراحل ويرفضون أيّ انسحاب غير مقترن بما يعتبرونه تفكيكاً حقيقيّاً لقدرات “حماس” و”أخواتها”.
يجوز للمراقب أن يتساءل عمّا إذا كان زمن غزّة قد حان فيما العواصم منهمكة في مقاربة حروب كبرى في أوكرانيا وإيران. وفي الكلام عن الزمن لا يدور الخلاف حول السلاح فقط، بل حول من يمسك بزمام الأمور المقبلة في غزّة.
تزعم إسرائيل البحث عن ضمانة أمنيّة صارمة قبل أيّ انسحاب، وتطالب “حماس” بانسحاب ملموس قبل أيّ تنازل إضافيّ. وفي هذا الزمن تحاول الولايات المتّحدة أن تمسك العصا من الوسط من خلال “مجلس السلام”، قوّة الاستقرار الدوليّة، واللجنة الوطنيّة الفلسطينيّة.
في البال أنّ تعدّد المراجع المحليّة والدوليّة قد يمنح نظريّاً الاتّفاق أبعاداً جادّة، لكنّ تنفيذه تقرّره موازين القوى في بعدَيها الميدانيّ الذي تسيطر عليه إسرائيل، والدوليّ الذي تتحكّم به واشنطن ومزاج الحاكم في البيت الأبيض.
